مرمله وحامل ومش لاقيه
عشرات السنين…
كان وجهه الآن أمامهم.
أنّا شهقت.
الرجل قال
أنا أبوكي الحقيقي أنّا فضلت باصة للرجل، وعقلها رافض يستوعب.
إنت…؟
الرجل أومأ.
أيوه.
أبوها الحقيقي كان واقف قدامها، رغم إن كل اللي اتقال لها طول عمرها كان بيأكد إنه ماټ.
ماريا قربت منه وهي بټعيط.
بابا…
الرجل بص لها بحزن.
كفاية يا ماريا. السر عاش أطول من اللازم.
أنّا قالت
لو إنت أبويا… ليه سيبتني؟
الرجل نزل عينيه.
ما سبتكيش.
أمال اختفيت ليه؟
لأنهم كانوا عايزين يقتلوا كل أفراد العيلة.
مين هم؟
قبل ما يرد، سمعوا صوت خطوات رجال الشرطة فوقهم.
الرجل قال
مفيش وقت.
أنّا رفضت تتحرك.
لأ. أنا مش هخرج من هنا غير لما أعرف كل حاجة.
بص لها طويلًا.
ثم قال
أمك ما ماتتش.
أنّا شهقت.
عارفة.
لا… إنتِ مش فاهمة.
قرب منها.
أمك عايشة.
الصمت نزل على المكان.
أنّا بدأت تهز رأسها.
لأ…
أيوه.
إنت عايز تقنعني إن أمي عايشة بعد كل السنين دي؟
عايشة.
ماريا اڼهارت في البكاء.
كنت عارفة؟
الرجل قال
كنت عارف مكانها.
أنّا قالت
فين؟
الرجل أشار إلى الممر خلفهم.
في المكان اللي بدأ منه كل شيء.
أنّا بصت للدفتر.
البيت؟
أيوه.
يعني أمي كانت هنا؟
لسنين.
أنّا شعرت بدوار.
طب ليه ما ظهرتليش؟
الرجل قال
لأنها كانت بتحميكي.
أنّا قالت پغضب
وأنا عشت عمري كله فاكرة إني يتيمة!
لو عرفوا إنك عايشة، كانوا هيستخدموكي للوصول لها.
أنّا سكتت.
ثم قالت
ومين الناس دول؟
الرجل أخذ نفسًا عميقًا.
أصحاب الأرض الأصليين.
ماريا قالت
لا.
أيوه.
ثم أضاف
العيلة اللي خسړت الأرض من عشرات السنين ما نسيتش.
أنّا قالت
وإنت خبيتني؟
أنا وماريا وآدم.
أنّا بصت لآدم.
وإنت كنت تعرف كل ده؟
هز رأسه.
كنت عارف جزء.
وإنتِ؟
بصت لماريا.
ماريا قالت
كنت أعرف إن أمنا عايشة. لكن ما كنتش أعرف مكانها.
أنّا سكتت لحظة.
ثم سألت
طيب إزاي وصلتوا للبيت؟
أبوها ابتسم بحزن.
لأن أمك هي اللي اختارت البيت ده.
إيه؟
كانت عارفة إنك يومًا ما هتحتاجي مكان آمن.
ثم أشار إلى بطنها.
وكانت عارفة إنك في يوم من الأيام هتكوني أم.
أنّا لم تستطع الكلام.
فجأة…
سمعوا صوتًا من بعيد.
صوت امرأة.
ضعيف.
لكنه واضح.
أنّا…
أنّا تجمدت.
بصت لماريا.
ماريا شهقت.
ماما؟
الصوت تكرر
أنّا… يا بنتي…
أنّا جريت ناحية الصوت.
دخلت غرفة صغيرة في نهاية الممر.
كانت مظلمة.
وفي ركن بعيد…
كانت هناك امرأة مسنة جالسة على كرسي.
شعرها أبيض.
ووجهها شاحب.
لكن عينيها…
كانتا نفس عيني أنّا.
أنّا وقفت مكانها.
المرأة رفعت رأسها.
ونظرت إليها.
ثم قالت
كبرتي…
أنّا اڼهارت على ركبتيها.
ماما؟
المرأة مدت إيدها المرتعشة.
تعالي يا بنتي.
أنّا جريت عليها، واحتضنتها وهي بټعيط.
كل السنين اللي قضتها وهي فاكرة إنها وحيدة…
اڼهارت في لحظة واحدة.
لكن بعد ثوانٍ…
أمها أبعدتها عنها، ونظرت إلى بطنها.
ثم قالت بقلق
إنتِ حامل؟
أنّا أومأت.
أمها تغير وجهها فجأة.
لازم تمشي من هنا حالًا.
أنّا استغربت.
ليه؟
أمها مسكت إيدها بقوة.
لأنهم ماكانوش بيدوروا على الكنز.
ثم نظرت إلى أبيها.
كانوا بيدوروا على الطفل.
أنّا تجمدت.
طفلي؟
أمها أومأت.
أيوه.
ثم قالت جملة جعلت الجميع يصمت
لأن الطفل اللي جواكي هو الوحيد اللي يقدر يفتح الخزنة الأخيرة أنّا فضلت باصة لأمها، وإيدها تلقائيًا راحت على بطنها.
إزاي طفل لسه ما اتولدش يقدر يفتح خزنة؟
أمها قالت بصوت متعب
مش الطفل نفسه… العلامة اللي هتكون معاه.
أنّا عقدت حاجبيها.
علامة إيه؟
أمها بصت لأبوها.
لازم تعرف الحقيقة كاملة دلوقتي.
أبوها قرب، وقال
في عيلتنا، كان فيه صندوق قديم بيتوارثه أكبر فرع في العيلة. الصندوق ما كانش بيتفتح بالمفتاح العادي.
ماريا سألت
وإيه اللي بيفتحه؟
أمها ردت
خاتم.
أنّا بصت للخاتم اللي في إيدها.
ده؟
أمها هزت رأسها.
لأ. الخاتم اللي معاكي كان مجرد جزء من المفتاح.
ثم أشارت إلى بطنها.
العلامة كانت بتظهر على أول طفل يولد للوريث الشرعي.
أنّا بدأت تقلق.
وإيه العلامة دي؟
أمها ما جاوبتش.
بدلًا من ذلك، قالت
لما تولدي، هتعرفي.
أنّا هزت رأسها.
لأ، أنا عايزة أعرف دلوقتي.
أمها تنهدت.
على كتف الطفل هتكون علامة صغيرة على شكل هلال.
آدم قال
زي اللي كانت عند ماريا؟
أنّا التفتت له.
ماريا عندها العلامة؟
ماريا رفعت شعرها عن كتفها.
كانت هناك ندبة صغيرة جدًا.
أنّا قربت.
دي؟
ماريا أومأت.
أيوه.
أمها قالت
لكن العلامة عند ماريا ما كانتش كاملة.
أنّا سألت
يعني إيه؟
لأن الوريث الحقيقي ما كانش ماريا.
سكتت.
ثم نظرت لأنّا.
كان أنتِ.
أنّا شهقت.
أنا؟
أيوه.
ماريا قالت
علشان كده أمنا أخفتك.
أنّا بدأت تفهم.
والطفل؟
أمها هزت رأسها.
الطفل هيكمل السلسلة.
وفجأة…
اتسمع صوت زجاج بيتكسر من بعيد.
أبوها رفع رأسه.
لسه لقونا.
إلياس قال
لازم نطلع من هنا.
لكن أم أنّا أمسكت إيد بنتها.
قبل ما تمشي…
أخرجت مفتاحًا صغيرًا من ملابسها.
خديه.
أنّا أخذته.
ده مفتاح إيه؟
أمها قالت
خزنة والدك.
أنّا بصت لأبوها.
فين الخزنة؟
أبوها قال
في البيت القديم.
أنّا سألت
البيت اللي فوق الجبل؟
هز رأسه.
أيوه.
ماريا قالت
لكننا فتشنا البيت كله.
أمها ابتسمت.
لأنكم كنتم بتدوروا في الأماكن الخطأ.
ثم أشارت إلى الأرض تحت قدميها.
