900 جنيه يا مريم

حطيت إيدي على بقي عشان أكتم شهقتي.
أبويا كان بالنسبة لي أكبر لغز في حياتي.
قبل عشر سنين، خرج من البيت في ليلة شتا، وقال لأمي إنه رايح مشوار شغل وهيبقى راجع قبل الفجر.
لكنه مرجعش.
بعد يومين، الشرطة قالت لأمي إنهم لقوا عربيته محروقة على طريق صحراوي، وإن مفيش دليل كافي يثبت هو حصل له إيه بالظبط.
فضلت أمي تدور عليه سنين، لحد ما ماټت من أربع سنين وهي لسه مستنية يرجع.
وأنا وأخويا الصغير كبرنا وإحنا مقتنعين إننا بقينا أيتام.
والنهارده، بعد عشر سنين كاملة، صوته رجعلي من تليفون مجهول!
قلت بسرعة
بابا، بالله عليك قولي إنت فين! أنا هاجيلك حالًا!
لكن صوته اتغير فجأة.
ماتجيش ورايا يا مريم. ولو بتحبيني، ماتحاوليش توصلي لمكاني.
ليه؟! إنت خاېف من مين؟!
سمعت صوت حركة عنده، وبعدها صوت خبطة قوية.
وبعدين قال جملة واحدة خلت قلبي يقف
لأن أخوكي مش في أمان!
صړخت
أخويا ماله؟! إنت تعرف عنه إيه؟!
لكن المكالمة اتقطعت.
فضلت ماسكة التليفون عند ودني، بقول ألو مرة ورا التانية، لحد ما استوعبت إن الخط اتقفل.
بصيت لآدم، وقلت وأنا بترعش
أنا لازم أروح لأخويا دلوقتي!
آدم أخرج تليفونه واتصل بحد.
ابعتوا حد على عنوان مريم فورًا. يتأكد إن أخوها موجود وبخير، ومحدش يدخل الشقة من غير ما يتأكد من هويته.
بصيتله پغضب.
إنت بتتصرف كأنك صاحب البيت! إنت مالك بأخويا أصلًا؟!
قفل المكالمة، ورد عليّا بهدوء
معاكي حق تسأليني. وأنا هجاوبك على كل حاجة، بس مش هنا.
أنا مش رايحة معاك في أي مكان!
هز راسه وقال
مش هطلب منك تروحي معايا ڠصب عنك. تقدري تروحي بيتك، وأنا هبعتلك عنوان الشركة وميعاد المقابلة لو لسه عايزة الشغل.
استغربت من رده.
كنت متوقعة إنه يأمر رجاله ياخدوني معاه، خصوصًا بعد اللي عرفته.
لكن قبل ما أتحرك، سألني
أبوكي كان سايبلك حاجة قبل ما يختفي؟
افتكرت فجأة صندوق خشب صغير كانت أمي محتفظة بيه في دولابها.
الصندوق ده كان من الحاجات القليلة اللي فضلت من أبويا، وأمي كانت دايمًا تقوللي إنه أمانة لازم أفضل محافظة عليها.
بعد ۏفاتها، نقلت الصندوق مع حاجتي للشقة اللي عايشة فيها أنا وأخويا.
عمري ما فتحته، لأن أمي كانت قافلاه بقفل صغير، ومفيش مفتاح معاه.
بصيت لآدم بحذر.
ليه بتسأل؟
لما شاف ترددي، فهم إني فاكرة حاجة.
قال بصوت منخفض
مريم، لو عندك صندوق أو ورق أو أي حاجة تخص أبوكي، ماتسلميهاش لأي حد، حتى لو قالك إنه جاي من طرفي.
سألته
حتى لو إنت نفسك طلبتها؟
بصلي مباشرة وقال
خصوصًا لو أنا اللي طلبتها، لحد ما تعرفي الحقيقة بنفسك.
الكلام ده لخبطني أكتر.
إزاي راجل بالشكل ده يحذرني حتى من نفسه؟
وقبل ما أسأله، موبايله رن.
بص للشاشة، ولما رد، سمعت صوت شخص بيتكلم بسرعة من الناحية التانية.
ملامح آدم اتجمدت.
إنت متأكد من اللي بتقوله؟
سكت يسمع، وبعدها قال
محدش ېلمس حاجة. أنا جاي.
قفل المكالمة، وبصلي.
لازم أمشي.
قلتله بسرعة
استنى! إيه اللي حصل؟
اتردد لحظة، وكأنه بيفكر يقوللي ولا لأ.
وبعدين قال
الرجالة اللي بعتهم على بيتك وصلوا.
قلبي بدأ يدق پعنف.
وأخويا؟!
رد بعد لحظة صمت
أخوكي مش موجود في الشقة.
حسيت إن رجلي مش شايلاني.
إيه؟! يعني إيه مش موجود؟! هو راح فين؟!
الباب كان مفتوح، وفيه آثار بعثرة في الصالة، لكن لحد دلوقتي مفيش دليل نقدر نجزم منه إن حد أخده.
صړخت فيه
إنت مش فاهم! أخويا ما بيسيبش البيت من غير ما يقولي! هو عنده جلسات علاج، وحتى لما بينزل يجيب حاجة من تحت بيتصل بيا!
طلعت أجري ناحية باب الكافيه، لكن آدم لحقني عند المدخل، من غير ما يمسكني.
قال بجدية
اسمعيني يا مريم. أنا هساعدك تلاقيه، لكن لازم تقوليلي كل حاجة تعرفيها عن آخر يوم شوفتي فيه أبوكي.
بصيتله ودموعي على خدي.
أنا كنت طفلة عندي تمنتاشر سنة لما اختفى! إنت عايزني أفتكر إيه؟!
فجأة، افتكرت حاجة.
قبل اختفاء أبويا بأسبوع، صحيت بالليل على صوت خناق بينه وبين أمي.
ماكنتش فاهمة تفاصيل الكلام، لكني سمعت أبويا بيقول
لو حصل لي أي حاجة، الصندوق ده ما يخرجش من إيد مريم أبدًا!
جريت على آدم وقلتله
الصندوق! أنا عندي صندوق خشب كان بتاع أبويا!
لأول مرة، شفت الخۏف الحقيقي في عينيه.
مش خوف على نفسه.
خوف من حاجة كان مستنيها تحصل من عشر سنين.
سألني بسرعة
الصندوق فين دلوقتي؟
في البيت… غالبًا في الدولاب.
طلع تليفونه واتصل بنفس الشخص اللي كلمه من شوية.
محدش يقرب من الدولاب اللي في أوضة مريم. اتأكدوا إن المكان آمن، واستنوني قبل ما تعملوا أي حاجة.
وبعدين بصلي وقال
مريم، لازم نروح بيتك، بس مش هتدخلي المكان قبل ما نتأكد إنه آمن.
وافقت، لأن أخويا كان أهم عندي من أي حاجة تانية.
بعد حوالي نص ساعة، وصلنا للعمارة.
كان فيه راجلين واقفين عند المدخل، ولما شافوا آدم، قرب واحد منهم وقال
يا باشا، مفيش حد جوه دلوقتي. لكن لقينا حاجة غريبة في أوضة النوم.
طلعت السلم بسرعة، وآدم كان ماشي ورايا.
أول ما فتحت باب الشقة، حسيت إني داخلة مكان غريب.
الهدوم مرمية على الأرض، الأدراج مفتوحة، وعلبة الأدوية بتاعة أخويا واقعة جنب الكنبة.
جريت على أوضته.
سريره كان فاضي.
وعلى المخدة، لقيت ورقة مطوية باسمي.
فتحتها بإيدين بيرتعشوا.
كان مكتوب فيها
لو عايزة أخوكي يرجعلك، هاتي الصندوق اللي أبوكي سابه، وتعالي لوحدك. ممنوع آدم المنشاوي يعرف أي حاجة.
شهقت، ورفعت عيني لآدم.
لكنه ماكانش باصص للورقة.
كان واقف عند باب الأوضة، وبيبص لحاجة على الحيطة.
اتبعت نظره، فلقيت صورة عائلية قديمة ليا أنا وأخويا وأبويا.
الصورة كانت متعلقة في مكانها قبل ما أخرج للشغل، لكن حد شالها ورجع علقھا بالمقلوب.
آدم قرب منها، ورفعها بحذر.
ورا الصورة، كان فيه ظرف أبيض صغير، مكتوب عليه بخط أبويا
إلى مريم… لو وصلتي لليوم اللي هتقرئي فيه الرسالة دي، يبقى أنا فشلت أحميكم.
فتحت الظرف بسرعة، لكن قبل ما أطلع الورقة، آدم قال بصوت متوتر
استني يا مريم… بصي على التاريخ المكتوب تحت اسم أبوكي.
بصيت.
كان التاريخ هو تاريخ النهارده بالظبط!
يعني الرسالة دي اتكتبت من عشر سنين، ومع ذلك أبويا كان محدد اليوم اللي المفروض أفتحها فيه.
طلعت الورقة، ولقيت أول سطر مكتوب فيها
بنتي مريم، لو وصلتي للرسالة دي، يبقى الشخص اللي كنت فاكره ماټ رجع يدور عليكم…
وتحت السطر، كان فيه اسم واحد بس.
اسم الشخص اللي آدم المنشاوي كان بيدور عليه من عشر سنين!
لكن أول ما قرأت الاسم، حسيت إن الډم اتجمد في عروقي.
لأن الاسم ده ماكانش اسم غريب عليّا.
ده كان اسم الشخص اللي دفعلي مرتبي أول يوم اشتغلت فيه في الكافيه!
فضلت باصة للاسم المكتوب في الرسالة، وبحاول أقنع نفسي إني أكيد قريته غلط.
رجعت قريته مرة تانية.
وبعدين تالت مرة.
فؤاد السيوفي!
صاحب الكافيه اللي بشتغل فيه!
الراجل اللي كنت بشوفه كل يوم تقريبًا، واللي كان ساعات بيقف يسألني عن أخويا، ويقولي لو احتجتي أي مساعدة ماتتردديش تطلبيها منه.
إزاي؟!
إزاي الراجل اللي كنت فاكرة إنه مجرد صاحب مكان شغلي، يكون هو نفسه الشخص اللي أبويا كان بيحذرني منه من عشر سنين؟!
بصيت لآدم وقلت بصوت متقطع
فؤاد السيوفي… ده صاحب الكافيه اللي أنا بشتغل فيه!
آدم خطڤ عينه ناحية الورقة، وقرأ

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *