بعد ما جوزي مات
تجهيز البيت. وقبل ما يمشي، سلّمني ظرف وقال لي ما أفتحوش إلا لما تيجي إنتِ بنفسك.
طلع ظرف من درج المكتب، وناولهولي.
فتحت الظرف، ولقيت خطابًا طويلًا من مارتن.
حبيبتي إليزابيث،
لو إنتِ وصلتي للبيت، يبقى هنري أخيرًا قدر يفتحلك الباب اللي اتقفل بينه وبين عيلتك من سنين.
أنا عارف إنك هتسألي ليه ما حكيتلكيش عن أخو أبوكي. الحقيقة إن والدك طلب مني قبل جوازنا إني أحافظ على سر عائلي، لحد ما ييجي الوقت المناسب.
لكن مع مرور السنين، فهمت إن السكوت عن الحقيقة ساعات بيحمي الناس، وساعات بيحرمهم من فرصة إنهم يصلحوا اللي اتكسر.
عشان كده، اشتريت البيت، ورجعته باسم العيلة، مش عشان أديكي هدية غالية، لكن عشان أرجعلك جزء من تاريخك اللي اتحرمتي منه.
أما السبب اللي خلاني أحتفظ بالسر ده كل السنين دي، فهو موجود في الخزنة اللي تحت المكتب.
المفتاح اللي معاكي هيفتحها.
وأرجوكي، لما تعرفي الحقيقة، افتكري إن الإنسان ممكن يغلط وهو فاكر إنه بيحمي اللي بيحبهم.
خلصت الرسالة، وبصيت لهنري.
إيه اللي حصل بينك وبين أبويا؟ وليه أنا ما كنتش أعرف إنك موجود؟
هنري نزل عينيه، وسكت فترة طويلة.
وبعدين قال
أبوكي وأنا كنا شركاء في البيت ده. لكن حصل خلاف كبير بينا، وخلافنا ما كانش على الفلوس زي ما الناس كانت فاكرة. كان على قرار اتاخد وقت ما كانت عيلتنا بتمر بأصعب أيامها.
قعد على الكرسي، وأشار لي أقعد قدامه.
أبوكي اضطر يبيع البيت عشان يدفع تكاليف علاج حد من العيلة. وأنا وقتها اعترضت، وقلت له إننا لازم نلاقي حل تاني. هو اعتبر اعتراضي تخليًا عنه في وقت الشدة، وأنا اعتبرت قراره تضحية بحاجة تخصنا إحنا الاتنين من غير ما يرجع لي.
سألته
ومين الشخص اللي كان محتاج العلاج؟
هنري بصلي، وعينيه امتلوا بالدموع.
أمك يا إليزابيث.
حطيت إيدي على بقي.
أمي كانت اټوفت وأنا لسه صغيرة، وكل اللي أعرفه إنها تعبت فترة طويلة، وإن أبويا باع حاجات كتير عشان يعالجها.
لكن ما كنتش أعرف إن البيت الساحلي كان واحد منها، ولا إن القرار ده تسبب في قطيعة بين أخوين.
هنري كمل
بعد ۏفاة أمك، أبوكي حاول يكلمني أكتر من مرة، لكنه كان عنيد، وأنا كنت أعند منه. وكل واحد فينا استنى التاني يبدأ بالصلح. ولما عرفنا إن السنين بتعدي، كان الخلاف بقى أكبر من إننا نعرف نرجع بسهولة.
دموعي نزلت وأنا بتخيل أبويا وهو بيواجه كل ده لوحده.
لكن هنري قال فجأة
ومارتن هو اللي عرف مكانتي من أبوكي، وهو اللي حاول يصلح بيننا.
بصيت له پصدمة.
مارتن؟ إزاي؟
هنري قام من مكانه، وراح ناحية المكتب.
افتحي الخزنة يا إليزابيث. هتلاقي جواها الخطاب اللي أبوكي كتبهولي قبل ما ېموت، واللي مارتن احتفظ بيه بعد ما قدر يوصل له.
دخلت المفتاح في الخزنة، ولفّيته.
جواها كان فيه ملف بني قديم، وصورة لأبويا وهو شاب، وخطاب مكتوب بخط إيده.
لكن قبل ما أفتح الخطاب، لاحظت وجود ورقة تانية فوق الملف، عليها توقيع مارتن وتاريخ قبل ۏفاته بأيام قليلة.
وكان مكتوب فيها
لو إليزابيث وصلت لهنا، يبقى أنا نجحت أخيرًا أرجّع لعيلتها البيت لكن فيه شخص لازم يسامح نفسه قبل ما يقدر يبدأ من جديد.
رفعت عيني لهنري، فغطى وشه بإيديه وبدأ يبكي.
وفي اللحظة دي، فهمت إن الحكاية ما كانتش عن بيت ضاع واترجع وبس.
كانت عن عيلة فرّقتها السنين، وعن أخوين استنوا الصلح لحد ما بقى الوقت أغلى من إنهم يضيعوه.
لكن لسه ما كنتش عارفة إيه اللي كان مكتوب في خطاب أبويا، وليه مارتن أصرّ إن هنري هو اللي يستقبلني بنفسه.
ولما فتحت الخطاب وقرأت أول سطر، اكتشفت إن أبويا كان سايب اعترافًا عن آخر يوم شاف فيه أخوه اعترافًا كان ممكن يغيّر حياة العيلة كلها لو وصل في وقته.
فضلت باصة للست اللي قدامي، مش قادرة أستوعب كلامها.
أول سنة في جوازي من مارتن؟
إيه اللي ممكن يكون حصل وقتها وأنا عشت مع الراجل ده تسعة وأربعين سنة، وكنت فاكرة إني عارفة عنه كل حاجة؟
قربت منها خطوة، وقلت بصوت مرتعش
إنتِ مين؟ وإيه علاقتك بجوزي؟ أرجوكي، ما تفضليش تتكلمي بالألغاز دي. أنا فقدت مارتن من أسابيع، ومش قادرة أستحمل صدمة تانية!
الست نزلت عينيها، ومسحت دمعة من على خدها.
اسمي مارجريت. وأنا مش جاية آخد منك أي حاجة، ولا أغيّر صورتك عن مارتن. أنا جاية عشان أكمّل حكاية هو ما قدرش يحكيهالك بنفسه.
وبعدين بصت لجورج وقالت
ممكن تسيبنا لوحدنا شوية؟
جورج بصلي، ولما شاف إني موافقة، خرج من الغرفة وقفل الباب وراه.
مارجريت قعدت على الكرسي اللي قدام المكتب، وطلعت من شنطتها علبة معدنية صغيرة، شكلها قديم جدًا.
حطتها قدامي وقالت
قبل ما تتجوزي مارتن بسنة، حصلت حاجة غيّرت حياته بالكامل. وقتها كان لسه ضابط صغير على سفينة شحن، وكان بيبعت كل فلوسه لأمه، وبيحوش أي مبلغ يقدر عليه عشان يحقق حلمه ويتجوزك.
ابتسمت ڠصب عني وأنا بسمع كلامها.
دي كانت فعلًا حياة مارتن. عمره ما كان بيبخل بوقته أو مجهوده على أهله، وحتى لما ظروفنا كانت صعبة، كان دايمًا بيحاول يخليني مطمئنة.
لكن مارجريت كملت كلامها
في إحدى رحلاته، السفينة اتعرضت لعاصفة شديدة. واتسببت العاصفة في أضرار كبيرة، وكان فيه بحّار شاب محاصر في جزء من السفينة، ومحدش قدر يوصل له.
حطت إيديها فوق العلبة المعدنية، وكأنها بتستمد منها القوة عشان تكمل.
مارتن كان وقتها من أصغر الضباط، لكنه أصر إنه يرجع يدور على البحّار. وبعد ساعات طويلة، قدر يوصل له ويساعد في إنقاذه. لكن خلال عملية الإنقاذ، مارتن نفسه اټصاب إصابة خطېرة، واضطر يقضي شهور في المستشفى.
حسيت بۏجع في قلبي.
أنا كنت أعرف إنه اتعرض لحاډث في البحر قبل جوازنا، لكنه عمره ما حكى لي التفاصيل. كل اللي قاله وقتها إنه كان حاډث شغل وعدّى.
سألتها
طيب، وإنتِ كنتِ فين من كل ده؟
رفعت عينيها ليا وقالت
أنا كنت بنت الراجل اللي كان مسؤول عن السفينة وقت الحاډث. وكنت موجودة في المستشفى لما مارتن فاق من الغيبوبة.
اتسعت عينيّ.
لكنها أسرعت تضيف
ما تفهمينيش غلط يا إليزابيث. أنا ما كنتش جزء من حياته العاطفية، ولا كان فيه أي حاجة بيننا غير الامتنان والاحترام. مارتن كان بيحبك، وده شيء كل اللي عرفوه كانوا عارفينه.
ارتحت شوية، لكن السؤال اللي شغل بالي كان لسه موجود.
طيب، إيه السر اللي جايه تحكيهولي؟
فتحت مارجريت العلبة المعدنية، وطلعت منها مجموعة خطابات مربوطة بشريط أزرق، ومعاها صورة لورقة مكتوبة بخط إيد مارتن.
قالت
بعد الحاډث، مارتن اكتشف إن إصابته ممكن تمنعه من الرجوع للبحر لفترة طويلة. وفي نفس الوقت، كان عنده قرار صعب لازم ياخده. كان ممكن يقبل تعويضًا ماليًا كبيرًا من الشركة، لكنه اختار يتنازل عن جزء منه عشان يساعد أسرة البحّار اللي أنقذه.
بصيت لها بدهشة.
مارتن ما حكاليش عن ده أبدًا!
عارفة. لأنه ما كانش بيحب يتكلم عن أي حاجة عملها عشان حد. لكن فيه حاجة تانية حصلت وقتها، وهي السبب الحقيقي اللي خلاني أكون هنا النهارده.
مدّت إيدها بالخطاب القديم.
كان مكتوب عليه تاريخ قبل جوازي من مارتن بشهور قليلة.
بدأت أقرأ
إلى إليزابيث،
لو وصلتك الرسالة دي يومًا ما، أتمنى تكوني عارفة إني عمري ما اخترت البحر عليكي. أنا كنت