بعد ما جوزي مات
بحاول أبني لنا حياة نقدر نعيشها من غير خوف من بكرة.
في الفترة الأخيرة، اتعرض عليّا إني أسيب شغلي في البحر وأبدأ حياة مختلفة على البر. لكن فيه التزام قطعته على نفسي، والتزام تاني تجاه الإنسانة اللي بحبها، وأنا بحاول ألاقي طريقة ما أخسرش بيها أي واحد فيهم.
وقفت عن القراءة.
الكلام كان غريبًا بالنسبة لي. أنا كنت دايمًا فاكرة إن مارتن اختار البحر لأنه كان بيحبه، وإن شغله هو اللي خلّاه يسافر كل السنين دي.
لكن الرسالة بتقول إنه كان عنده فرصة يسيب البحر قبل ما نتجوز!
رفعت عيني لمارجريت وقلت
هو ليه ما سابش الشغل وقتها؟ أنا كنت مستعدة أعيش معاه في أي مكان!
مارجريت هزت راسها بحزن.
لأنه كان خاېف ياخد منك حلمك قبل ما تكتشفي بنفسك إنتِ عايزة إيه. كان شايف إنك بتحبيه، وإنك مستعدة تتنازلي عن حاجات كتير عشانه. وهو ما كانش عايز حياتك كلها تبقى مبنية على التضحيات.
سكتت لحظة، وبعدين فتحت خطابًا تاني.
لكن ده مش كل شيء. مارتن طلب مني أسلّمك الخطابات دي في عيد جوازكم الخمسين، لأنه كان عايزك تعرفي حاجة حصلت قبل فرحكم بأيام.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
إيه اللي حصل؟
مارجريت سحبت نفسًا طويلًا، وقالت
قبل فرحكم بأسبوع، وصل لمارتن خطاب غيّر قراره بخصوص مستقبله. الخطاب ده كان من شخص قريب جدًا منه، وكان فيه معلومة لو عرفها في وقتها، كانت ممكن تغيّر مسار حياته بالكامل.
مدّت إيدها ناحية العلبة المعدنية، وطلعت منها ظرفًا أصفر باهتًا.
مارتن احتفظ بالخطاب ده طول عمره، لكنه ما فتحوش قدام أي حد. ولما مرض، طلب مني أجيبهولك بنفسي.
مسكت الظرف، ولقيت اسمي مكتوبًا عليه.
مش اسمه هو.
اسمي أنا!
قلّبت الظرف بين إيديا، ولما فتحته، لقيت ورقة واحدة مكتوب في آخرها اسم والدي.
شهقت من الصدمة.
أبويا كان مټوفي من أكتر من عشرين سنة، ومارتن عمره ما قال لي إن كان فيه أي خلاف بينه وبينه قبل جوازنا.
بدأت أقرأ السطور الأولى، لكن عند جملة معينة، إيدي اتجمدت.
يا مارتن، لو كنت فعلًا بتحب إليزابيث، لازم تعرف الحقيقة عن البيت اللي وعدتها بيه لأن البيت ده مش مجرد حلم قديم، وملكيته مرتبطة بوعد قطعته لعائلتها من سنين طويلة.
رفعت عيني لمارجريت، وأنا مش قادرة أصدق اللي بقراه.
بيت إيه؟ وإيه علاقة أبويا بالموضوع؟
مارجريت قامت من مكانها، وراحت ناحية الخريطة المعلقة على الحيطة، وأشارت إلى علامة حمراء صغيرة على الساحل.
البيت اللي مارتن اشتراهولك مش هو نفس البيت اللي وقفتوا قدامه وإنتوا مخطوبين.
حسيت إن نفسي اتقطع.
أمال إيه؟
بصتلي بعينين مليانين دموع، وقالت
البيت القديم كان ملك عيلتك في يوم من الأيام. وأبوكي اضطر يبيعه في ظروف صعبة، قبل ما تتجوزي مارتن بسنين. ومارتن اكتشف الحكاية دي بالصدفة بعد جوازكم بفترة قصيرة.
رجعت خطوة لورا، وسندت إيدي على المكتب.
يعني مارتن كان عارف إن البيت ده كان بتاع عيلتي؟
هزت راسها.
أيوه. وعشان كده، قضى سنين طويلة بيحاول يرجعه. لكن فيه تفصيلة أخيرة ما كانش عايزك تعرفيها غير لما توصلي بنفسك لحد هنا.
فتحت مارجريت العلبة مرة تانية، وطلعت منها مفتاحًا صغيرًا مختلفًا عن المفتاح اللي لقيته في الصندوق.
حطته في كفي، وقفلت صوابعي عليه.
المفتاح ده بيفتح خزنة موجودة في البيت الساحلي. جوه الخزنة هتلاقي مستندات، وصورة قديمة، وخطاب أخير من مارتن.
وبعدين بصتلي نظرة طويلة وقالت
لكن قبل ما تفتحي الخزنة، لازم تكوني مستعدة تعرفي ليه مارتن دفع كل اللي كان معاه تقريبًا عشان يرجّع البيت لعيلتك وليه رفض طول عمره يقولك إنه عمل كده.
في اللحظة دي، سمعت صوت الضابط جورج من بره الغرفة
مدام إليزابيث، فيه اتصال جالك من البيت الساحلي والراجل اللي على الخط بيقول إنه لازم يكلمك قبل ما السفينة تتحرك من الميناء بكرة الصبح.
بصيت لمارجريت، ولقيتها شاحبة تمامًا.
همست بصوت بالكاد سمعته
يا إلهي ما كنتش متوقعة إنه لسه هناك!
ولما سألتها مين الشخص اللي لسه موجود في البيت، رفضت تجاوبني واكتفت إنها تقول إن مارتن كان بيعتبره صاحب الفضل في إنه عاش معايا تسعة وأربعين سنة من الحب والسعادة.
يتبع
فتحت الخطاب بإيدين بيترعشوا، وقعدت على الكرسي قدام المكتب، بينما هنري كان واقف جنبي، باصص للأرض وكأنه مستني حكم صدر عليه من سنين طويلة.
بدأت أقرأ بصوت مسموع
يا هنري،
مش عارف إذا كانت الرسالة دي هتوصلك وإنت لسه زعلان مني، ولا إذا كنت هتكون قدرت تسامحني قبل ما أمشي من الدنيا.
أنا عارف إنك شايف إني ظلمتك لما بعت البيت من غير ما أرجعلك، وعارف إنك فضلت سنين فاكر إني ما اهتمتش بحقك.
لكن الحقيقة اللي ما قدرتش أقولها لك وقتها، إني كنت قدام اختيارين، وكل اختيار فيهم كان هيوجعني طول عمري.
مراتي كانت بټموت قدامي، والأطباء قالوا إن فيه علاج ممكن يساعدها، لكن تكلفته كانت أكبر من كل الفلوس اللي معايا.
فضلت أدور على حل، لحد ما وصلت للحظة اللي اضطرّيت فيها أختار بين الاحتفاظ بالبيت اللي ورثناه عن أبونا، وبين إني أحاول أنقذ أم بنتي.
اخترت أم بنتي.
وكنت هعمل الاختيار ده ألف مرة لو رجع بيا الزمن.
لكن يا هنري، أنا ما ندمتش على إنقاذها، أنا ندمت على إني خسرتك في الطريق.
إنت أخويا، ومهما حصل، عمري ما بطلت أحبك.
لو قدرت تسامحني يومًا ما، افتكر إن البيت مجرد حيطان، لكن العيلة هي اللي بتدي للمكان روحه.
ما قدرتش أكمل.
الدموع غطت عيني، وحسيت إن صوتي اختفى تمامًا.
بصيت لهنري، لقيته بيعيط زي طفل صغير، وبيتمتم
أنا ما كنتش أعرف والله ما كنتش أعرف إنها كانت وصلت للمرحلة دي.
قمت من مكاني وقربت منه.
إنت ما كنتش تعرف إن أمي كانت بټموت؟
هز راسه، ودموعه بتنزل على خديه.
أبوكي ما قالليش. آخر مرة اتكلمنا فيها، اتخانقنا بسبب البيت، وأنا مشيت وأنا فاكر إنه اختار الفلوس على أخوه. ما عرفتش الحقيقة غير لما مارتن جالي بعد سنين.
سألته
طيب، ليه ما رجعتوش لبعض لما مارتن حكى لك؟
هنري مسح وشه وقال
لأن وقتها كنت خسړت سنين كتير، وكنت مكسوف أرجع. كنت فاكر إن أخوكي أبوكي يعني، مش هيقبل يشوفني بعد كل اللي حصل. ولما عرفت إنه ماټ، حسيت إن الفرصة راحت للأبد.
قعدنا إحنا الاتنين في صمت طويل.
لأول مرة، فهمت ليه مارتن كان مصرّ يرجع البيت ده. ما كانش بيحاول يشتري ذكرى قديمة، ولا يحقق حلم رومانسي وبس.
كان بيحاول يصلح چرح فضل مفتوح في عيلتي سنين طويلة.
لكن وأنا بقلب أوراق الملف، لقيت حاجة ما كنتش متوقعاها.
كان فيه إيصال قديم، صادر من مكتب محاماة، بتاريخ قبل ۏفاة أبويا بشهور.
الإيصال كان باسم مارتن، والمبلغ المدفوع كان كبير جدًا.
وتحته ورقة مكتوب فيها
تسوية مستحقات ملكية البيت الساحلي، تمهيدًا لإعادته إلى ورثة المالك الأصلي.
رفعت الورقة وسألت هنري
هو مارتن دفع فلوس عشان يرجّع البيت؟
هنري هز راسه.
أيوه. ولما عرفت إنه بيدور على البيت، حاولت أرفض. قلت له إن البيت اتباع من سنين، وإن محدش يقدر يرجع الزمن. لكنه قالي إن الموضوع مش مجرد شراء عقار، وإن فيه حق معنوي لازم يرجع لأصحابه.
بصيت للورقة مرة تانية، وافتكرت إن مارتن كان بيقول لي دايمًا إن فيه حاجات ما ينفعش الفلوس تصلحها.
ما كنتش أعرف