جوزي بص على
لصفحة من ملف داخلي.
الصورة كانت واضحة، وفي أعلاها عنوان
خطة معالجة الفارق المالي المرحلة الثانية.
نزلت بعيني على الجدول، لحد ما وصلت لملاحظة مكتوبة تحت الصفحة.
كانت بتقول إن الاستعانة بمراجعة مالية خارجية هتكون مكلفة، وإنه يُفضّل تأجيل المراجعة لحين عودة الموظفة صاحبة الخبرة المالية، مع الإشارة إلى إمكانية الاعتماد على مراجعتها لاحقًا.
وتحت الملاحظة، كان فيه توقيع إلكتروني لمسؤول اعتماد.
كبرت الصورة، وراجعت الاسم.
ماكانش اسم جرانت.
ولا مايكل.
ولا رئيس مجلس الإدارة.
كان اسم مديرة الموارد البشرية، فيكتوريا ميلر.
أنا كنت أعرف فيكتوريا بالاسم، لأنها كانت المسؤولة عن إجراءات إجازة الأمومة في شركتي السابقة، وكانت قد تواصلت معي قبل الولادة بخصوص بعض الأوراق المهنية.
لكن ماكنتش أعرف إيه علاقتها بشركة جرانت، ولا ليه اسمها ظهر في ملف مالي يخص مشروعه.
وفجأة، افتكرت حاجة.
قبل ما آيفي تتولد بأسبوعين، جرانت سألني سؤال غريب
هو إنتِ لسه محتفظة بنسخة من توقيعك الإلكتروني القديم؟
وقتها افتكرت إنه بيسأل عشان ملف تأمين أو إجراء إداري، وما اهتمتش بالموضوع.
لكن دلوقتي، السؤال رجع في دماغي بكل تفاصيله.
هل كان بيسأل عن التوقيع لسبب عادي فعلًا؟
ولا فيه حاجة حصلت وقتها أنا ماكنتش أعرفها؟
فتحت الرسائل القديمة بيني وبينه، وبدأت أدور على الكلمة.
وبعد دقائق، لقيت المحادثة.
أنا كنت رديت عليه وقتها
أيوه، بس ليه؟
وهو رد
ولا حاجة، كنت بسأل عشان لو احتجنا نخلص ورق بسرعة.
فضلت باصة للرسالة.
ماكانتش دليل على إنه استخدم توقيعي، لكنها كانت تفصيلة جديدة لازم تتحقق.
وفي اللحظة دي، الموبايل رن.
رقم الشركة.
رديت.
كان المدير المالي.
قال
مدام إيميلي، محتاجين حضرتك ترجعي الشركة بكرة الصبح. لقينا مستندًا إضافيًا في الأرشيف الإلكتروني، والتاريخ الموجود عليه سابق على كل النسخ اللي راجعناها.
سألته والمستند ده فيه إيه؟
سكت لحظة، وبعدين قال
فيه طلب صريح بإضافة اسمك إلى التقرير، لكن الشخص اللي أصدر الطلب مش جرانت ولا مايكل.
حسيت إن نفسي اتسحب مني.
سألته مين؟
رد
مش هقدر أأكد الاسم قبل ما نتحقق من صحة المستند، لكن فيه تفصيلة تانية أخطر. الطلب اتبعت من حساب موظف كان مسجل إجازة رسمية وقتها.
قفلت المكالمة، وفضلت قاعدة في العربية.
موظف في إجازة رسمية، وحساب اتستخدم لإصدار طلب مالي، وتوقيع باسمي ظهر في تقرير أنا ما شفتوش.
كل حاجة كانت بتقول إن الموضوع أكبر من خطأ في الحسابات.
لكن لسه ماكنتش عارفة مين المسؤول الحقيقي.
ولما رجعت البيت، لقيت جرانت واقف قدام باب الشقة، ماسك في إيده ظرف بني قديم، وعلى وشه ملامح شخص اكتشف إن السر اللي حاول يخبيه، حد تاني سبقه وكشفه.
بصلي وقال
إيميلي، قبل ما تفتحي أي رسالة تانية، لازم تشوفي الورق اللي في الظرف ده.
مد إيده ناحيتي.
ولما فتحت الظرف، لقيت أول ورقة عبارة عن نسخة من طلب إجازة أمومة باسمي.
لكن الورقة اللي تحتها كانت تحمل تاريخًا أقدم، وتوقيعًا أعرفه كويس جدًا.
توقيع جرانت نفسه.
يتبع…
الساعة كانت ٧ الصبح، وأنا تقريبًا ما نمتش غير ساعة واحدة طول الليل.
آيفي صحت مرتين ترضع، وفي كل مرة كنت برجع أحطها في سريرها وأفتح اللابتوب أبص على التقرير من جديد.
كنت بحاول ألاقي أي تفصيلة فاتتني، أي رقم يفسر المبلغ الناقص، أو أي علامة تكشف مين استخدم اسمي.
لكن كل ما كنت بقرب من إجابة، كنت بلاقي سؤال أكبر.
جرانت قضى الليلة في الصالة، وماجاش ينام جنبي زي عادته. ولما نزلت الصبح، لقيته قاعد على الكنبة، لابس هدوم الشغل، وقدامه فنجان قهوة بارد.
رفع عينيه لما شافني.
قال إنتِ لسه مصممة تروحي الاجتماع؟
حطيت شنطة آيفي على الكرسي وقلت أيوه.
حتى بعد اللي عرفتيه؟
بصيتله باستغراب.
هو أنا عرفت إيه بالظبط يا جرانت؟ أنا لحد دلوقتي ماعرفش مين استخدم اسمي، ولا المبلغ راح فين، ولا إنت كنت عارف إيه ومخبي إيه عني.
نزل عينيه، وبعدين قال
أنا مش مخبي عنك كل حاجة بقصد إني أضرك.
رديت بهدوء أنا مش هحكم على نيتك دلوقتي. أنا هحكم على الحقائق لما أعرفها.
ماجادلنيش.
لأول مرة، سابني أتكلم من غير ما يقاطعني أو يحاول يثبت إن رأيه هو الصح.
وصلنا الشركة قبل الاجتماع بنص ساعة.
جرانت دخل من الباب الرئيسي، وأنا دخلت وراه، شايلة ملفي الشخصي، وفيه نسخة من المراسلات والتواريخ اللي جمعتها.
موظفة الاستقبال أول ما شافتني ابتسمت وقالت
صباح الخير يا مدام إيميلي، حضرتك رجعتي الشغل؟
ابتسمت لها وقلت لسه، بس عندي اجتماع مهم النهارده.
لكن وأنا ماشية في الممر، لاحظت إن فيه موظفين بيبصوا لجرانت وبعدين يبصوا لي، ويتكلموا بصوت واطي.
واضح إن الموضوع انتشر جوه الشركة أسرع مما توقعت.
وصلنا قاعة الاجتماعات.
كان مايكل موجود، قاعد قدام اللابتوب، وملامحه مرهقة. أول ما شافني، قام من مكانه.
قال صباح الخير يا إيميلي.
رديت صباح الخير. أتمنى النهارده نعرف الحقيقة كاملة.
هز راسه، لكنه ما قالش حاجة.
بعدها دخل المدير المالي، ومعاه ملف كبير، وقعد في آخر الطاولة.
وبعدين دخل رئيس مجلس الإدارة.
الرجل اللي اسمه موجود في توقيع الإيميل المجهول.
كل الموجودين قاموا يسلموا عليه، ماعداي أنا، لأني كنت واقفة أصلًا.
بصلي لحظة، وبعدها قال
إيميلي كارتر؟
قلت أيوه.
مد إيده وسلم عليّا، وبعدين قال جملة خلتني أركز معاه جدًا
أنا سعيد إنك جيتي بنفسك. عندنا موضوع لازم يتوضح، ومش من العدل إن حد يتحمل مسؤولية حاجة ماعملهاش.
بصيتله مباشرة وسألته
حضرتك اللي بعتلي الإيميل امبارح؟
القاعة كلها سكتت.
جرانت بصلي پصدمة، ومايكل رفع راسه بسرعة.
أما رئيس مجلس الإدارة، فما حاولش ينكر.
قال أيوه، أنا اللي بعت الرسالة.
سألته ليه ما تواصلتش معايا بشكل رسمي؟
قعد وفتح الملف اللي معاه.
لأننا اكتشفنا إن فيه نسخة من التقرير اتبعتت خارج النظام الرسمي للشركة، وعليها توقيع باسمك. قبل ما نبدأ أي إجراء، كنت محتاج أتأكد إنك فعلًا ما راجعتيش التقرير.
قلتله وأنا أكدت ده في ردي على الرسالة.
هز راسه.
صحيح. لكن فيه تفصيلة تانية لازم تعرفيها.
فتح الملف وطلع منه ورقة، وحطها قدامي.
كانت صفحة من التقرير الأصلي.
نفس الأرقام اللي راجعتها طول الليل، لكن الصفحة دي كان فيها عمود إضافي مش موجود في النسخة اللي وصلتني.
عمود بعنوان جهة طلب التحويل.
نزلت بعيني على أول سطر، وبعدها التاني، والتالت.
كل تحويل كان مرتبطًا بطلب اعتماد محدد.
لكن لما وصلت للتحويل الأكبر، توقفت.
الاسم المكتوب جنبه ماكانش اسم جرانت.
ولا اسم مايكل.
كان اسم شخص من الإدارة العليا.
رئيس مجلس الإدارة نفسه!
رفعت عيني ناحيته.
حضرتك كنت صاحب طلب التحويل؟
قال بهدوء أيوه، أنا طلبت تحويل المبلغ، لكن الطلب كان لمصروفات مشروع معتمدة، وكان المفروض يكون فيه مستندات تثبت أوجه الصرف.
المدير المالي تدخل وقال
المشكلة إن المستندات اللي اتسلمت لنا مش متوافقة مع المبلغ، وفيه فرق كبير بين قيمة التحويلات والفواتير الموجودة في الملف.
قلت يعني فيه تحويلات تمت بناءً على طلب رسمي، لكن مفيش مستندات كافية تثبت أوجه الصرف؟
رد بالظبط.
بصيت لجرانت.
كان قاعد ساكت، ووشه متغير.
سألته إنت كنت عارف إن رئيس مجلس الإدارة هو اللي طلب التحويل؟
قال كنت عارف إن فيه طلبات تحويل جاية من الإدارة العليا، لكن ماكنتش عارف إن فيه مشكلة في المستندات بالشكل ده.
رئيس مجلس الإدارة بصله وقال
وده تحديدًا اللي لازم نفهمه. لأن توقيعك موجود على اعتماد الصرف، يا جرانت.
جرانت رد بسرعة
أنا اعتمدت بناءً على المستندات اللي وصلتني، وماكنتش أعرف إن فيه صفحات ناقصة.
المدير المالي فتح اللابتوب، وبدأ يعرض سجل الاعتمادات.
وقال إحنا راجعنا النسخة الأصلية، ولقينا إن تقرير الصرف اتعدل بعد الاعتماد الأول. وفيه نسخة تانية اتعملت بعدها بيومين، واتضاف فيها اسم إيميلي باعتبارها المراجعة المالية النهائية.
حسيت إن كل العيون اتجهت ناحيتي.
سألت مين اللي عدّل النسخة التانية؟
المدير المالي رد
حساب المستخدم اللي أنشأ التعديل مسجل باسم مايكل.
مايكل قام من كرسيه فورًا.
أنا ما ضفتش توقيعها! أنا فتحت الملف عشان أراجع اختلاف الأرقام، لكن ماعدلتش خانة الموافقة.
رئيس مجلس الإدارة قال بحزم
عندنا سجل بالتعديلات، وكل خطوة لازم تتراجع. محدش هيتهم حد قبل ما نكمل التحقيق.
كنت عارفة إن ده التصرف الصحيح. وجود اسم مستخدم في سجل التعديل مش دليل كافي لوحده على مين اللي عمل كل تغيير، خصوصًا لو فيه احتمال إن الحساب اتستخدم من شخص تاني.
لكن كان لازم أعرف حاجة واحدة.
قلت هل فيه نسخة من الملف قبل إضافة اسمي؟
المدير المالي هز راسه.
أيوه، ودي النسخة اللي هنقارنها بباقي المستندات.
وبعدين فتح ملفًا تاني.
ظهرت على الشاشة صفحة فيها تاريخ التعديل، واسم المستخدم، وساعة إنشاء النسخة.
قربت من الشاشة.
التعديل اتعمل الساعة ٨٤٧ مساءً.
في اليوم ده، أنا كنت في البيت مع آيفي، وعندي سجل لمحادثات ورسائل بتثبت إني ماكنتش في الشركة، لكن ده لوحده ماكانش كافي لإثبات مين استخدم حساب المستخدم.
طلبت من المدير المالي يوضح لنا سجل الدخول الخاص بالملف.
بدأ يراجع البيانات.
وبعد دقايق، قال
فيه حاجة غريبة.
كلنا بصينا له.
قال حساب مايكل اتفتح في الوقت ده من جهاز موجود داخل الشركة، لكن فيه جلسة تانية اتفتحت على نفس الملف من جهاز مختلف بعد حوالي عشر دقايق.
سألته والجهاز التاني تابع لمين؟
اتردد قبل ما يرد.
وبعدين لف شاشة اللابتوب ناحيتنا.
ظهر اسم المستخدم المرتبط بالجلسة التانية.
Grant Carter.
جرانت قام من كرسيه پعنف.
ده مستحيل! أنا ما فتحتش الملف في الوقت ده.
المدير المالي قال ده اسم الحساب المسجل، لكن لسه لازم نراجع سجلات الجهاز ونتأكد مين كان بيستخدمه.
بصيت لجرانت، وأنا حاسة إن الأرض بتتحرك من تحت رجلي.
هل ممكن يكون هو اللي عدّل التقرير فعلًا؟
ولا فيه حد استخدم حسابه زي ما ممكن يكون حصل مع حساب مايكل؟
جرانت بصلي وقال بسرعة
إيميلي، أنا عارف إن الشكل وحش، لكن صدقيني، أنا ما ضفتش اسمك على أي تقرير.
كنت عايزة أصدقه، لكني ماكنتش هسمح لمشاعري تجاهه إنها تحسم قضية بالشكل ده.
قلتله أنا مش هتهمك، ومش هبرّئك. خلينا نشوف الأدلة.
رئيس مجلس الإدارة طلب من المدير المالي يكمل مراجعة السجل، وبعدها قال إنه عايز الاجتماع يتحول لتحقيق رسمي، مع حفظ كل النسخ الأصلية وعدم تعديل أي ملف لحد ما المراجعة تخلص.
وافقت فورًا.
لكن قبل ما الاجتماع ينتهي، دخل موظف من قسم تكنولوجيا المعلومات، وهمس في ودن المدير المالي.
المدير المالي طلب منه يعيد الكلام بصوت مسموع.
الموظف قال
إحنا لقينا نسخة احتياطية من التقرير الأصلي، محفوظة على خادم داخلي. النسخة دي اتعملت قبل إضافة توقيع إيميلي، وفيها مرفق إضافي مش موجود في النسخ التانية.
سأل رئيس مجلس الإدارة والمرفق ده فيه إيه؟
الموظف بص للمدير المالي، وبعدها قال
مراسلات اعتماد بين أكتر من حساب داخل الشركة.
فتح المرفق على الشاشة.
كانت رسائل متبادلة بين ثلاثة أشخاص، بتواريخ مختلفة.
واحدة منهم كانت من رئيس مجلس الإدارة.
والتانية من مايكل.
أما الرسالة التالتة، فكانت من حساب جرانت.
لكن اللي شد انتباهي مش أسماء المرسلين.
كان عنوان الرسالة الأخيرة
تعديل التقرير قبل المراجعة النهائية.
وتحت العنوان، ظهرت جملة واحدة من رسالة جرانت
لازم النسخة النهائية تكون جاهزة قبل ما إيميلي تشوف الأرقام.
رفعت عيني ببطء ناحيته.
جرانت كان باصص للشاشة، ووشه فقد لونه تمامًا.
قال بصوت ضعيف
أنا أقدر أشرح الجملة دي.
لكن قبل ما يكمل، ظهر إشعار على شاشة الموظف بوجود مرفق آخر