رواية كامله.. 3

رواية بصائر تغشاها الثرى.
بقلم دفنا عمر.
الفصل الثامن.
________
مفاجأة أنه يعرفها هي وزوجها جعلتها في حيرة، كيف يعرفهما؟ ولماذا لا تتذكّره ومن حديثه يتضح أن بينهما تعارف مسبق؟ دون أن تشعر دققت النظر في ملامحه تفتش بطرقات ذاكرتها عنه لكنها فشلت من جديد بتذكّر وجهه.

_ معاكي حق تنسيني، ملامحي دلوقت مالهاش علاقة بزمان.
ومض بعقلها خاطر منطقي فطرحته بعفوية.
_ أزاي؟! أنت عملت عملية تجميل مثلا؟
ضحك لافتراضها لتبرز لعيناها جاذبيته وهو يضحك فأشاحت وجهها عنه كي لا تطيل تأمله ليخبرها بعد أن ألقى نظرة على ساعة معصمة.
_ للأسف البريك انتهى ولازم نرجع المكتب، أيه رأيك بعد الشغل نروح مكان نتكلم براحتنا؟
_ لأ طبعا مقدرش اتأخر، أصيل عارف مواعيد رجوعي وبيتصل بيا.
بسط لها الأمر.
_ عادي قوليله بشتري حاجة مع زميلتك وراجعة.
غزاها التردد قائلة.
_ مش عارفة، مش متعودة أكدب عليه.
_ ما انتي مضطرة لكدة.. بس عموما لو مش مهتمة تعرفي ازاي اعرفك انتي وأصيل تمام براحتك.
هتفت بلهفة.
_ لأ طبعا لازم اعرف.
ثم صمتت لحظات تفكر قبل أن تأخذ قرارها.
_ تمام، موافقة بس مش هتأخر أكتر من نص ساعة.
أومأ مبتسمًا برضا.
_ ده وقت كافي جدا احكي اللي عندي.

مر وقت عملهما ونظراتهما تتقاطع بين لحظة وأخرى و الفضول يسيطر على عقلها بينما نظراته نحوها كانت أكثر ودًا بشكل أربكها گعهدها تجاهه..اصطحبها بسيارته بعد العمل ولم تعترض تبرر أن لديها سبب لتصاحبه.. يجب أن تعلم ما لديه ليهدأ فضولها..وهي مرة ولن تتكرر..لن تركب سيارته مرة أخرى أو تصاحبه في مكان غير العمل.

_ ها تشربي أيه؟
_ قهوة، حاسة دماغي مش مظبوطة.
_ عندك حق ده وقتها عشان نتكلم بمزاج.
لم تخبيء لهفتها وهي تحسه على البدء.
_ يلا أحكيلي اللي عندك.
ابتسم وهو يتأملها.
_ شكلك عجولة أوي يا غزل.. خلاص مش هنتظر القهوة عشان خاطرك بس.
أعاد ظهره للوراء قليلا باسترخاء وهو يستدعي من عقله التفاصيل كأنه يراها صوت وصورة.

_ كنتي في أولى ثانوي يعني أصغر مني بسنة، بتروحي تاخدي درس في سنتر قريب جدًا من منطقتنا، أنا كمان كنت باخد هناك دروس.. دايما اشوفك وانتي خارجة مع أصحابك زي الملكة وسطيهم وهما حواليكي زي الجواري.

شعرت بالخجل عند وصفه لها ونظرت للأسفل ليستطرد ونظزاته مسلطة عليها.
_ وقتها كنت بقف مع شوية شباب وكل واحد منتظر البنت اللي ماشي معاها وهو بيتباهى، سألوني وقتها إن كنت مصاحب بنت زيهم؟ بس قبل ما اجاوب واحد منهم اتريق عليا وسخر مني وقال ودي مين في البنات تبص لعجل زيك؟
ضحك ساخرا وهو يسترسل.
_ أصل أنا وقتها كان وزني كبير فعلا لدرجة ملامحي كانت مختفية وسط خدودي وباكل كتير.
ثم برر لها نسيانه.
_عشان كده أنتي مقدرتيش تعرفيني لأن فعلا ملامحي اختلفت.
أومأت مدركة هي الأخرى لماذا لم تتذكره ليواصل.
_ تريقة الولد ده ضايقتني وحبيت اثبتلهم اني بكلم بنات زيهم وفي حد ممكن يبصلي عادي.. لحظتها طلعتي من الدرس وأصلا أنا كنت معجب بيكي وبروح مخصوص عشان بس اشوفك من بعيد.. اتشجعت وقلت احاول اكلمك واحسن شكلي قدامهم ويعرفوا اني بكلم أجمل بنت في السنتر كله.. لكن لما قربت منك وأنا أصلا متوتر وخايف وحاولت اكلمك.. شتمتيني وقولتي ( أمشي من هنا يا عجل أنت مبقاش إلا البقر هيكلمونا)  وكان في أيدك إزازة مية رمتيها في وشي.. طبعا الكل ضحك عليا، أصحابي وأصحابك وفضلوا يتنمروا ويجرحوني زيادة.. رجعت البيت شبه مكتئب ويومين منعت الأكل معتقد إني لما أمنعه هخس بسرعة ومحدش يتريق عليا، بس لأن كان عندي السكر بسبب السمنة المفرطة جالي غيبـ،/،ـوبة، رجعت أكل تاني بس كنت خلاص أخدت قرار اني اتغير ومحدش يتريق عليا تاني.. غيرت نظام ونوعية أكلي واهتميت بالرياضة بشكل جنوني، كلامك وإهانتك ليا وقتها كانت هي الحافز اني اتغير بأي طريقة ومهما كان المجهود اللي هبذله.. طبعا بعدها محاولتش اكلمك تاني ابدا ولا حتى بقيت اهتم اشوفك من بعيد.. وكأنك اختفيتي من حواليا مش بصادفك، أو يمكن كنت بتعمد متقابلش معاكي وامر من مكان ممكن تكوني فيه، مش هنكر كنت غضبان منك ومن أصحابي اللي قاطعتهم وبقيت لوحدي، بفرغ كل طاقتي في الرياضة وبس..في خلال سنة كنت خسيت أكتر من نص وزني وشكلي اختلف وحرفيًا لو حد قابلني مش هيعرفني، كنت فرحان بنفسي خصوصا إن السكر اتحسن عندي وبطلت أبر الأنسولين وبقيت اخد بس قرص واحد في اليوم وده كان إنجاز بالنسبالي، لاني كسبت ثقتي في نفسي وكمان صحتي.

قطع استرساله حضور النادِل بالقهوة، ارتشف رامي رشفة بينما هي تشعر بالخجل حين تذكرت إهـ،ـانتها له، نعم الأن علمت كيف قابلته ولماذا لم تعرفه، الغلام المشوه بسمنته المفرطة صار ذاك الشاب الوسيم الرشيق بجسده المثالي أكثر من اللازم.. حقا تغير.

_ رجعت تاني اصاحب الناس ورجعت كمان علاقتي بأصحابي اللي اتريقوا عليا، كنت فخور بنظراتهم المنبهرة وفي نفس الوقت بقيت اقدر اتعرف على بنات كتير زيي زيهم ويمكن أفضل منهم لدرجة كنت بشوف في عيونهم الغيرة مني.

_ علاقاتك دي طبعا رجعت ثقتك في نفسك، صح؟
أومأ لصحة ظنها وقال.
_ بالظبط، كنت بتعرف على البنات عشان اثبت لنفسي ان ممكن حد يحبني ويبصلي، مش زي ما كانوا بيقولوا عليا الأول.
ليصمت وهو يمنحها نظرة غامضة قائلا.
_ بس فضل جوايا فراغ لبنت واحدة اتمنيت اكلمها واقرب منها مرة تانية بس مكنتش عارف.. أكتر واحدة شغلت تفكيري لفترة طويلة..رغم إني اتغيرت بسببها بس فشـ،ـلت إني اقرب منها.

هل يقصدها هي؟..حديثه يقول أنها المعنية، توهج غرور غزل وركن خفي داخلها سعيد أنها كانت مصدر تغيره وأمنية لديه دون أن تعلم بذلك.

_ طيب أصيل تعرفه منين؟
طرحت تساؤلها ليروي ما تبقى من فضولها، أعتدل رامي بجلسته يسرد لها.
_ زي ما قلت علاقاتي بالبنات كانت كتير، أي بنت اشوفها تعجبني أكلمها، لحد ما جه حظي وأنا بعاكس بنت خارجة من مدرسة كانت في طريقي، البنت اضايقت وأنا افتكرت لما اظهر اهتمامي اكتر هتستجيب، بس لقيتها زعقت وفجأة لقيت حد بيمسكني من قفايا ويبعدني عنها وبيعتذر للبنت وخلاها تمشي..الحد ده كان أصيل.
_ معقولة؟!
أومأ لها مؤكدًا.
_ أه ولله، أصيل أكبر مني وافتكرت من حظي الوحـ،،ـش أنه عدى من الشارع ده وشافني واتطوع يحمي البنت مني.. أنا أصلا مكنتش هعمل حاجة كان كلام ولو صدتني زيادة كنت هسيبها أنا مش ميت في دبادبها يعني..وزيي زي أي ولد وقتها بيعاكس بنات.
_ وبعدين حصل ايه؟ وأصيل كان عارفك؟
_ أيوة وده اللي فهمته بعد كده، أصيل كان زميل أخويا الكبير وفي معرفة بينهم، أنا مكنتش بشوفه بس هو عرفني لانه وقتها هددني يقول لأخويا لو كررت معاكستي للبنات تاني او عديت قصاد المدرسة دي بالذات.
_ غريبة الصدف دي.
_ الأغرب بعد كده لما عرفت انك أصلا في نفس المدرسة دي عشان كده أصيل كان هناك.. هو كان ساعات بيوصلك.
_ فعلا أصيل كتير كنت بخرج الاقيه مستنيني عشان يروحني، كان بيخاف حد يعاكسني.
_ بصراحة اللي له قريبة في جمالك لازم يخاف عليها يا غزل.
أحمرت وجنتاها خجلا وتسائلت لتغير الحديث.
_ يعني أنت فعلا مكنتش تعرف أنها مدرستي؟
_ لأ.. أنا كنت بشوفك فقط في السنتر لكن فعلا معرفش فين مدرستك او بيتك.. و عرفت بعد كده حاجة تانية اتسببت في حزني فترة مش قليلة.

تعجبت لقوله وأثار فضولها أكثر ليكمل.
_ أنا صحيح محاولتش أكلمك بعد موقف التنمر بس انتي فضلتي شاغلة بالي غصب عني، كنت وقتها بقيت في تالتة جامعة، قلت مادام شاغلاني كده أروح لحد بابك وادخل زي أي شاب معجب ببنت بيروح يطلب إيدها،  كشفت نيتي دي لأخويا اللي صدمني إنك اتخطبتي لابن عمتك أصيل.. وقتها حزنت حزن شديد واكتشف إن مشاعري ناحيتك كانت حب حقيقي مش مجرد إعجاب.. نفسيتي تعبت شوية لدرجة رجعت أكل بشراهة زي الاول بس فرملت نفسي بسرعة واستعادت توازني مرة تاني ونسيتك مع الوقت.

ليمنحها نظرة أكثر دفئًا وهو يواصل.
_ لحد ما قابلتك هنا تاني ودي كانت أجمل صدفة لأني كل يوم هقدر اشوفك يا غزل.
ثم ارتخى بظهر مقعده من جديد وقال.
_ بس يا ستي.. وهي دي كل الحكاية.

اعترافه الصريح بمشاعره نحوها في الماضي فاقم من توترها وشعرت أن كل ما يحدث ليس في نصابه، هي سيدة متزوجة ولا يجوز ان تستمع لمثل هذه الكلمات من رجل غير زوجها او تعطيه مجالًا ليتجدد أمله، لقد روت فضولها ويجب ان ينتهي الأمر عند هذا الحد.

_ اولًا انا انا بعتذرلك عن إهـ،ـانتي ليك وحقيقي أسفة.
منحها ابتسامة جذابة.
_ بالعكس يا غزل، إهانتك وقتها كانت حافز اني اتغير للأفضل، واديني اهو قدامك بقيت ولا أحمد عز.
قالها وقهقهة لتبتسم وهو يواصل.
_ وبعدين بصراحة كان عندك حق، أنا لما بشوف صوري وانا صغير بقول مين الجامو*سة ده؟
ابتسمت بحرج ثم استرسلت.
_ وثانيًا بالنسبة لمشاعرك اتمنى تكون انتهت، كل شيء في النهاية قسمة ونصيب وانا دلوقت ست متجوزة وعندي بنات..وانت ربنا يرزقك بزوجة تناسبك.
نظر نحوها نظرة غامضة وغمغم.
_ أطمني يا غزل انا مدرك كويس جدا الوضع دلوقت، وعموما كل حاجة بقيت من الماضي..انتي بالنسبالي دلوقت زميلة عمل مش أكتر.
اومأت براحة لتشهق وهي تنظر لساعتها.
_ يا نهار ابيض أحنا بقالنا ساعة بتكلم، لازم أمشي حالا.
نهضت بعُجالة فنهض سريعا يضع النقود فوق الطاولة قائلا.
_ متقلقيش هوصلك بسرعة وانزلك في مكان قريب من بيتك.
كادت أن تعترض لكن ضيق الوقت جعلها ترضى، وتدعوا الله أن تعود ولا تجد أصيل في البيت.

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *