بعد ما جوزي مات
إنه كان بيحاول يصلحها فعلًا، حتى لو احتاج يصرف كل اللي حوّشه.
لكن المفاجأة ما كانتش هنا.
في قاع الملف، لقيت ظرفًا صغيرًا مكتوبًا عليه
إليزابيث وحدها افتحيه لما تكوني مستعدة تعرفي آخر أمنية ليا.
فتحت الظرف، وطلعت منه ورقة واحدة.
حبيبتي إليزابيث،
عارف إنك هتزعلي لما تعرفي إني اشتريت البيت من غير ما أقولك، ويمكن تسأليني ليه ما استنيتش لحد ما نروح سوا.
الحقيقة إني كنت مستني اللحظة المناسبة عشان أرجعلك البيت، وأخدك في إيدي وأقولك إننا أخيرًا هنعيش الحلم اللي أجّلناه سنين.
لكن لما عرفت بمرضي، بدأت أفهم إن الوقت مش دايمًا بيستنانا.
عشان كده، عايزك تعملي حاجة واحدة عشاني.
ما تخليش البيت ده يبقى مكان تعيشي فيه حزنك عليّا. افتحي بابه، واملئيه بالناس اللي بتحبيهم، واسمحي لنفسك تضحكي تاني.
أنا عشت تسعة وأربعين سنة جنب أجمل ست في الدنيا، ومش عايز آخر هدية أسيبهالك تتحول لمكان يوجع قلبك كل يوم.
ولو قابلتي هنري، اديله فرصة يصلح اللي فاته. مش عشان أبوكي طلب كده، ولا عشاني أنا لكن عشان إنتِ تستحقي تعرفي عيلتك، وتعيشي من غير أسرار قديمة.
وقفت عن القراءة، وضمّيت الخطاب لصدري.
كنت بعيط، لكن المرة دي دموعي ما كانتش كلها حزن.
كان فيه إحساس غريب بالراحة، كأن مارتن، حتى بعد مۏته، قدر يشيل حملًا من على قلبي ما كنتش أعرف إني شايله.
هنري قرب مني وقال
أنا عارف إني ما أقدرش أرجّع السنين اللي ضاعت، لكن لو تسمحيلي، نفسي أتعرف عليكي من جديد. نفسي أعرف بنت أخويا اللي مارتن كان بيتكلم عنها بكل فخر.
بصيت له، ولقيت في وشه نفس التعب اللي كنت بشوفه في وش أبويا لما كان بيفتكر الماضي.
مدّيت إيدي ومسكته من إيده.
إحنا مش هنقدر نرجع السنين، لكن نقدر ما نضيّعش اللي باقي منها.
هنري اڼفجر في العياط، وحضنني لأول مرة.
وفي اللحظة دي، حسيت إن مارتن كان حاضر معانا، مش بجسده، لكن بكل الحب اللي سابه وراه.
عدّى اليوم، وقعدت في البيت الساحلي لحد المغرب.
مشيت في الجنينة، ولمست الورد اللي كان مارتن زرعه، وقعدت قدام البحر أشرب القهوة من الكوباية اللي لقيتها على المكتب، وعليها اسمي محفور بخط صغير.
كنت فاكرة إن الرحلة دي هتكون أصعب تجربة في حياتي، وإنني هرجع منها وأنا حاسة إن مارتن أخد معاه كل حاجة حلوة.
لكن اكتشفت إن الحب الحقيقي ممكن يسيب جوانا حاجات ما بتختفيش، حتى لما الشخص اللي حبّيناه ما يبقاش موجود.
قبل ما أرجع، هنري اداني صندوقًا خشبيًا صغيرًا.
قال لي
مارتن سابهولي من شهر، وقال لي ما أديهولكيش غير بعد ما تقري كل الخطابات.
فتحت الصندوق، ولقيت جواه خاتمًا فضيًا بسيطًا، وصورة صغيرة ليا أنا ومارتن يوم فرحنا.
لكن كان فيه كمان ورقة مطوية، مكتوب عليها بخط مارتن
في عيد جوازنا الخمسين، كنت عايز أطلب منك طلب أخير
لو كنتِ لسه پتخافي من البحر، ما تخافيش. المرة دي مش مطلوب منك تركبي سفينة عشاني.
أنا عايزك تفتكري إنك كنتِ دايمًا شجاعة، حتى في الأيام اللي كنتِ فاكرة فيها إنك ضعيفة.
وعايزك تعرفي إن أجمل رحلة في حياتي ما كانتش الرحلات اللي أخدتني حوالين العالم
كانت الرحلة اللي بدأتها يوم ما مسكت إيدك، وفضلت مكمل فيها معاكي تسعة وأربعين سنة.
حطيت الخطاب على قلبي، وبصيت للبحر.
همست
كل سنة وإنت حبيبي يا مارتن حتى لو مش قادر أقولها لك وإنت سامعني.
وبعدين بصيت ناحية البيت، ولقيت هنري واقف في الشرفة، بيرفع إيده مودّعني.
ابتسمت له، ولأول مرة من سنين طويلة، حسيت إن عيلتي بقت أكبر شوية.
لكن قبل ما أركب العربية، نده عليّا هنري من بعيد
إليزابيث! استني، فيه حاجة أخيرة لازم تعرفيها عن مارتن!
رجعت له بسرعة، وقلبي اتقبض من جديد.
طلع من جيبه ظرفًا آخر، وقال
ده وصلني من المستشفى بعد ۏفاة مارتن. كنت فاكر إنه مجرد ورق خاص بعلاجه، لكن لما فتحت الملف، لقيت رسالة من الدكتور اللي كان بيتابعه.
ناولني الظرف، وأنا مش فاهمة.
فتحته، وقرأت السطر الأول.
كان فيه طلب كتبه مارتن قبل ۏفاته، يخصني أنا شخصيًا، وطلب من الطبيب إنه ما يوصلنيش غير بعد عيد جوازنا الخمسين.
حسيت إن الدنيا بتلف بيا.
لأن مارتن، حتى وهو بيواجه آخر أيامه، كان بيخطط لحاجة تانية عشاني.
لكن المرة دي، ما كانش بيسيبلي بيتًا ولا ذكرى كان بيسيبلي قرارًا لازم آخده بنفسي، قرارًا ممكن يغيّر بقية حياتي تمامًا.
يتبع
فتحت الخطاب وأنا حاسة إن قلبي هيخرج من مكانه، وبصيت لأول سطر مكتوب بخط الدكتور
السيدة إليزابيث المحترمة، بناءً على طلب زوجك الراحل، نبلغك أنه ترك لكِ تعليمات واضحة بخصوص مشروع كان بيجهزه من فترة طويلة، وكان يتمنى إنك تكوني صاحبة القرار النهائي فيه.
فضلت أعيد قراءة الكلام أكتر من مرة.
مشروع؟
مارتن كان بيجهز مشروع من غير ما أعرف؟
كملت القراءة، ولقيت الدكتور بيشرح إن مارتن، خلال الشهور الأخيرة من حياته، طلب مساعدة محاميه ومستشاره المالي لترتيب أوراق تخص البيت الساحلي، ومعاها مبلغ من المال كان بيحوشه على مدار سنين.
لكن المفاجأة كانت في آخر الصفحة.
كان مارتن كاتب بخط إيده
إليزابيث حبيبتي، أنا عارف إنك عمرك ما كنتِ بتحبي الرفاهية، وإن أكتر حاجة كانت بتفرحك هي إننا نقعد سوا في هدوء، حتى لو ما كانش معانا غير تمن فنجان قهوة.
عشان كده، ما تفتكريش إن اللي سايبهولك ده تعويض عن غيابي. مفيش فلوس في الدنيا تقدر تعوضك عن السنين اللي عشناها سوا.
أنا بس عايزك تعرفي إنك مش مضطرة تفضلي قوية طول الوقت، ومش مضطرة تشيلي هم بكرة وإنتِ لسه بتتعلمي تعيشي من غيري.
وقفت عن القراءة، ودموعي نزلت على الورقة.
مارتن كان عارفني أكتر من أي حد.
كان عارف إني طول عمري بخاف من التغيير، وإن أكتر حاجة كانت بتخوفني بعد مۏته مش الوحدة بس، لكن إني أصحى كل يوم وما أعرفش أعمل إيه بحياتي.
كملت الرسالة.
قدامك اختيارين.
الأول، تحتفظي بالبيت لنفسك، وتعيشي فيه بالطريقة اللي تريحك.
والتاني، تحوّلي جزءًا منه لمكان تستقبل فيه الستات اللي فقدوا أزواجهم، واللي بيلاقوا نفسهم فجأة قدام حياة جديدة ما كانوش مستعدين لها.
كنت أتمنى أشاركك الحلم ده، لكن القرار قرارك إنتِ.
ما تعمليش حاجة عشان ترضيني، ولا تحسي إنك مطالبة تكملي حلمي.
أنا حبيتِك عشان إنتِ إليزابيث، مش عشان إنتِ بتنفذي اللي أنا عايزه.
ضمّيت الرسالة لصدري، وفضلت ساكتة فترة طويلة.
كنت فاكرة إن مارتن سابلي رحلة بحرية أخيرة، وبيتًا يخليني أفتكره.
لكن اكتشفت إنه سابلي فرصة أختار أنا هعيش إزاي بعده.
رجعت البيت الساحلي في اليوم التالي.
المرة دي ما كنتش رايحة عشان أفتش عن سر جديد، ولا عشان أستنى حد يحكيلي عن مارتن.
كنت رايحة عشان أفكر.
قعدت في الجنينة، وفضلت أبص للورد اللي زرعه بنفسه قبل ما صحته تسوء.
افتكرت السنين اللي عشناها سوا، والليالي اللي كنت بستناه يرجع فيها من السفر، والمكالمات اللي كان بيحكيلي فيها عن البلاد اللي زارها.
افتكرت كمان الحلم اللي أجّلناه سنين، والرحلة اللي ما قدرناش نكملها سوا.
وفجأة، فهمت حاجة.
أنا مش عايزة أقضي بقية عمري وأنا بحاول أهرب من الحزن، ولا عايزة أعيش في البيت ده كأنه متحف لذكرياتنا.
أنا عايزة أعيش.
أعيش بالطريقة اللي مارتن كان بيتمنى يشوفني بيها.
بعد أسابيع من التفكير، اتصلت