بعد ما جوزي مات

نحتفل فيه بعيد جوازنا الخمسين، قررت إني أقضي الليلة في هدوء، وأتعشى لوحدي.
لكن فجأة
سمعت خبط على باب الكابينة بتاعتي.
قمت وفتحت الباب، ولقيت راجل لابس زيّ الضباط واقف قدامي.
عرّفني بنفسه على طول، وقال لي إنه واحد من ضباط السفينة، وإنه اشتغل مع مارتن لسنين.
ابتسم لي وقال
يا مدام، أنا سعيد جدًا إنك جيتي الرحلة دي. مارتن كان عنده أمل كبير إنك تيجي.
في اللحظة دي، إيدي بدأت تعرق من التوتر، وحسيت إن فيه حاجة غريبة بتحصل.
سألته باستغراب
بعد إذنك، إنت تقصد إيه بكلامك ده؟
مدّ إيده وناولني جواب في ظرف، وبعدها سحب من ورا الركن صندوق كبير جدًا، لدرجة إني استغربت حجمه. والغريب إنه، رغم حجمه الضخم، كان خفيف بشكل مش متوقع.
وقفت قدامه مش فاهمة أي حاجة، وهو كمل كلامه وقال
الرحلة دي ليها معنى خاص جدًا. جوزك سايبلك حاجة يا مدام. قبل ما يتوفى، سلّمني الحاجات دي بنفسه، ووصّاني بتعليمات واضحة جدًا إني أديهالك النهارده بالذات.
بمجرد ما سمعت كلامه، فتحت الظرف بسرعة، وبدأت أقرأ الرسالة اللي جواها.
وفي اللحظة اللي عيني وقعت فيها على كلمات مارتن، حسيت إن قلبي بيتقطع من الۏجع، وافتكرت إني هفضل أعيط لحد ما دموعي تخلص تمامًا.
وبعدها، فتحت الصندوق الكبير
واللي شوفته جواه خلاني أنهار تمامًا، وأدخل في نوبة عياط هستيرية!
حكايات_زيزي
يا ترى مارتن كان سايب لمراته إيه في الصندوق؟ وإيه السر اللي خبّاه عنها لحد يوم عيد جوازهم الخمسين؟
أول ما رفعت غطا الصندوق، رجليّ ماقدروش يشيلوني، واضطريت أتمسك بطرف الترابيزة عشان ما أقعش على الأرض.
الصندوق كان مليان حاجات من حياتي أنا ومارتن صور قديمة، وخطابات، وعلبة مخملية صغيرة، وخرائط بحرية عليها علامات بالقلم الأحمر. لكن اللي خلاني أحط إيدي على بقي وأعيط بصوت عالي، كان الفستان اللي موجود في قاع الصندوق.
فستان فرحي!
نفس الفستان اللي لبسته يوم ما اتجوزت مارتن من تسعة وأربعين سنة، واللي كنت فاكرة إنه ضاع من سنين طويلة، بعد ما نقلنا من بيتنا القديم.
مدّيت إيدي ولمسته برفق، وكأني خاېفة يختفي لو صدّقت إنه حقيقي.
همست وأنا دموعي بتنزل على خدي
يا مارتن إنت لقيته إزاي؟ أنا دورت عليه سنين!
الضابط وقف ساكت، وسابني أستوعب اللي بيحصل. وبعد شوية، قرب مني وحط إيده على كتفي وقال
مدام، جوز حضرتك
طلب مني أوصلك رسالة كمان، بس قال لي ما أديهاش ليكي غير لما تفتحي الصندوق وتشوفي كل حاجة بنفسك.
بصيت له وأنا مش قادرة أتكلم، فطلع من جيبه ظرف تاني، كان أصغر من الأول، ومكتوب عليه بخط مارتن اللي أعرفه كويس
لزوجتي الحبيبة في يوم عيد جوازنا الخمسين.
فتحت الظرف بأصابع بتترعش، وبدأت أقرأ.
حبيبتي،
لو إنتِ بتقري الرسالة دي دلوقتي، يبقى أخيرًا قدرتي تعملي الحاجة اللي كنتِ خاېفة منها طول عمرنا ركبتي السفينة اللي سړقت مني سنين طويلة من وقتي معاكي.
عارف إنك كنتِ پتكرهي البحر، وكنتِ بتستني رجوعي كل مرة أسافر فيها، حتى لو كنتِ بتحاولي تخبي خۏفك ورا ابتسامتك.
لكن فيه حاجة عمرك ما عرفتيها يا حبيبتي
كل مرة كنت برجع فيها من رحلة، كنت بجيب معايا حاجة صغيرة تخصك، وأخبّيها عشان اليوم اللي نحتفل فيه بمرور خمسين سنة على جوازنا.
كنت عايز أديكي كل الحاجات دي بنفسي، وأحكيلك الحكاية اللي ورا كل واحدة منها، وإحنا قاعدين على نفس السفينة اللي قضيت عليها عمري.
لكن المړض سبقني، وسابني مضطر أطلب من غيري يعمل الحاجة اللي كنت بحلم أعملها بإيدي.
عشان كده، عندي طلب أخير منك
ما تقفليش الصندوق بعد ما تخلصي قراءة الرسالة. فيه حاجة في آخره لازم تشوفيها، لأنها هتفسرلك ليه احتفظت بكل الحاجات دي طول السنين.
وقفت عن القراءة، وقلبي بيدق بسرعة.
بصيت جوه الصندوق تاني، وبدأت أرفع الصور والخطابات واحدة واحدة.
لقيت صورة ليا وأنا عندي عشرين سنة، واقفة على شط البحر، وشعري بيتحرك مع الهوا، ومارتن واقف جنبي بيضحك.
وتحت الصورة كان فيه تاريخ، وبعده جملة قصيرة
اليوم اللي عرفت فيه إني هقضي عمري كله بحاول أخلي الست دي سعيدة.
ابتسمت وسط دموعي، وضمّيت الصورة لصدري.
لكن لما رفعت آخر مجموعة من الخطابات، لاحظت إن فيه لوح خشب رفيع في قاع الصندوق، مختلف عن باقي الألواح.
مررت إيدي عليه، واكتشفت إنه بيتفتح.
ناديت الضابط بصوت متقطع
هو إيه اللي تحت ده؟ إنت تعرف؟
هز راسه وقال
أنا وعدت الكابتن مارتن إني ما أقولكيش أي حاجة قبل ما تكتشفي بنفسك.
رفعت اللوح ببطء
ولقيت تحته مفتاحًا نحاسيًا قديمًا، ومعاه ورقة عليها رقم غرفة، واسم مكان جوه السفينة ماكنتش سمعت عنه قبل كده.
لكن المفاجأة الحقيقية كانت في الجملة المكتوبة تحت الرقم
لو وصلتي لحد هنا، يبقى جه الوقت تعرفي السر اللي
خبّيته عنك طول تسعة وأربعين سنة واللي كنت مستني عيد جوازنا الخمسين عشان

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *