رحت لبيت طليقتي

على أصحابه، ويحضر له حفلة المدرسة، ويكتشف حاجات صغيرة عنه ما كانش يعرفها.
عرف إن يوسف بيكره البسلة، وبيحب الخرائط، وبيحلم لما يكبر إنه يصمم كباري كبيرة.
وأحمد، اللي كان فاكر إنه يعرف كل حاجة عن الحياة، اكتشف إنه ما يعرفش حتى نوع الأكل اللي ابنه بيحبه.
كمان بقى يرافق أمه في مواعيد الكشف والعلاج.
بعض الأيام كانت الحاجة نوال بتفتكره كويس، وتفتكر اسمه وطفولته وكل حاجة عاشوها مع بعض.
وأيام تانية كانت بتبص له وتفتكره أبوه، أو تناديه باسم أحمد وهو لسه شاب عنده خمسة وعشرين سنة.
في الأول، كان بيحاول يصحح لها.
لكن بعد فترة، بطل.
لما كانت تبص له وتقول
اتأخرت من الجامعة ليه يا أحمد؟
كان يبتسم ويرد
معلش يا ماما، بس أنا جيت أهو.
والحاجة نوال كانت تبتسم له، وكأن الدنيا رجعت بيها لوقت كانت فيه كل مخاوفها إنها ابنها يتأخر عليها شوية.
البيت فضل بسيط، لكنه ما بقاش حاسس إنه ضيق.
أحمد عرض على مريم إنه يشتري لهم فيلا قريبة من القرية، لكنها رفضت.
قالت له بوضوح
يوسف مش محتاج يتعلم إن كل حاجة بنحبها، أول ما تتعب أو تتخرب، نرميها ونجيب أغلى منها.
أحمد سكت، وبعدها قال
عندك حق. طب نصلح البيت بدل ما نسيبه؟
مريم فكرت شوية، وبعدين وافقت.
صلحوا السقف، وجهزوا حمام يناسب حالة الحاجة نوال، ورمموا الحوش.
وأحمد اشتغل مع الصنايعية بنفسه، والمفاجأة إنه كان لسه فاكر إزاي يخلط الأسمنت ويحط الطوب، رغم السنين الطويلة اللي قضاها بعيد عن شغل البناء بإيده.
وفي يوم أحد، وصل البيت ومعاه اتناشر شتلة ليمون صغيرة.
مريم خرجت من الباب وبصت للشتلات باستغراب.
إيه ده كله يا أحمد؟
ابتسم وقال
دي دَين قديم عليّا.
مريم عقدت حواجبها.
دين إيه؟
أحمد بص لها وقال
فاكرة لما كنا عايشين في شقة شبرا، وكنتِ بتحلمي يكون عندنا بيت صغير فيه جنينة ليمون؟ كنت بقول لك إني أول ما نبقى أغنيا هبني لك البيت ده.
ابتسمت مريم بحزن.
أيوه، فاكرة.
المشكلة إننا لما بقينا أغنيا، أنا نسيت الوعد.
مريم ما ردتش، لكنها قربت منه وأخدت واحدة من الشتلات.
وزرعوهم سوا في الحوش.
وفي نفس المكان اللي أحمد كان واقف فيه أول مرة بيدور على إمضا، زرعوا أول شجرة ليمون جديدة.
بعدها بكام أسبوع، وفي عصر هادي، أحمد قعد تحت شجرة الزيتون القديمة، وحط فنجان القهوة الأبيض المشروخ على الترابيزة.
مريم خرجت وقعدت قدامه.
أحمد بص للفنجان وقال
طول السنين اللي فاتت، كنت فاكر إن إنتِ اللي كسرتي حياتنا. كان أسهل عليّا أصدق كده من إني أعترف إني ما اتأكدتش من الحقيقة بنفسي.
مريم مررت صباعها على حافة الفنجان المشروخة.
وأنا كمان غلطت في حاجات. سيبت الخۏف يتحكم في قراراتي وقت أطول من اللازم.
أحمد هز راسه.
مش هطلب منك تنسي اللي حصل، ولا هقول لك إن السنين اللي ضاعت ممكن ترجع.
مريم بصت له في عينيه.
كمل كلامه
بس عايز أسألك سؤال واحد. ينفع أحاول أبني حاجة جديدة معاكي؟ واحدة واحدة، من غير محامين، ومن غير شروط، ومن غير ما نخبي عن بعض أي حاجة حتى لو كانت مکسورة؟
مريم فضلت باصة له وقت طويل.
وبعدين قالت
الأول خلّص الجنينة.
أحمد ابتسم.
يعني دي موافقة بس بشروط صعبة؟
مريم ضحكت لأول مرة من قلبها من سنين.
ده أقصى اللي ممكن تاخده مني النهارده.
عدت ست شهور.
شتلات الليمون كبرت شوية، وبدأت تظهر عليها أول زهور صغيرة.
ما كانش فيه فرح ضخم، ولا صور في المجلات، ولا استعراض للفلوس.
أحمد ومريم اتجوزوا من جديد في قاعة صغيرة في مزرعة قريبة

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *