لما جوزى ينطق
أمه مسكت إيد نور وقعدت تبكي وتقول لها: «يا نور يا بنتي، عمر عرف غلطه وتدبس في أفكاره، وهو شتات من غيرك، سامحيه عشان خاطري ونبدأ صفحة جديدة».
وقفت «نور» قصاد أمه وعمر، وبصت له بعين قوية وثابتة وقالت بثبات وشموخ يوقف الحارة كلها: — أنا مش هرجع بالساهل يا طنط.. كرامتي مش لعبة في إيد حد يرميها وقت ما يحب وياخدها وقت ما يحب، والرجوع ليه شروط جديدة خالص! وأول شرط إننا نطلع نعمل عمرة سوا نغسل فيها كل القرف والهم اللي فات ونبدأ حياتنا على نظافة من جديد أمام ربنا!
عمر رفع راسه وبص لها وعينيه بتلمع بالدموع، وافق فوراً من غير ما يفكر ولا يتردد لحظة واحدة، وقال بصوت مخنوق: «اللي تؤمري بيه يا نور.. والله العظيم لو طلبتي نجمة من السما هجيبها لك، بس سامحيني وافتحي لي بابك تاني».
ورجعت له الشقة.. ويا الله! لقيته إنسان تاني خالص غير اللي عرفته وعاشت معاه قهر السنين! إنسان مهذب، بشوش، النور طالع من وشه، مربي لحيته وتقلت على وشه، وكان واضح جداً إنه اتغير والتزم من أعمق نقطة في قلبه.. أصل الدرس القاسي اللي أخده والصدمة اللي عاشها وهزت كيانه كانت كفيلة تفوقه بقية عمره وتخليه يعرف قيمة النعمة اللي كانت في إيده ودمّرتها إهاناته.
سافروا السعودية وعملوا العمرة، وكانت «نور» واقفة جنبه في الطواف حول الكعبة المشرفة، السكون يلف المكان وصوت التكبير يرج الحرم، وتسمعه يدعي بدموع خاشعة وصوت مهزوز يزلزل القلوب وهو ماسك في أستار الكعبة: — يا رب احفظ لي نوري ولا تحرمني منها.. يا رب ارزقني منها الذرية الصالحة، واصلح لي بيتي واغفر لي خطيئتي وظلمي ليها!
بقى إنسان متدين بحق، بيصلي الصلاة في وقتها في الجامع مع الجماعة وبيصوم الاثنين والخميس، ووعدها إنهم السنة الجاية هيحجوا سوا ويقفوا على عرفات بإذن الله.
رجعت الحياة لبيتهم بس بطعم تاني خالص. قعدت «نور» على سجادة الصلاة في أوضتها الهادية، تبص على الشارع الكبير من ورا زجاج الشباك بعد ما خلصت صلاة العشاء. سبحان من يغير ولا يتغير، سبحان من يقلب القلوب بين يوم وليلة! افتكرت ليلتها الأولى في البيت ده، وكيف كان الخوف والقهر بياكلوا في روحها، وكيف اتقلب الخوف ده لأمان، واللسان الطويل والتريقة لغزل وحنان يغرق أيامها، والاهانة القديمة لاحترام وشوق في عين جوزها.