لما جوزى ينطق

قربت منه «نور» وخطت خطواتها بهدوء، وعملت نفسها مش فاهمة حاجة وبتتكلم بالراحة وبرائة كأنها ملاك طاهر: — مالك يا عمر؟ في إيه يا حبيبي؟ مالك بتعيط كده وتقطع في نفسك؟ هو فيه حد من أهلك جرى له حاجة ولا مات لا قدر الله؟!

رفع «عمر» راسه بالعافية، وبص لها بعيون حمرة دم، مليانة دموع ورعب وقهر، وفضل يشهق ومش قادر ينطق بحرف واحد يتفهم.. مسح وشه بكفوفه اللي بتتفض، وسابها وقام جرى خرج برة البيت كله زي المجنون، وما رجعش غير على أخر الليل وهو مش شايف قدامه.

دخل عليها الأوضة فوق بخطوات مكسورة وجسمه بيتطوح شمال ويمين، ومسك راسها بين إيديه وهو بيترعش كأنه سلك كهربا عريان، ونطق بصوت مبشوح وميت: — اسمعي يا نور.. يا بنت الناس، أنا وإنتي لازم نتطلق! دلوقتي حالا!

في اللحظة دي، حسيت «نور» إن ربنا خد لها حق صبرها، وإن روحها اترممت بعد الكسرة والوجع. عملت نفسها مصدومة وعينيها اتسعت على أخرهم: — نتطلق؟! ليه يا عمر؟! إيه اللي حصل للدنيا؟! إحنا لحقنا نعمل حاجة؟! رد عليها وهو بصص للأرض ومش قادر يحط عينه في عينها من كتر القرف والذنب: — مفيش.. مفيش كلام يتنطق خلاص. لمي هدومك وشنطتك وارجعي بيت أهلك دلوقتي، والله يستر عليكي وعليّ من اللي جاي!

لمت «نور» شنطتها بهدوء، وطلعت من الشقة وهي باصة عليه للمرة الأخيرة، سايباه يحترق بناره، يأكل في نفسه وشايل هم صحته وسمعته اللي حاسس إنها ضاعت في الوباء والفضايح. مشيت ورجعت بيت أبوها، وهي حاسة إن قلبها ارتاح واستشفى فيهم هما الاتنين بعد كل القرف اللي عملوه فيها!

وبالفعل، رمى عليها يمين الطلاق عند المأذون.. والشيء ده مكانتش «نور» عمله حسابه أوي، لأن على الرغم من خيانته وقرفه والتنمر اللي عاشته معاه، إلا إن حب زمان والعشق القديم كان لسه ليه أثر مكسور جوة قلبها مبتعرفش تمحيه في يوم وليلة.

مرت الأيام والأسابيع، ونور قاعدة في بيت أبوها صابرة وساكتة، لحد ما جيه أخر أسبوع في العدة.. الباب خبط في بيت أبوها خبطات متقطعة وخايفة. فتحوا الباب، ولقيت «عمر» داخل مع أمه، شكله يصعب على الكافر! خس ونزل النصف، ووشه شاحب، بس في عينيه توسل ورجاء عمرها ما شافته منه قبل كده. جايين يترجوها ورجليهم فوق رقبتهم عشان ترجع له وبيموتوا على رضاها!

عمر قعد قدام أبه ونور، وطأطأ رأسه للتراب وهو بيحكي بصوت مكسور إنه عاش أسود أيام حياته، وأنه حس إن ربنا بياخد منه كل حاجة بسبب ظلم وقسوة قلبه. اللي فهمته «نور» وقتها إن البيه جرى على المستشفيات والدكاترة والعيادات، وعمل كل التحاليل الطبية اللازمة مرة والتانية والتالتة، واكتشف إن جسمه سليماً مية في المية ومفيهوش أي مرض ولا إيدز ولا حاجة، وأن الموضوع كان ملعوب عليه من أوله لأخره! وده السبب اللي خلاه يتنفس الصعداء، ويرجع يطلبها تاني ويموت عشان ترضى عنه وترجع لبيته.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *