جوزي بص على

فلوس؟
وكل مرة كنت بحاول أفسّر كلامه بطريقة ألطف.
كنت أقول لنفسي إنه مضغوط من الشغل.
يمكن مرهق.
يمكن مش عارف يتأقلم مع التغيير.
يمكن المسؤوليات الجديدة مأثرة عليه.
لحد ما جه اليوم ده.
جرانت بصلي وأنا شايلة بنتنا، وسألني السؤال اللي خلّى كل حاجة جوايا تسكت فجأة.
إنتِ أصلًا هتروحي فين من غير مرتب؟
مافكرتش أذكّره بمسيرتي المهنية اللي استمرت 13 سنة.
ماقولتلوش على حسابات التوفير اللي باسمي.
ولا جبت سيرة حساب الاستثمار اللي فتحته قبل ما أعرفه أصلًا.
ولا الأسهم اللي بقيت ملكي بشكل نهائي بعد ما استحقيتها من شغلي.
كل اللي عملته إني عدّلت وضع آيفي على صدري، وبصيتله وقلت بكل هدوء
ماشي.
جرانت رمش بعينيه باستغراب.
وقال إيه؟
كررت نفس الكلمة ماشي.
ملامح وشه اتغيرت.
هو كان مستني إني أعيط.
أو أتشاجر معاه.
أو أوعده إن بكرة الرخامة هتبقى فاضية والبيت هيرجع زي الأول.
لكن بدل كل ده، لفيت ناحية السلم وبدأت أطلع فوق.
سمعته بينادي عليّا من ورايا
إيميلي!
وقفت مكاني.
قال بعصبية إنتِ بتكبّري الموضوع أوي!
بصيتله وقلت بهدوء
لأ يا جرانت… أنا أعتقد إني بقالي شهور ببالغ في رد فعلي، وبحاول أهوّن على نفسي كلامك!
قطّب حواجبه باستغراب.
وسألني يعني إيه الكلام ده؟
بصيت في عينيه وقلت
يعني بقالي شهور بألّف لنفسي تفسيرات ألطف للكلام اللي إنت بتقولهولي، عشان ماواجهش الحقيقة.
وبعدها شيلت آيفي وطلعت بيها فوق.
ولأول مرة، جرانت بان عليه الارتباك بجد.
لأنه لسه فاكر إني مجرد واحدة متضايقة، وهتهدى بعد شوية.
ماكانش عنده أي فكرة عن الحقيقة اللي أنا أخيرًا فهمتها…
حكايات_زيزي
طلعت أوضتي وقفلت الباب بهدوء، وحطيت آيفي في سريرها الصغير بعد ما اتأكدت إنها دخلت في نوم عميق. فضلت واقفة جنبها شوية، بتأمل وشها البريء، وبحاول أفهم إزاي حياتي وصلت للحظة اللي أبقى فيها مضطرة أفكر أنا وبنتي ممكن نعيش فين بعيد عن جوزي!
بس الغريب إني ماكنتش بعيط.
يمكن عشان الدموع خلصت من كتر المرات اللي زعلت فيها وسكتّ.
ويمكن عشان لأول مرة من شهور، بطلت أسأل نفسي إزاي أرضي جرانت؟ وبدأت أسأل سؤال تاني خالص
أنا عايزة أعيش إزاي؟
فتحت الدولاب، وطلعت شنطة سفر كبيرة من الرف اللي فوق. حطيتها على السرير، وبدأت أحط فيها هدومي وهدوم آيفي، ومع كل قطعة كنت بحطها، كان عقلي بيرتب أفكاره بنفس الهدوء اللي كنت برتب بيه الأرقام في تقاريري المالية.
أنا مش هاخد قرار متهور.
مش هسيب بيتي وأمشي من غير ما أفهم حقوقي.
ومش هسمح لحد، حتى لو كان جوزي، إنه يقنعني إني بقيت بلا قيمة لمجرد إني أخدت إجازة عشان أربي بنتنا.
فتحت اللابتوب اللي كان مركون على المكتب من يوم ما ولدت آيفي.
الشاشة نورت، وظهرت قدامي ملفات شغلي القديمة.
ملفات كنت بفتحها زمان كل يوم، وبراجع فيها ميزانيات شركات بتتعامل بالملايين.
ابتسمت ابتسامة صغيرة وأنا بفتكر آخر مشروع اشتغلت عليه قبل الولادة.
وقتها، مديري عرض عليّا أرجع للشغل بنظام مرن بعد انتهاء إجازة الأمومة، مع إمكانية إني أشتغل من البيت أيام معينة.
أنا اللي طلبت تأجيل الكلام في الموضوع، لأني كنت عايزة أدي آيفي وقتي في شهورها الأولى.
لكن العرض ماكانش اتلغى.
وكان لسه عندي إيميل من مديري بيقولي فيه إنهم مستنيين ردي لما أبقى جاهزة.
فتحت الإيميل، وقرأت الرسالة مرة واتنين.
وبعدين بدأت أكتب
مساء الخير يا أستاذ دانيال،
أتمنى تكون بخير. حابة أرجع أتكلم معاك بخصوص عرض العمل بنظام مرن، وأعرف لو الفرصة لسه متاحة. أنا جاهزة نحدد معاد لمناقشة التفاصيل.
راجعت الرسالة، وبعتها.
وبمجرد ما عملت كده، حسيت إن باب صغير اتفتح قدامي بعد ما كنت متخيلة إن كل الأبواب اتقفلت.
لكن لسه
كان فيه باب تاني لازم أفتحه.
دخلت على حساباتي البنكية، وراجعت رصيدي واستثماراتي. ماكنتش محتاجة أطلب من حد فلوس عشان أبدأ أرتب حياتي، ودي كانت حقيقة جرانت ماعرفهاش أبدًا، رغم إننا عايشين تحت سقف واحد بقالنا سنين.
أنا عمري ما كنت معتمدة عليه ماديًا بالشكل اللي هو متخيله.
وفجأة، سمعت خبطتين على الباب.
جرانت قال من بره
إيميلي، إنتِ بتعملي إيه جوه؟
ما رديتش.
خبط تاني، المرة دي بعصبية أكتر.
إيميلي، أنا بكلمك!
قفلت اللابتوب، وفتحت الباب بعد لحظات.
كان واقف قدامي، وعينيه راحت على الشنطة المفتوحة فوق السرير.
وشه اتغير.
إيه الشنطة دي؟
قلت بهدوء زي ما إنت قلت، هاخد الكركبة وأروح مكان تاني.
فضل باصصلي كأنه مش مصدق إني ممكن أكون فعلًا بنفذ كلامه.
قال بسرعة إنتِ مش هتمشي بسبب خناقة سخيفة!
سألته خناقة سخيفة؟
رد أيوه! أنا كنت متعصب، وقلت كلمتين وخلاص. إنتِ ليه لازم تحولي كل حاجة لمشكلة كبيرة؟
بصيتله شوية، وبعدين قلت
جرانت، المشكلة مش في كلمتين. المشكلة إنك بقيت تشوف كل حاجة بعملها لبنتنا عبء عليك، وإنك بقيت بتعاملني كأني ضيفة عندك لازم أثبت كل يوم إني أستحق أقعد في البيت.
ملامحه اتبدلت، لكنه حاول يخفي ده.
وقال أنا عمري ما قلت إنك ضيفة!
رديت بس سألتني هروح فين من غير مرتب.
سكت.
ولأول مرة من بداية الكلام، ما لقيش رد سريع.
كملت وأنا ببص في عينيه
إنت فاكر إني عشان مش بنزل الشغل دلوقتي، بقيت معنديش أي حاجة أرجع لها. فاكر إن الفلوس اللي بكسبها هي اللي كانت مدياني قيمة، وإن لما المرتب وقف، قيمتي وقفت معاه.
قال بصوت أوطى إنتِ فاهمة كلامي غلط.
كنت زمان هتمسك في الجملة دي، وأفضل أسأله يقصد إيه، وأحاول أصدقه حتى لو تصرفاته بتقول عكس كلامه.
لكن المرة دي، اكتفيت إني أقول
يمكن. بس أنا مش هفضل أستنى لحد ما أفهمك، وإنت مش بتحاول تفهمني.
لفيت عشان أكمل ترتيب الشنطة.
وفجأة، موبايله رن.
بص للشاشة، واتغيرت ملامحه بطريقة لفتت نظري.
كان اتصال من أخوه، مايكل.
رد بسرعة وقال أيوه يا مايكل؟
مايكل كان بيتكلم بصوت عالي لدرجة إني سمعت جزء من كلامه من مكاني.
جرانت، إنت فتحت الإيميل اللي بعتّهولك؟ لازم نتكلم في الموضوع ده النهارده!
جرانت بص ناحيتي، وبعدها رد بصوت واطي
مش دلوقتي يا مايكل.
لكن أخوه أصر
لأ، دلوقتي! إنت قلتلي إن كل حاجة متظبطة، وأنا اكتشفت إن فيه مشكلة كبيرة في الحسابات!
جرانت وقف مكانه.
وأنا، رغم إني كنت بحاول أركز في هدوم بنتي، حسيت إن الجملة دي مش عادية.
خصوصًا لما مايكل قال بعدها
وإيميلي لازم تعرف، لأنها الوحيدة اللي ممكن تفهم الأرقام دي قبل ما الموضوع يكبر!
جرانت قفل عينيه للحظة، وكأنه بيتمنى إن المكالمة تنتهي قبل ما أسمع أكتر.
لكنه ماكانش واخد باله إني سمعت كل كلمة.
رفعت رأسي وبصيتله.
حسابات إيه يا جرانت؟
اتردد، وبعدين قال بسرعة
موضوع شغل، مش مهم.
ابتسمت ابتسامة خفيفة، من غير أي فرحة.
مش مهم؟ غريبة. من ثواني أخوك كان بيقول إني الوحيدة اللي ممكن أفهم الأرقام.
جرانت قرب مني خطوة، وقال بنبرة حاول يخليها هادية
إيميلي، أنا هشرحلك كل حاجة، بس مش دلوقتي.
سألته ليه مش دلوقتي؟
ما ردش.
وفي اللحظة دي، افتكرت حاجة حصلت من حوالي شهرين.
جرانت كان طلب مني أراجع ملف مالي خاص بمشروع شركته، وقال إن فيه شوية أرقام مش متوافقة، وإنه محتاج رأيي بحكم خبرتي.
وقتها كنت مرهقة جدًا، وآيفي كانت بټعيط طول الليل، فقلتله يبعتلي الملف على الإيميل عشان أراجعه لما أقدر.
لكنه ما بعتوش أبدًا.
ولما سألته بعدها بكام يوم، قاللي إنه حل المشكلة بنفسه.
دلوقتي، بعد مكالمة مايكل، بدأت أحس إن الموضوع ماكانش بالبساطة اللي صورها لي.
مديت إيدي ناحية اللابتوب.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *