مرمله وحامل ومش لاقيه
أنّا رفعت عينيها.
إنت كنت هناك؟
أيوه.
إمتى؟
من سبعة وعشرين سنة.
أنّا بصت للصورة مرة تانية.
والطفلة دي… مين؟
إلياس قال بصوت منخفض
اسمها ماريا.
أنّا افتكرت الدفتر.
نفس الاسم.
هي بنت صاحب البيت؟
هز رأسه.
أيوه.
فين هي دلوقتي؟
إلياس ما ردش.
أنّا ضغطت عليه
فين ماريا؟
قال أخيرًا
محدش يعرف.
يعني إيه محدش يعرف؟
اختفت وهي عندها ست سنين.
أنّا بصت للصورة.
ثم للدفتر.
ثم للصندوق.
كل حاجة بدأت ترتبط ببعضها.
لكن فجأة…
سمعت صوتًا من خلف الصندوق.
طَق.
أنّا وإلياس بصوا لبعض.
الصوت اتكرر.
طَق… طَق…
إلياس وشه اصفر.
مستحيل…
أنّا همست
في إيه؟
الصندوق بيتفتح من جوه.
أنّا اتراجعت.
لكن قبل ما يلحق يعمل حاجة…
غطاء الصندوق بدأ يتحرك ببطء.
وظهر منه طرف ورقة.
إلياس قرب بسرعة وسحب الورقة.
قرأ أول سطر…
وفجأة وقع منه الكلام.
أنّا قالت
مكتوب إيه؟
رفع عينيه لها.
دي شهادة ميلاد.
لمين؟
إلياس ما ردش.
أنّا خطفت الورقة من إيده.
بصت للاسم.
وبعدين…
شهقت.
لأن اسم الأم المكتوب في الشهادة كان
ماريا.
واسم الأب…
كان نفس اسم الرجل صاحب البيت.
لكن اسم الطفل…
كان هو الصدمة.
أنّا فضلت تبص للاسم، مش قادرة تستوعب.
وفي نفس اللحظة…
جاء صوت من آخر الممر.
صوت امرأة عجوز
متدوريش على ماريا…
أنّا وإلياس لفّوا في نفس الوقت.
كانت واقفة عند مدخل الممر.
لابسة عباءة سوداء، وماسكة عصا.
وقالت
لأن ماريا هي اللي كانت بتدور عليكي من سنين أنّا حسّت إن رجليها مش شايلة جسمها.
بصت للست العجوز، وبعدين للشهادة اللي في إيدها.
بتدور عليا أنا؟!
الست ما ردتش فورًا.
فضلت واقفة في مكانها، وبصتها ثابت على بطن أنّا.
وبعدين قالت
مش عليكي إنتِ بس…
وسكتت لحظة.
على الطفل اللي جواكي كمان.
أنّا حطت إيدها على بطنها تلقائيًا.
إنتِ تعرفي إيه عن ابني؟
الست قربت ببطء.
أنا أعرف أكتر مما تتخيلي.
إلياس وقف بينها وبين أنّا.
إنتِ ماكانش المفروض ترجعي هنا.
الست بصت له بحدة.
وإنت ماكانش المفروض تكذب عليها.
أنّا بصت لإلياس.
تكذب عليا في إيه؟
الست قالت
اسأليه مين اللي باع البيت للدولة.
إلياس سكت.
اسأليه مين اللي وقّع الأوراق.
أنّا قربت منه.
مين؟
الست جاوبت بدلًا منه
إلياس.
أنّا اټصدمت.
إلياس رفع إيده بسرعة.
استني! الموضوع مش زي ما هي بتقول!
أمال زي إيه؟
إلياس تنهد.
أنا وقعت الأوراق… لكن تحت ټهديد.
الست ضحكت بسخرية.
دايمًا عندك نفس الحجة.
أنّا بدأت تتراجع.
أنا اشتريت البيت بفلوسي كلها…
الست بصت لها بحزن.
وأنا عارفة.
عارفة إزاي؟
لأن الشخص اللي باعهولك كان متأكد إنك هتيجي.
أنّا اتجمدت.
يعني إيه؟
الست قربت أكتر.
البيت ما اتباعش علشان الدولة كانت عايزة تتخلص منه.
ثم أشارت للدفتر.
اتباع علشان حد كان عايزك تدخلي هنا.
أنّا فتحت عينيها.
أنا؟
أيوه.
مين؟
الست بصت للصندوق.
الشخص اللي تركلك الرسالة.
أنّا قالت
لكنه ماټ من سنين!
الست هزت رأسها.
ودي أول كڈبة في الحكاية.
الصمت نزل على المكان.
إلياس بص للأرض.
أنّا قالت
يعني صاحب البيت ما ماتش؟
الست قالت
محدش شاف جثته.
ثم مدت إيدها ناحية الشهادة.
والورقة اللي في إيدك دي… مش شهادة ميلاد عادية.
أنّا بصت لها.
أمال إيه؟
دي مفتاح.
مفتاح لإيه؟
الست أشارت إلى الدفتر.
افتحي الصفحة رقم 35.
أنّا فتحت الدفتر بسرعة.
صفحة 35 كانت شبه فاضية.
لكن في منتصفها جملة واحدة
حين تصل المرأة الحامل إلى البيت، ستبدأ الحقيقة في الظهور.
أنّا شهقت.
هو كان عارف إني هكون حامل؟
الست قالت
لأ.
ثم بصت لها في عينيها.
هو كان عارف إن امرأة من نسل العائلة هي اللي هتشتري البيت.
أنّا ما فهمتش.
أنا مالي بالعيلة دي؟
الست ما ردتش.
مدت إيدها داخل عباءتها، وطلعت ظرف قديم.
حطته في إيد أنّا.
افتحيه.
أنّا فتحته.
جواه صورة قديمة جدًا.
امرأة شابة واقفة قدام البيت…
وإلى جوارها طفلة صغيرة.
أنّا قربت الصورة من وجهها.
ثم اتسعت عينيها.
المرأة اللي في الصورة…
كانت تشبهها بشكل مخيف.
نفس شكل العينين.
نفس الشامة الصغيرة تحت العين.
حتى شكل الأنف.
أنّا همست
دي مين؟
الست قالت
أمك.
أنّا شهقت.
أمي ماټت وأنا صغيرة!
اللي اتقال لك طول عمرك مش الحقيقة.
أنّا حسّت إن الدنيا بتلف بيها.
يعني أمي كانت تعرف البيت ده؟
الست أومأت.
وكانت آخر شخص يخرج منه حيّة.
أنّا بصت للصورة، والدموع نزلت من عينيها.
لكن قبل ما تلحق تسأل…
اتسمع صوت فوقهم.
حد پيصرخ
لقينا المدخل!
إلياس بص ناحية السلم.
وصلوا.
الست العجوز مسكت إيد أنّا.
لازم تمشي دلوقتي.
أروح فين؟
للمكان اللي أخوك مختفي فيه.
أنّا اتجمدت.
أخويا؟
الست قالت بهدوء
أيوه يا أنّا…
ثم أضافت
إنتِ مش بنت وحيدة زي ما كانوا مخليينك تصدقي أنّا حسّت إن ودانها بتطن.
أخويا…؟
الست العجوز هزت رأسها.
أيوه. وكان أصغر منك بسنتين.
أنّا ضحكت ضحكة قصيرة من شدة الصدمة.
مستحيل… أنا طول عمري أعرف إني وحيدة. أمي ماټت وأنا صغيرة، وأبويا اختفى قبلها.
الست قالت
أبوكي ما اختفاش.
أنّا بصت لها.
أمال حصل له إيه؟
الست سكتت.
وفي اللحظة دي، سمعوا صوت تكسير فوقهم.
دوم!
إلياس قال بسرعة
مفيش وقت.
مسك مصباحًا صغيرًا وبدأ يدور في الحائط.
لازم نخرج من مخرج تاني.
الست أشارت إلى نهاية الممر.
الباب هناك.
أنّا جريت وراهم، وهي ماسكة الدفتر والصورة والشهادة.
وصلوا لباب حديدي صدئ.
إلياس أدخل المفتاح رقم 17.
لكن الباب ما فتحش.
جرب تاني.
ولا حاجة.
أنّا قالت
المفتاح مش للباب ده.
الست بصت لها.
أمال هو لإيه؟
أنّا افتكرت الجملة
الجزء الثاني في المفتاح رقم 17.
رفعت المفتاح قدام الضوء.
كان في رأسه رقم صغير محفور.
35.
أنّا قالت
المفتاح ده فيه رقمين.
إلياس قرب.
سبعتاشر… وخمسة وتلاتين.
أنّا فتحت الدفتر على صفحة 35.
وفجأة لاحظت إن طرف الصفحة فيه فتحة صغيرة جدًا.
دخلت المفتاح فيها.
طَق!
جزء من الحائط اتحرك.
ظهر درج سري.
جواه ظرف أبيض.
أنّا سحبته.
مكتوب عليه
لأنّا… قبل ما تعرفي اسمك الحقيقي.
إيديها ارتعشت.
فتحت الظرف.
وكانت أول جملة
لو وصلتي للرسالة دي، يبقى أختك الكبرى فشلت في إخفاء الحقيقة.
أنّا رفعت رأسها بسرعة.
أختي؟!
الست العجوز غمضت عينيها.
إلياس قال
كملي.
أنّا رجعت للرسالة.
أنتِ لم تكوني الطفلة الوحيدة التي نجت من تلك الليلة.
قلبها بدأ يدق پعنف.
كان معك طفل آخر…
سكتت.
ثم قرأت
أخوكِ لم يمت.
الدموع نزلت من عينيها.
أخويا عايش…
الست قالت
أيوه.
فين؟
قريب.
فين؟!
الست أشارت إلى نهاية الممر.
لكن قبل ما تقابليه، لازم تعرفي حاجة.
أنّا قربت منها.
إيه؟
الست قالت
هو مش الشخص الوحيد اللي نجا.
أنّا اتجمدت.
مين كمان؟
الست بصت إلى إلياس.
إلياس أنزل عينيه.
الست قالت
صاحب البيت نفسه.
أنّا شهقت.
وفي نفس اللحظة…
سمعوا صوت رجل من خلف الباب الحديدي.
صوت هادئ جدًا
افتحي يا أنّا.
الست العجوز تجمدت.
إلياس بص للباب.
أما أنّا…
فكانت تعرف الصوت.
لأنها سمعته قبل كده في التسجيل.
كان نفس صوت الرجل العجوز.
لكن الرجل المفروض إنه اختفى من سبعة وعشرين سنة.
ثم جاء صوته مرة أخرى
أنا عارف إنك بقيتي جوه.
أنّا قربت من الباب.
إنت مين؟
ساد الصمت.
ثم قال
أنا أبوكي.
أنّا وقعت منها الرسالة.
لكن قبل ما تستوعب الصدمة…
صوت آخر جاء من خلف الرجل.
صوت شاب
بابا… كفاية. سيبها تعرف الحقيقة بنفسها.
أنّا بصت للست.
مين ده؟
الست قالت
أخوكي.
ثم…
انفتح الباب ببطء.
وظهر شاب واقف في الظلام.
كان أكبر منها بحوالي سنتين.
أنّا بصت لوشه…
ثم للصورة القديمة.
ولأول مرة، لاحظت الشبه.
نفس العينين.
نفس الشامة.
نفس ملامح أمها.
لكن الشاب ما ابتسمش.
قال لها
أنتي لازم تعرفي ليه اتسابتي لوحدك كل السنين دي.
وسكت لحظة.
ثم قال
لأن اللي حصل لأمنا ماكانش حاډثة… كان چريمة أنّا فضلت واقفة قدامه، مش قادرة تنطق.
كل اللي كانت فاكره عن حياتها بدأ ينهار قدام عينيها.
أبوها عايش.
لها أخ.
وأمها…
ما ماتتش في حاډثة.
قالت بصوت مكسور
مين قتل أمي؟
الشاب ما ردش.
الرجل العجوز اللي وراه تقدم خطوة.
كان أكبر بكتير مما تخيلت أنّا، وشعره أبيض بالكامل، ووشه عليه آثار سنين طويلة من التعب.
بص لها وقال
قبل ما تعرفي مين قتل أمك، لازم تعرفي ليه أخدنا منك كل السنين دي.
أنّا صړخت
أخدتوا مني إيه؟!
طفولتك.
سكت.
وحقك تعرفي عيلتك.
دموع أنّا نزلت.
وإنت فين كنت كل ده؟
الرجل بص للأرض.
مستخبي.
مني؟
من الناس اللي كانوا بيدوروا علينا.
أنّا هزت رأسها بعصبية.
وإيه