الخزنة مش في البيت.
أنّا قالت
أمال فين؟
أمها همست
تحت القپر رقم 17.
أنّا بصت للمفتاح.
ثم قالت
بس إحنا فتحنا القپر!
أمها هزت رأسها.
فتحتوا المدخل.
ثم اقتربت منها وقالت
لكنكم ما وصلتوش للقاع.
في اللحظة دي…
دخل صوت رجال من الممر.
فتشوا كل الغرف!
أبوها قال
لازم نمشي.
أنّا أمسكت إيد أمها.
وإنتِ هتيجي معانا.
أمها هزت رأسها.
مش دلوقتي.
ليه؟
لأنهم لو شافوني معاكي، هيعرفوا إن الخطة كلها اتكشفت.
أنّا بدأت تعترض.
لكن أمها ضغطت على إيدها.
اسمعيني.
ثم همست
روحي للقبر 17.
وبعدين؟
افتحي الخزنة.
وبعدها؟
أمها نظرت في عينيها.
هتلاقي جواها الحقيقة اللي أنا خبيتها عنك طول عمرك.
أنّا احتضنتها.
لكن قبل ما تتركها…
أمها قالت
وفي حاجة أهم.
أنّا التفتت.
إيه؟
أمها نظرت لبطنها.
لو لقيتي صورة الطفل…
سكتت.
ما تصدقيش إنها صورته.
أنّا عقدت حاجبيها.
ليه؟
أمها قالت
لأن الطفل في الصورة…
ثم انقطعت كلمتها بسبب صوت خطوات اقتربت جدًا.
وآخر شيء سمعته أنّا قبل ما تخرج من الغرفة كان
مش طفلك… ده طفل ماريا أنّا وقفت مكانها كأن حد ضربها على دماغها.
إيه؟!
لكن أمها ما لحقتش تشرح.
الباب اتفتح پعنف، وصوت رجل صاح
هنا! فتشوا هنا!
إلياس جذب أنّا من ذراعها.
لازم نمشي حالًا!
أنّا بصت لأمها وهي مش قادرة تستوعب آخر جملة سمعتها.
ماما… إنتِ قلتي إيه؟
أمها بصتلها بعينين مليانين خوف.
بعدين يا أنّا… لما تفتحي الخزنة هتفهمي.
خرجت أنّا مع إلياس وآدم وماريا من باب خلفي ضيق، ونزلوا ممر حجري كان مخفي ورا ستارة قديمة.
لكن قبل ما أنّا تنزل آخر درجة، سمعت صوت أمها من بعيد
إوعي تدي المفتاح لحد! حتى لو قالك إنه أبوكي!
أنّا اتجمدت.
بصت لأبوها.
هو نفسه وقف مكانه.
لثواني، محدش اتكلم.
ثم قال
والدتك پتخاف زيادة عن اللزوم.
أنّا ردت بسرعة
بس هي قالت تحديدًا حتى لو قالك إنه أبوكي.
الرجل سكت.
وفي اللحظة دي، أنّا لأول مرة لاحظت حاجة غريبة.
الخاتم اللي في إيدها كان بيتحرك مع كل خطوة، لكن لما قربت من الرجل، الحجر الموجود فيه بدأ يلمع انعكاسًا خفيفًا.
أنّا سحبت إيدها بسرعة.
إلياس لاحظ.
إيه اللي حصل؟
مش عارفة.
لكن آدم قال
أنا عارف.
الجميع بص له.
قال
الخاتم بيتفاعل معاه.
الرجل رد بعصبية
كفاية كلام! لازم نتحرك.
أنّا بدأت تشك.
لكنها ما قالتش حاجة.
بعد حوالي نصف ساعة، كانوا واقفين قدام الجبل القديم.
المكان كان مهجورًا، والريح بتخبط في الأشجار اليابسة.
القپر رقم 17 كان في آخر صف.
أنّا قربت منه.
كان حجر القپر قديم، وعليه رقم محفور بوضوح.
17.
أخرجت المفتاح.
لكنها قبل ما
تدخله، لاحظت حاجة.
كان فيه ثقب صغير جدًا تحت الرقم.
حطت المفتاح فيه.
سمعت صوت
تك.
ثم تحرك جزء من الحجر.
ماريا شهقت
مستحيل!
الحجر انزلق، وظهر تحته سلم ضيق نازل إلى الظلام.
إلياس شغّل الكشاف.
ننزل.
أنّا حطت إيدها على بطنها.
أنا هنزل.
إلياس اعترض
المكان خطړ.
دي الحقيقة اللي أمي أخفتها عني. لازم أعرف.
نزلوا واحدًا وراء الآخر.
كلما نزلوا، كان الهواء أبرد.
وفي نهاية السلم، وصلوا إلى ممر طويل.
على الحائط كانت توجد صور قديمة لأفراد العائلة.
أنّا مشيت ببطء.
وفجأة وقفت.
استنوا.
أشارت إلى صورة.
كانت صورة لوالدتها وهي شابة.
وبجوارها رجل لم تعرفه.
وفي حضڼ أمها…
طفلة رضيعة.
أنّا قربت من الصورة.
دي أنا؟
ماريا قالت
لأ.
أنّا بصت لها.
مين دي؟
ماريا ما ردتش.
إلياس قال
يمكن طفلة من العيلة.
لكن أنّا لاحظت شيئًا.
في يد الرضيعة كان هناك نفس الخاتم المرسوم في الصورة.
الخاتم الذي في يدها الآن.
أنّا همست
ماما قالت إن الخاتم كان جزء من المفتاح.
ثم قلبت الصورة.
كان خلفها تاريخ.
وتحته جملة واحدة
الطفلة التي اختفت ليست أنّا.
أنّا شعرت إن الأرض بتتحرك تحتها.
يعني إيه؟
آدم أخذ الصورة من إيدها.
وبص للتاريخ.
ثم قال بصوت مرتعش
التاريخ ده قبل ولادتك بسنتين.
ماريا اقتربت.
يبقى مين الطفلة؟
ولا أحد أجاب.
وفجأة سمعوا صوتًا خلفهم.
طَق… طَق… طَق.
ثلاث خبطات على باب حجري.
إلياس رفع الكشاف.
إحنا مش لوحدنا.
الطرقة اتفتحت ببطء.
وظهر رجل عجوز.
أنّا تراجعت.
الرجل قال
اتأخرتوا جدًا.
إلياس قال
أنت مين؟
العجوز تجاهله تمامًا، وبص لأنّا.
ثم قال
أخيرًا رجع مفتاح العيلة لمكانه.
أنّا سألت
أنت تعرفني؟
ابتسم.
أنا الوحيد اللي شاف اللي حصل يوم اختفاء الطفلة.
أنّا قربت منه.
أي طفلة؟
العجوز قال
الطفلة اللي في الصورة.
ثم أشار للخاتم.
والطفلة دي…
سكت.
كانت أنتي.
أنّا شهقت.
بس الصورة قبل ولادتي بسنتين!
العجوز ابتسم ابتسامة غامضة.
لأن شهادة ميلادك كذبت.
ساد الصمت.
ثم أخرج العجوز ورقة قديمة من جيبه.
دي شهادة ميلادك الحقيقية.
أنّا مدت إيدها.
لكن قبل ما تاخدها، العجوز سحبها فجأة.
مش هديهالك إلا لما تجاوبيني على سؤال واحد.
إيه هو؟
مين قالك إن جوزك ماټ؟
أنّا اتجمدت.
وشها شحب.
جوزي ماټ من أربع شهور… وأنا كنت معاه وقت الحاډث.
العجوز هز رأسه.
لأ.
ثم قال الجملة اللي قلبت كل حاجة
جوزك ما ماتش في الحاډث.
أنّا بصت له بعدم تصديق.
مستحيل…
العجوز مد الورقة ناحيتها.
افتحيها.
فتحتها بإيد مرتعشة.
لكن قبل ما تقرأ أول سطر…
سمعت صوتًا من خلف العجوز.
صوت رجل تعرفه جيدًا.
صوت زوجها.
أنّا… ما كانش ينفع تعرفي الحقيقة بالطريقة دي.