بعد ما جوزي مات

كل اللي عرفته لحد دلوقتي كان حب وذكريات وأحلام قديمة.
إيه الحقيقة اللي ممكن تكون أهم من كل

ده؟
فتحت الظرف بحذر، وطلعت منه ورقة واحدة.
في أول سطر، كان مكتوب
إليزابيث، فيه شخص هتقابليه في الرحلة دي، شخص وجوده هيغيّر الطريقة اللي بتبصي بيها لكل السنين اللي عشناها سوا.
رفعت عيني لجورج بسرعة.
مين الشخص ده؟!
جورج أخد نفسًا عميقًا، وبص ناحية الباب.
كنت أتمنى إن مارتن هو اللي يقولك بنفسه. لكنه طلب مني أوصلك للحقيقة، مهما كان رد فعلك.
وفجأة، خبط حد على الباب المفتوح.
دخلت ست كبيرة في السن، لابسة معطف كحلي، وفي إيدها صورة قديمة.
بمجرد ما عيني وقعت على الصورة اللي ماسكاها، حسيت إن الډم انسحب من وشي.
لأن الصورة كانت لمارتن وهو شاب، واقف قدام نفس البيت الساحلي
وبجانبه الست اللي كانت واقفة قدامي دلوقتي.
الست قربت مني، وعينيها مليانة دموع، وقالت
أنا آسفة إني بقابلك بالطريقة دي لكن مارتن طلب مني أجيلك في اليوم ده بالذات.
وبعدين حطت الصورة على المكتب، وأضافت جملة واحدة قلبت كل حاجة جوايا
فيه حاجة عن أول سنة في جوازك من مارتن، حاجة هو احتفظ بيها لنفسه طول تسعة وأربعين سنة ولازم تعرفيها قبل ما تروحي البيت اللي اشتراهولك.
يتبع
فضلت واقفة مكاني، ماسكة المفتاح الصغير في إيدي، وببص لمارجريت اللي وشها اتغير تمامًا بعد ما سمعت إن فيه حد بيتصل من البيت الساحلي.
قلت لها بقلق
مارجريت، إنتِ تعرفي الراجل ده؟ مين اللي موجود في البيت؟ وليه مارتن كان بيعتبره صاحب الفضل في سعادتنا؟
مارجريت قعدت على الكرسي، وحطت إيديها على وشها، وبعد لحظات رفعت راسها وقالت
هحكيلك كل حاجة، بس عايزاكي تسمعيني للآخر قبل ما تحكمي على أي حد.
الجملة دي خوفتني أكتر.
طول عمري كنت مؤمنة إن جوازي من مارتن كان مبني على الصراحة والثقة، وإن مافيش سر كبير يقدر يغيّر اللي عيشناه سوا.
لكن في اليوم ده، وأنا على نفس السفينة اللي كان بيقودها، بدأت أكتشف إن فيه أجزاء من حياتنا ما كنتش أعرف عنها حاجة.
طلبت من جورج يوصلني لمكان أقدر أتكلم منه في التليفون بهدوء.
دخلت غرفة صغيرة جنب مكتب الضباط، وقعدت قدام التليفون، وإيدي بتترعش.
جورج طلب الرقم اللي وصله، وبعد ثواني سمعت صوت راجل كبير في السن.
ألو؟
قلت بسرعة
أنا إليزابيث، مرات مارتن.
سكت الراجل شوية، وبعدها سمعت تنهيدة طويلة.
كنت مستني المكالمة دي من سنين يا مدام إليزابيث. أنا اسمي توماس، وكنت مسؤول عن البيت الساحلي اللي مارتن اشتراه.
سألته
إنت تعرف جوزي منين؟
رد بهدوء
أنا كنت شغال مع والدك زمان.
حسيت إن قلبي وقف لحظة.
أبويا؟
والدي ماټ من أكتر من عشرين سنة، وكان طول عمره راجل بسيط، عمره ما حب يتكلم عن الماضي، وكل ما كنت أسأله عن طفولته أو عن أملاكه القديمة، كان يغيّر الموضوع.
قلت بصوت متقطع
إنت كنت تعرف أبويا؟
أيوه. وكنت موجود يوم ما اضطر يبيع البيت الساحلي.
غمضت عيني، وافتكرت كلام مارجريت عن إن البيت كان ملك عيلتي زمان.
لكن توماس قال جملة ما كنتش متوقعاها أبدًا
أبوكي ما باعش البيت لأنه كان عايز يتخلص منه. هو باعه عشان ينقذ حد من عيلته.
حطيت إيدي على صدري.
ينقذ مين؟
مش هقدر أقولك كل حاجة في التليفون. فيه أوراق لازم تشوفيها بنفسك. لكن قبل ما تقفلي، عايز أقولك حاجة واحدة مارتن ما اشترش البيت عشان يحقق حلم قديم وبس. هو اشتراه لأنه اكتشف إن فيه وعد قديم بين عيلتك وعيلة تانية، والوعد ده كان ممكن يضيع للأبد لو ما تدخلش.
سكت لحظات، وبعدها أضاف
أنا هكون مستنيكي بكرة في البيت. لكن لو تقدري، خدي معاكي المفتاح اللي مارتن سابهولك، ومتسيبيش أي حد يقنعك إنك ما تروحيش.
