رحت لبيت طليقتي

فيها بيت صغير، وشجرة زيتون، وست وطفل، وراجل لابس بدلة واقف قدام عمارة ضخمة.
وفوق الراجل، يوسف كان كاتب بخط طفولي متعرج كلمة بابا.
أحمد مسك الرسمة بإيد بتترعش.
يوسف أشار للراجل اللي في الرسمة وقال بفخر
ماما بتقول إنك بتبني بيوت لعائلات كتير. وأنا نفسي في يوم من الأيام تبني لنا بيت إحنا كمان.
أحمد حاول يتكلم، لكن صوته خانه.
نزل لمستوى يوسف، وبص في عينيه، وحس لأول مرة إن كل الفلوس والنجاح اللي حققهم ما يساووش لحظة واحدة من عمر ابنه اللي ضاعت منه.
دخلت مريم البيت، وبعد شوية رجعت وهي ماسكة ظرف أصفر قديم.
فتحته قدامه.
جواه صورة سونار، وشهادة ميلاد يوسف. الخانة الخاصة باسم الأب كانت فاضية.
قالت مريم
عرفت إني حامل بعد ما مشيت من القاهرة بيومين. رحت مكتب فؤاد السيوفي تلات مرات عشان أوصل لك. وفي آخر مرة، قالي إنك مش عايز تعرف أي حاجة عن الطفل، وإنك لو شوفتني تاني هتعتبرني بتعدى على حياتك.
أحمد ضغط على شفايفه بقوة، وعينيه اتمَلوا بالدموع.
ضيعوا مني ست سنين مع ابني!
مريم بصت له بعتاب وقالت
ما تخليش الموضوع كله يدور حوالين اللي إنت خسرته يا أحمد. يوسف كمان كبر وهو بيسأل عن أبوه، وكل يوم كان مستني حد عمره ما جه.
الكلام وجعه أكتر من أي اتهام.
لأنها كانت عندها حق.
هو كان بيحسب خسارته هو، لكنه ما فكرش في طفل اتولد وكبر من غير ما يعرف أبوه، ولا في ست اضطرت تواجه الدنيا لوحدها وهي شايلة سر كبير بالشكل ده.
في الليلة دي، أحمد استأجر أوضة في فندق صغير في مرسى مطروح.
أول ما خطيبته رانيا عرفت إنه ما قدرش يخلّص موضوع الإمضا، اتصلت بيه وهي في قمة ڠضبها.
إنت فين يا أحمد؟! أنا بقالي ساعات مستنياك ترد عليّا، وإنت سايب شغلك وفرحنا وكل حاجة ورايح تقعد عند طليقتك!
حاول يشرح لها إنه اكتشف حاجة خطېرة تخص ابنه وأمه، لكنها ما ادتلوش فرصة يكمل.
أنا مش فاهمة إنت بتعمل إيه! هتضيّع كل اللي بنيناه عشان واحدة إنت مطلقها من سبع سنين؟
قبل ما يرد، قفلت الخط في وشه.
وبعدها بدقايق، اتصلت أخته نجلاء.
صوتها كان متوتر بشكل واضح.
إنت فين يا أحمد؟
في مطروح.
سكتت لحظة، وبعدها قالت بسرعة
ارجع القاهرة فورًا. ماما حالتها مش مستقرة في سويسرا، ومش ناقصة أي مشاكل قديمة ترجع تزعّلها.
أحمد مسك الموبايل بقوة.
إنتِ لسه بتقولي إنها في سويسرا؟!
نجلاء ردت بعصبية
أيوه طبعًا! هو إنت ناوي تصدق أي كلام تسمعه؟ ارجع، وأنا هشرح لك كل حاجة.
أحمد قفل المكالمة من غير ما يرد.
ولأول مرة، بدأ يشك في كل كلمة قالتها أخته خلال السنين اللي فاتت.
تاني يوم الصبح، رجع لبيت مريم.
لما دخل الحوش، لقاها قاعدة قدام ماكينة خياطة قديمة، وبتخيط زي مدرسي أطفال. كان واضح إنها بتشتغل لساعات طويلة عشان تقدر تدفع مصاريف البيت والعلاج.
وعلى الترابيزة جنبها، كانت فيه علبة مليانة إيصالات صيدلية وفواتير علاج، وكلها باسم الحاجة نوال الشناوي.
أحمد مسك واحد من الإيصالات وبص فيه.
إنتِ اللي بتدفعي تمن العلاج كله؟
مريم فضلت مركزة في القماش اللي بتخيطه.
أيوه.
بس إزاي؟ إنتِ بتشتغلي طول اليوم عشان تعيشي، وبتدفعي علاج أمي كمان؟
ردت من غير ما تبص له
لما لقيتها، ما كانش قدامي غير إني أساعدها. ما كنتش هسيبها لوحدها.
أحمد كان لسه هيسألها إزاي أمه وصلت للمكان ده، لكن يوسف ظهر فجأة وشد إيده.
تعالى يا عمو أحمد، عايز أوريك حاجة!
الكلمة وجعته رغم بساطتها.
عمو

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *