جارتنا
فيه واحدة جارتنا ساكنة جمبي اسمها أمينة, بنت زي ما الكتاب ما بيقول, تشوفها حرفيا تلاقي نفسك بتوه في عالم تاني خالص, بس للأسف حياتنا ريفية وفكرة إنك تكلم واحدة من نفس البلد صعبة شويتين تلاتة, لأن لو أهلها شموا خبر هتروح انت وهي في خبر كان, ومفيش غير سبيل واحد عشان توصل للبنت وهو “الزواج”
وانا مكنتش بتاع جواز ولا حاجة, أنا كل همي في السـ,ـيجارتين والسهرة الحلوة على القهوة, حتى الشغل كنت بشتغل يوم وعشرة لا, كنت صنايعي نجارة وكنت بطلع يوم وأخد الأجرة عشان أضيعها على الأكل والحشـ,ـيش طول الاسبوع على ما أطلع يوم أو اتنين تاني, بس دايما العازب اللي مش في دماغه الجواز بيحس إن ناقصه حاجة, ودايما دماغه بتفضل مشتتة, ولو مشاعره متحركتش هتلاقي غريزته اتحركت تجاه أي أنثى, شـ,ـهوة مزروعة في ابن آدم زي شـ,ـهوة الجوع والعطش, وتجاهلها أكبر خطأ ممكن يحصل خاصةً لما تكون قليل النزعة الدينية..
عشان كدا يومها لما لمحت أمينة وهي راجعة من كليتها حسيت بإحساس غريب أوي, كأن روحك بتتنفس وحالة من السكـ,ـينة بتغزوك بمجرد ما بتشوفها, حاولت أتجاهل الإحساس ده بس معرفتش, خاصة لما شوفتها أكتر من مرة واتعلقت بيها أوي, كانت عاملة زي الملاك اللي بيخليك تتأكد إن كل اللي شوفتهم في حياتك مكانوش إناث وانها هي الأنثى الوحيدة على وجه الأرض..
لدرجة إني وصل بيا الحال إني لما كنت بفكر فيها كنت بحس بنشـ,ـوة أكتر من نشـ,ـوتي وانا بشرب الحشـ,ـيش, وحاولت أكتر من مرة أطلعها من دماغي بس مقدرتش إطلاقا, مرة واتنين وتلاتة بس كل ما كنت بحاول كانت بتسيطر على عقلي وقلبي أكتر واكتر, وبما إني مش بتاع جواز فكان الحل الوحيد إني لازم أدوق من الشجرة المحـ,ـرمة, خاصة إني حبيت كل حاجة فيها, وتمنيتها في خيالي زوجة وعشيقة وحبيبة وكل حاجة, بس كان لازم خطة محكمة عشان أقدر الفت نظرها ليا, خاصة إنها كانت ملتزمة وبتيجي من دراستها على البيت على طول, ولا بتروح يمين ولا بتروح شمال..
وفضلت وقت طويل بخطط ازاي هوقع واحدة زي دي والفت نظرها ليا ولو مرة واحدة, وبما إني قلبي ميـ,ـت ومبخافش فقررت أتبع إسلوب نابليون “خير وسيلة للدفاع هي الهجـ,ـوم” طبعا أنا مش مثقف ولا الكلام ده كله, بس بنحب نردد المقولة دي كتير, وخلتها راجعة في مرة من الكلية وناديت عليها وقولتلها الورقة دي وقعت منك, وكنت كاتب رقم تليفوني في الورقة لعل وعسى ترن عليا..
بس طبعا خدت الورقة, استنيت ترن, يوم, اتنين, بس طبعا هي مش هترن, ولا هتعبرني من الأساس, وبدأت أطاردها في أي مكان بتروحه, كنت بركب معاها العربية واقعد جمبها, كنت بستناها قدام كليتها, بل وكنت في مرات بهـ,ـرب من أمن الكلية وأدخل معاها المدرج..
وفضلت على الحال ده يمكن اسبوعين كاملين, لحد ما وقفت في مرة وهي غضبانة جدا وحـ,ـذرتني من اللي بعمله ده, واعترفتلها, اعترفتلها بكل حاجة وعرفتها إني بحبها وعاوزها, وإني مش هضايقها انا بس عايز أفضل جمبها وبس مش أكتر..
بس هي اعترضت, وهـ,ـددتني لو فضلت أطاردها كل شوية كدا مش هتسكت, وهتعرف أهلها باللي بعمله, كلامها ضايقني أوي, وعصبني, لأني مبحبش حد يهـ,ـددني, وعدتها إني خلاص مش هقرب منها بس كان وعد زايف, لأني كنت بخططلها عشان أخد منها اللي انا عاوزه بالعافية..
وبعد تخطيط لأكتر من إسبوع اتفقت مع سواق توكتوك عشان نخـ,ـطفها بعد ما شربت سيجارة الحشـ,ـيش وكنت في قمة الروقان, خلتها راجعة من الكلية على أول البلد ووقف التوكتوك اللي متفق مع صاحبه وركبت هي زي عادتها لما بتنزل من العربية كل مرة..
ومسافة ما ركبت ومشي شوية في لحظة لقتني ركبت جمبها والمـ,ـطواة محطوطة على رقبتها, كنا بعد المغرب وقتها وهي أول ما شافتني كانت هتمـ,ـوت من الرعب, خدناها على الأرض الزراعية اللي جمب المـ,ـقابر, والمنطقة دي كانت قريبة من بيوتنا جدا, وطلبت من الواد يمشي وفضلت أنا وهي وبس, حاولت تترجاني أسيبها بس قولتلها إن دي الحالة الوحيدة اللي هعرف أتجوزك بيها, غير كدا انتي متعلمة وبنت ناس وانا عيل صايع ومش هترضوا بيا, وانا رغم اني مش في دماغي الجواز بس انهاردة بس حبيته..
ومحستش بنفسي غير وهي بتبكي بين ايديا ويادوب بفوق من الشـ,ـهوة اللي كانت عمياني, بس لفت نظري حاجة غريبة أوي, كان في الضلمة هناك من عند المقـ,ـابر فيه واحد لابس اسود وواقف بيبص علينا في ثبات مخيف, ولما قمت اتنفضت من عليها لقيته اختفى تماما, تجاهلت وجوده وسبتها ومشيت بعد ما خدت اللي انا عاوزه وهي رجعت تعيط لبيتها..
اتصلت بابويا وحكتله اللي عملته عشان يجهز الناس لو أهلها فكروا يعملوا حاجة, ابويا فضل يلـ,ـعن فيا وفي خلفتي ووعدني انه هيقـ,ـتلني, بس طبعا ده كلام من ورا قلبه, والدنيا اتقلبت في البلد, أهلها جمعوا السـ,ـلاح وراحوا على أهلي اللي كانوا مستعدين, بس ناس اتدخلوا في الموضوع من كل مكان وقالوا يكتب عليها ويتجوزها حقـ,ـنا للدـ,ـماء, وأهلها وافقوا لأنهم كانوا أضعف مننا بكتير, ومكانش فيه حل غير انهم يوافقوا..
وطبعا موافقة وتعجيل منهم أكتر مننا بالجواز بأي شروط نتشرط عليهم بيها, وحددنا ميعاد الفرح رغم إن البنت كانت داخلة على فترة امتحانات, طبعا كانت في حالة نفسية تحت الصفر بس انا كنت منتشي جدا, ولسة هاخد منها أكتر واكتر وبعدها أطلـ,ـقها وارمـ,ـيها ومحدش هيقدر يحاسبني..
ومش بس كدا, دنا يوم الفرح هجمع نقطة كتير أوي لأني أنا وابويا كنا مجاملين ناس كتير وهعرف أعمل مبلغ وقدره, وجه يوم الفرح وفكرنا هنعمل الصوان فين ولقيت نفسي بقترح في الساحة الواسعة اللي على مدخل المـ,ـقابر, نفس المكان اللي اغتـ,ـصبت فيه البنت, بعض الناس اعترضوا بس انا كنت شايفه مكان واسع وكبير ومناسب جدا جدا..
وجه بتاع الفِراشة وعملنا صوان للفرح بطول الساحة كلها, لدرجة إننا دخلنا على أول حارة من حارات المـ,ـقابر, وعملنا المسرح واشتغل الفرح, طول الليل أغاني ورقص ونقطة في قلب أرض الأمـ,ـوات, بس مين فيهم هيقدر يعترض أو يقول اللي بتعملوه ده غلط, أكيد محدش منهم هيقوم يعترض, أو يمكن ده اللي كنت فاكر إنه هيحصل..
شربت ليلتها كتير أوي أوي, شربت لحد ما اتعميت وعلى الساعة 12 بالليل خدت عروستي وروحنا على البيت بتاعنا اللي كان قريب والناس لموا الفراشة واتفض الفرح, وأول ما وصلت الشقة حسيت ان دماغي تقيلة أوي من كتر الشرب, حاولت أقرب من أمينة مرة واتنين بس مقدرتش, وفي لحظة لقيت نفسي خدت السرير بالحـ,ـضن ونمت, نمت زي القـ,ـتيل..
وعلى الساعة 3 بالليل حسيت بإيد عنـ,ـيفة جدا بتصحيني وصوت خشن أوي بيقول:
“يالا عشان تلحق الفرح بتاعك”
قمت وانا دماغي لسة تقيلة ومش عارف أفكر ولا أقف على حيلي, لقيت إيد غليظة بتسحبني من قلب شقتي لبرة البيت, ولقيت نفسي كأني في حلم وماشي جمب واحد متلثم تماما, كان بيسحبني زي العيل الصغير وانا فاقد الإرادة تماما..
لحد ما وصلت للمـ,ـقابر, لنفس الساحة اللي كان معمول فيها الفرح, وفوجئت بصوان كبير ومعازيم كتير أوي, بس مكنتش عارف ولا واحد منهم, بدأت أهرش في راسي وانا مش فاهم أي حاجة, هو الفرح خلص ولا لسة شغال وانا اللي مسطول ولا فيه ايه بالظبط..
لقيت اللي معايا ده زقني في نص الفرح وقالي يالا أرقص يا عريس, وبدأ صوت مزمار غريب أوي يشتغل وانا اتهز على الصوت ولسة دماغي تقيلة أوي أوي ومش مستوعب اللي بيحصل, بصيت للراجل المتلثم وبصوت عالي قولتله:
“هو احنا فين”
لقيته فك اللثام عن وشه عشان أشوف وش قرد مشعر وعيون حمرة زي الدم واتكلم وقال:
“الأحياء احتفلوا بيك, وباقي احتفالنا احنا بيك”
وفي لحظات شوفت كل اللي في الفرح على شكل قرود ضخمة, قرود عيونها حمرة وبيقربوا مني ونظرات الشر في عيونهم, وسمعت صوت في راسي بيقول
“اغتـ,ـصبت البنت وانـ,ـتهكت حرمة الأمـ,ـوات وأزعجت سكان المـ,ـقابر وجه وقت الحساب”
وشالوني, أيوة شالوني كأني مـ,ـيت وطافوا بيا في المـ,ـقابر كلها, كنت بشوف أبواب القـ,ـبور بتتفتح وناس بتخرج منها تتفرج عليا وتبتسم, سمعت أصواتهم المخيفة وصيحات جاية من قلب الجـ,ـحيم, أصوات بتقول اقتـ,ـلوه, وأصوات بتقول ادفـ,ـنوه حي..
كل ده وانا متخدر, بس جوايا كمية رعب وفزع خلوا شعري يشيب وجسمي يهرم, وفي لحظة لقيت نفسي مرمي جوة قبـ,ـر وبيتقفل عليا الباب, وصوت من برة بيقول
“نبارك زفافك يا من أخطأت في حق البشر والأمـ,ـوات”
بقلم: أحمد محمود شرقاوي
…………..
من تاني يوم أهل البلد اتفاجأوا بالشاب اللي لسة متجوز أمينة بيجري في الشوارع زي المجنون وعمال يصرخ, شوية ويكلم نفسه, شوية وتطلع منه أصوات بنبرة مختلفة عن صوته, ومن يومها محدش قدر يسيطر عليه وبقا بيهيم على وجهه زي المجانين, وأمينة اتطـ,ـلقت منه ورجعت لبيت أهلها, أما هو فلو روحت للمـ,ـقابر بالليل في يوم هتلاقيه بيطوف كل ليلة هناك زي الدراويش على القـ,ـبور كلها وبيقول
“ابن آدم يطلب الصفح والعفو من البشر ومن غير البشر”
بقلم: أحمد محمود شرقاوي
………..
“ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون”
………
ولو عندك أي حكاية غريبة أو مخيفة حصلت معاك أو مع حد تعرفه وعاوزني أكتب عنها في قصة بكرة كل اللي عليك إنك تبعتلي على الخاص كل اللي تعرفه عن الحكاية أو الموقف المخيف ده بدون استئذان وتأكد اني هشوف رسالتك بأمر الله..