وقبل ما أسأله أي سؤال تاني، أنهى المكالمة.
فضلت باصة للتليفون، حاسة إن كل إجابة باخدها بتفتح قدامها عشرة أسئلة جديدة.
في الليلة دي، ما عرفتش أنام.
رجعت لكابينتي، وطلعت صور مارتن القديمة من الصندوق، وفضلت أبص فيها واحدة واحدة.
في صورة من الصور، كان واقف قدام البيت الساحلي، مبتسم، وفي إيده وردة بيضا.
قلّبت الصورة، ولقيت مكتوب على ضهرها
في اليوم اللي هقدر فيه أرجع الأمانة لأصحابها، هعرف إني وفيت بوعدي.
أصحابها؟
يعني البيت ما كانش مجرد هدية ليا؟
يمكن مارتن كان بيحاول يرجع حق قديم لعيلتي، لكن ليه ما قالش لي؟
افتكرت مواقف كتير من حياتنا. افتكرت إنه كان أحيانًا يختفي لساعات لما يرجع من رحلاته، ويقول إنه عنده شغل لازم يخلصه. وافتكرت إنه كان بيحتفظ بصندوق أوراق قديم في مكتبه، ورفض مرة إني أرتبه، وقال لي إن فيه مستندات تخص شغله.
هل كانت الأوراق دي مرتبطة بالبيت؟
وهل كان مارتن بيحاول يحل مشكلة تخص عيلتي من غير ما أعرف؟
في اللحظة دي، افتكرت جملة قالهالي قبل ۏفاته بأيام، وهو راقد على سرير المستشفى، وكنت ماسكة إيده.
قال لي وقتها
إليزابيث، لو حصل لي حاجة، أوعي تفتكري إن السنين اللي قضيناها سوا كانت كل الحكاية. فيه حاجات في حياتنا بتفضل مستنية الوقت المناسب عشان نفهم معناها.
وقتها افتكرت إنه بيتكلم عن ذكرياتنا وأحلامنا اللي ما اتحققتش.
لكن دلوقتي فهمت إن كلامه كان وراه معنى تاني.
تاني يوم الصبح، السفينة وصلت الميناء.
وقفت على سطح السفينة، وبصيت للبحر للمرة الأخيرة قبل ما أنزل.
كنت خاېفة، لكن لأول مرة من ساعة ۏفاة مارتن، حسيت إن عندي حاجة لازم أعملها.
مش بس عشان أعرف الحقيقة، لكن عشان أفهم الراجل اللي حبيته نص قرن، واللي حتى بعد رحيله كان بيحاول يحميني من ۏجع ما كنتش أعرف عنه حاجة.
جورج ساعدني أنزل، وسلّمني حقيبة صغيرة فيها الصندوق والخطابات.
قبل ما أمشي، قال لي
مارتن كان دايمًا يقول إنك أقوى مما إنتِ فاكرة. يمكن الوقت جه عشان تصدقيه.
ابتسمت له، وركبت العربية اللي كانت مستنياني.
وبعد رحلة قصيرة، وصلت للبيت الساحلي.
كان أجمل مما تخيلت.
بيت أبيض صغير، حواليه جنينة مليانة ورد، وشجر قديم، وسور خشبي بيطل على البحر.
أول ما شفته، افتكرت نفسي وأنا بنت صغيرة، لما كان أبويا ياخدني في إجازاتنا القليلة ناحية الساحل، ويحكيلي عن البيت اللي كان نفسه يرجعله يومًا ما.
نزلت من العربية، ومشيت ناحية الباب.
قبل ما أخبط، الباب اتفتح.
كان واقف قدامي راجل كبير في السن، شعره أبيض، وفي إيده عصاية.
بصلي طويلًا، وبعدها قال
إليزابيث؟
هزيت راسي.
ابتسم ابتسامة حزينة وقال
أنا هنري، أخو والدك.
شهقت ورجعت خطوة لورا.
أخو أبويا؟
أنا طول عمري كنت فاكرة إن أبويا ما عندوش إخوات. ولما كنت أسأله عن عيلته، كان يقول إن كل اللي يهمه هو بيته ومراته وبنته.
بصيت للراجل وأنا مش قادرة أتكلم.
هو فهم صدمتي، وقال بهدوء
عارف إنك عندك أسئلة كتير، وعارف إن أخويا ما حكيش ليكي عني. لكن فيه أسباب خلتنا نبعد عن بعض سنين طويلة.
فتح الباب على آخره، وأشار لي أدخل.
تعالي يا بنت أخويا. فيه حاجة لازم تشوفيها قبل ما تعرفي باقي الحكاية.
دخلت البيت.
كل حاجة فيه كانت متجهزة بعناية، كأن حد كان مستني وصولي من سنين. على الترابيزة كانت فيه باقة ورد أبيض، وجنبها صورة ليا أنا ومارتن يوم فرحنا.
قربت من الصورة، ولقيت تحتها ورقة مكتوب فيها بخط مارتن
إلى إليزابيث، اللي فضلت طول عمرها شايلة حب عيلتها في قلبها، حتى لما ما كانتش تعرف كل الحكاية.
هنري وقف جنبي، وقال
مارتن جه هنا قبل ۏفاته بشهرين. كان تعبان جدًا، لكنه أصر إنه يكمّل

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *