بعد ما جوزي مات

أحكيلك عنه.
بصيت للضابط پصدمة، وقلت له
سر إيه؟ مارتن عمره ما خبّى عني حاجة! إحنا كنا بنحكي لبعض كل حاجة!
الضابط نزل عينيه للأرض، وبعد لحظات قال
كان نفسه يقولك بنفسه يا مدام. صدقيني، الموضوع ده ماكانش سهل عليه لكنه طلب مني أرافقك للمكان ده، وأفضل معاكي لحد ما تعرفي الحقيقة كاملة.
مسحت دموعي، ومسكت المفتاح بإيدي.
ولأول مرة من ساعة ما ركبت السفينة، حسيت إن الرحلة دي مش مجرد محاولة مني أعيش ذكرى جوزي
دي كانت رحلة لاكتشاف جانب من حياة مارتن، يمكن عشت معاه تسعة وأربعين سنة، لكني ما عرفتهوش أبدًا.
خرجت من الكابينة مع الضابط، وإحنا ماشيين في الممر الطويل، لحد ما وقف قدام باب خشبي قديم في جزء هادي من السفينة.
رفع إيده وأشار للمفتاح اللي في إيدي.
اتفضلي يا مدام المكان ده مستنيكي من سنين.
دخلت المفتاح في القفل، ولفّيته ببطء
ولما الباب اتفتح، شفت حاجة خلتني أرجع خطوة لورا، وأبص للضابط وأنا مش مصدقة عيني.
لأن اللي كان موجود جوه الغرفة ماكانش مجرد ذكرى من الماضي
كان دليلًا على إن مارتن كان بيحضّر للمفاجأة دي من سنين طويلة، وإن فيه شخص تاني على متن السفينة كان مستني وصولي بالذات!
وقبل ما أقدر أسأله مين الشخص ده، سمعت صوت خطوات جاية من آخر الممر
وبعدين صوت راجل كبير في السن بينادي اسمي، وقال جملة واحدة خلت المفتاح يقع من إيدي
أخيرًا وصلتي مارتن كان عارف إنك هتيجي، حتى لو هو مش هيكون موجود عشان يشوفك.
اتجمدت مكاني أول ما سمعت الراجل بينطق اسمي، ولفّيت ناحيته ببطء.
كان راجل كبير في السن، شعره أبيض، ووشه مليان تجاعيد، وفي إيده عصاية بيتسند عليها. لكن أكتر حاجة لفتت نظري كانت عينيه كان فيها نفس الحزن اللي شفته في عيون مارتن آخر أيامه.
قرب مني خطوتين، وقال بصوت مبحوح
إنتِ أكيد مراته إليزابيث، صح؟
هزيت راسي وأنا مش فاهمة أي حاجة.
ابتسم ابتسامة حزينة، ومد إيده ناحيتي.
أنا جورج. اشتغلت مع مارتن على السفينة دي أكتر من تلاتين سنة. لكن علاقتي بيه ما كانتش مجرد شغل. مارتن كان أخويا اللي ما جابتوش أمي.
بصيت للضابط اللي كان واقف جنبي، فهز راسه وكأنه بيأكد كلام الراجل.
سألت جورج بقلق
طيب، ممكن حد يفهمني إيه اللي بيحصل؟ وإيه حكاية الغرفة دي؟ وجوزي كان مخبّي عني إيه؟
جورج بص ناحية الغرفة، وبعدها رجع بصلي.
قبل ما أقولك
أي حاجة، عايزك تدخلي وتشوفي بنفسك.
دخلت وأنا قلبي بيدق پعنف.
الغرفة كانت صغيرة، لكن متجهزة بعناية شديدة. على الحيطة كانت فيه صور قديمة لمارتن في مراحل مختلفة من حياته، وصور تانية ليا أنا وهو في مناسبات مختلفة، من يوم فرحنا لحد آخر عيد ميلاد احتفلنا بيه سوا.
كان فيه مكتب خشب كبير، وفوقه مجسم لسفينة، ودفاتر جلدية، وعلب هدايا صغيرة متراصة بعناية.
لكن اللي خلاني أوقف مكاني كان الحيطة المقابلة.
كانت متعلقة عليها خريطة كبيرة للعالم، وعليها عشرات العلامات الحمراء، وكل علامة جنبها تاريخ ومكان.
قربت من الخريطة، وبدأت أقرأ الأسماء.
إيطاليا اليونان إسبانيا اليابان أستراليا
كل الأماكن دي كانت بلاد مارتن زارها خلال رحلاته.
لكن الغريب إن كل مكان كان مكتوب جنبه تاريخ، وتحته جملة قصيرة بخط إيده.
هنا شفت غروب الشمس، وتمنيت لو إليزابيث كانت جنبي.
هنا سمعت موسيقى فكرتني بضحكتها.
هنا اشتريت الهدية اللي هديهالها في عيد جوازنا الخمسين.
حطيت إيدي على بقي، والدموع بدأت تنزل من غير ما أحس.
طول السنين اللي فاتت، كنت فاكرة إن البحر هو اللي أخد مارتن مني، وإن شغله كان بيحرمني من وجوده جنبي.
لكن دلوقتي، وأنا واقفة قدام الخريطة، اكتشفت إنه كان شايلني معاه في كل رحلة، حتى وأنا بعيدة عنه.
همست وأنا ببص لصوره
يا حبيبي كنت بتفكر فيا طول الوقت ده؟
جورج رد بهدوء
كل يوم يا إليزابيث. كان بيتكلم عنك لدرجة إننا كنا بنهزر معاه ونقوله إننا بقينا نعرف قصص حياتك أكتر من قصص حياتنا إحنا.
ضحكت وسط دموعي، لأول مرة من ساعة ما بدأت الرحلة.
لكن جورج ما ضحكش.
راح ناحية المكتب، وفتح درج صغير، وطلع منه ملف أزرق قديم.
رجع وقف قدامي وقال
مارتن سلّمني الملف ده قبل ۏفاته بأسابيع. وقالي بالحرف الواحد يا جورج، لو إليزابيث وصلت للسفينة في عيد جوازنا الخمسين، لازم تديها الملف ده بعد ما تشوف الغرفة.
مدّيت إيدي أخده، لكن جورج ما سابوش فورًا.
قال لي
فيه حاجة لازم تعرفيها قبل ما تفتحيه. مارتن كان بيحضّر للمفاجأة دي من أكتر من عشر سنين. وكل اللي هتشوفيه جوه الملف كان جزء من وعد قطعه على نفسه.
سألته بلهفة
وعد إيه؟
سكت لحظات، وبعدها قال
وعد إنه يرجعلك حاجة كان نفسه يديهالك من يوم ما اتجوزتوا.
فتحت الملف بسرعة.
كان جواه أوراق قديمة، وصورة بالأبيض والأسود
لبيت صغير محاط بحديقة، ورسالة مختومة باسمي.
مسكت الصورة وقلّبتها، فلقيت مكتوب على ضهرها
البيت اللي حلمنا نعيش فيه سوا، قبل ما الحياة تاخدنا في طريق تاني.
شهقت بصوت عالي.
البيت ده كان بيتي أنا ومارتن في أحلامنا، قبل ما نتجوز.
كنا لسه صغيرين، وكان معانا فلوس قليلة جدًا. وفي يوم من الأيام، وقفنا قدام بيت قديم في قرية ساحلية، واتفقنا إننا هنشتريه يومًا ما، ونقضي فيه سنين تقاعدنا، ونقعد كل صباح نشرب القهوة قدام البحر.
لكن الحياة ما مشيتش زي ما خططنا.
خلفنا أولادنا، وكبرت مسؤولياتنا، ومارتن فضّل في شغله عشان يقدر يوفرلنا حياة كريمة.
ومع مرور السنين، نسينا الحلم ده.
أو بالأصح أنا اللي افتكرت إننا نسيناه.
رفعت عيني لجورج، وقلت بصوت بيرتعش
هو مارتن رجع اشترى البيت ده؟
جورج بصلي طويلًا، وبعدها قال
مش بس اشترى البيت يا إليزابيث
وسكت لحظة، كأنه بيجمع شجاعته عشان يكمل.
هو قضى سنين طويلة بيجهّزه، وكان ناوي ياخدك هناك بعد الرحلة دي. كان عايز يبدأ معاكي حياة جديدة، بعيد عن السفن والسفر والمسؤوليات.
حسيت إن الأرض بتتحرك من تحتي.
مارتن كان عارف إنه مريض، وكان عارف إن الوقت ممكن مايسمحلوش يحقق آخر حلم لينا.
ومع ذلك، فضّل يجهّز كل حاجة، وكأنه كان بيقاوم المړض بحلمه في إنه يشوفني سعيدة.
فتحت الرسالة المختومة، وبدأت أقرأ.
إليزابيث حبيبتي،
فاكرة البيت اللي وقفنا قدامه وإحنا لسه عرسان؟ فاكرة لما قلتيلي إنك نفسك تصحي كل يوم على صوت الموج، وإنك عايزة جنينة صغيرة تزرعي فيها الورد؟
أنا ما نسيتش يا حبيبتي.
كل مرة كنت بسافر فيها، كنت بقول لنفسي إن لازم أحققلك الحلم ده قبل ما العمر يخلص بينا.
ولما عرفت بمرضي، فهمت إن فيه حاجات كتير مش هقدر أعملها بإيدي، لكن ده ما منعنيش إني أحاول.
عشان كده، لو إنتِ بتقري الرسالة دي، عايزك تعرفي إن البيت ده بقى بيتك، وإنك مش مطالبة تعيشي فيه لوحدك لو مش قادرة. خديه معاكي في ذكرياتك، أو ابدئي فيه فصل جديد من حياتك.
لكن فيه حاجة واحدة لازم تعمليها عشاني
افتحي الظرف الصغير اللي هتلاقيه في آخر الملف. وما تخليش حزنك يمنعك من معرفة الحقيقة كاملة.
وقفت عن القراءة، وبصيت جوه الملف مرة تانية.
كان فيه ظرف أبيض صغير، مكتوب عليه بخط مارتن
الحقيقة اللي ما قدرتش أحكيهالك وأنا عايش.
حسيت بقلبي بينقبض.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *