900 جنيه يا مريم
في نهاية الممر، وظهر فؤاد السيوفي.
كان لابس نفس البدلة الرمادي اللي شوفته بيها في الكافيه الصبح، ووشه هادي كأنه مستنينا على موعد عادي.
ابتسم أول ما شافني.
أهلًا يا مريم. كنت عارف إنك هتيجي.
صړخت فيه
أخويا فين؟!
رفع إيده يشاور على باب وراه.
أخوكي بخير، ومحدش لمسه. بس قبل ما تشوفيه، عايز منك حاجة صغيرة.
قلت پغضب
مش هديك أي حاجة قبل ما أشوفه بعيني!
ابتسامته اختفت.
لسه عندك نفس العناد بتاع أبوكي.
آدم تقدم خطوة وقال
انتهى يا فؤاد. عشر سنين وإنت بتجري من الحقيقة، والنهارده مش هتخرج من هنا قبل ما نعرف كل حاجة.
فؤاد بصله، وضحك ضحكة قصيرة.
الحقيقة؟ إنت لسه فاكر إنك بتدور على الحقيقة يا آدم؟
وبعدين بصلي أنا، وقال
البنت دي نفسها مش عارفة أبوها كان مين.
حسيت بالڠضب بيغلي جوايا.
أبويا كان أشرف راجل في الدنيا!
فؤاد رد بهدوء مستفز
يمكن. بس هل عمرك سألتي نفسك ليه اختفى من غير ما ياخدك إنتِ وأخوكي معاه؟ ليه ساب أمك ټموت وهي فاكرة إنه ماټ؟ وليه احتفظ بالسر ده عشر سنين كاملة؟
حاولت أرد، لكن لساني انعقد.
فؤاد استغل سكوتي، وكمل
عايزة تعرفي الحقيقة؟ افتحي الصندوق.
بصيت لآدم، لكنه ماقالش حاجة.
رجعت بصيت لفؤاد.
وليه أفتحه قدامك؟
ابتسم وقال
لأن الحاجة اللي جواه هي السبب في كل اللي حصل لعيلتك.
نزلت عيني للصندوق.
كنت فاكرة إن فيه مجرد صور وخطابات، لكن دلوقتي بدأت أشك إن أمي كانت عارفة أكتر مما قالتلي.
حطيت الصندوق على ترابيزة قديمة في الممر، وفتحته.
فؤاد قرب خطوة، لكن آدم وقف بينه وبين الترابيزة.
بدأت أطلع محتويات الصندوق واحدة واحدة، لحد ما وصلت لقاعه.
وهناك لاحظت إن الخشب أسمك من باقي الجوانب.
ضغطت عليه بإيدي، فسمعت صوت طقة خفيفة.
جزء صغير من القاع اتحرك.
كان فيه تجويف مخفي!
طلعت منه فلاشة صغيرة، ومعاها صورة قديمة متنية من النص.
فتحت الصورة.
كان فيها أبويا واقف جنب آدم وهو شاب أصغر، وفؤاد، ورجل رابع ملامحه مش واضحة قوي.
لكن اللي خلاني أصرخ مش الأشخاص اللي في الصورة.
كان التاريخ المكتوب على ضهرها.
الصورة اتصورت بعد التاريخ اللي قالوا فيه إن أبويا ماټ بشهر كامل!
رفعت عيني لفؤاد.
إزاي؟! إزاي أبويا كان عايش بعد ما قالوا إنه ماټ؟!
فؤاد ما ردش.
آدم أخد الصورة من إيدي، وبص للتاريخ، وبعدها لف ناحيته وقال پغضب
إنت كنت عارف إنه عايش!
فؤاد ابتسم ابتسامة باردة.
أيوه.
حسيت إن الدنيا بتلف بيا.
وأخويا؟! إنت خطفته عشان الصندوق؟!
فؤاد هز راسه ببطء.
أخوكي مجرد وسيلة عشان توافقي تيجي هنا. أنا كنت محتاجك إنتِ، لأن أبوكي سابلك حاجة محدش غيرك يقدر يوصل لها.
صړخت
إنت كداب! أنا ماعرفش أي حاجة!
فؤاد مد إيده ناحية الفلاشة.
يبقى خلينا نشوف التسجيل اللي عليها.
آدم وقف قدامه ومنعه.
مش هتشوف أي حاجة قبل ما نعرف أخوها فين.
فؤاد أشار ناحية الباب اللي وراه.
افتحوه.
واحد من رجاله فتح الباب.
ظهر أخويا قاعد على كرسي، إيديه مربوطتين، لكنه كان صاحي وبيتحرك.
أول ما شافني، صړخ
مريم! ماتديهوش الفلاشة!
جريت ناحيته، لكن واحد من الرجالة وقف في طريقي.
أخويا كمل بصوت عالي
أنا سمعتهم بيتكلموا! هما مش عايزين الفلوس ولا الصندوق! هما عايزين يعرفوا مكان الراجل اللي…
فؤاد صړخ فيه
اسكت!
لكن أخويا كان سبق وقال الجملة اللي قلبت كل حاجة.
الراجل اللي عايش في بيتنا من أربع سنين، وبيستخبى تحت اسم تاني!
بصيت لأخويا، مش فاهمة.
إنت بتتكلم عن مين؟!
أخويا بصلي بدموع، وقال
مريم… الراجل ده أنا شوفته قبل كده. كان بييجي عندنا بالليل، وماما كانت بتدخله أوضتها وتقفل الباب.
حسيت پصدمة هائلة.
لأن أمي ماټت من أربع سنين.
يعني أخويا كان بيتكلم عن شخص كان موجود في حياتنا وإحنا مش واخدين بالنا.
فؤاد بصلي وقال
دلوقتي فهمتي ليه أبوكي كان لازم يختفي؟
آدم كان واقف ساكت، وعينيه مثبتة على الفلاشة اللي في إيدي.
وفجأة، قال بصوت هادي
مريم، ماتفتحيش التسجيل هنا.
سألته
ليه؟!
رد وهو بيبص لفؤاد
لأن لو التسجيل ده فيه اللي أنا متوقعه، فإحنا مش بس هنكشف سر اختفاء أبوكي…
وسكت لحظة، قبل ما يكمل
إحنا هنكتشف إن واحد من أقرب الناس ليكي كان عارف الحقيقة طول السنين دي، وسابك تعيشي وإنتِ فاكرة إنك لوحدك في الدنيا.
وفي اللحظة دي، سمعنا صوت خطوات جاية من آخر الممر.
خطوات بطيئة وثابتة.
فؤاد أول ما سمعها، وشه فقد لونه، ورجع لورا لأول مرة.
أما آدم، فلف ناحية الصوت، وهمس بكلمة واحدة
مستحيل…
ظهر راجل عند باب الممر، لابس جاكيت بني قديم، وشعره أبيض أكتر مما كنت فاكرة.
رفع عينه وبصلي.
قلبي وقف.
الصورة اللي كنت شايفاها في خيالي طول عشر سنين بقت حقيقة قدامي.
أبويا كان واقف على بُعد خطوات مني، وبيعيط.
لكن بدل ما يجري يحضني، بصلي وقال
مريم… قبل ما تقربي مني، لازم تعرفي إن أمك ما ماتتش وهي فاكرة إني مېت.
وبص ناحية فؤاد، وكمل
أمك كانت عارفة إني عايش… وهي اللي ساعدتني أختفي.
وقفت مكاني مش قادرة أتحرك، وبصيت لأبويا اللي كنت فاكرة إني مش هشوفه تاني طول عمري.
عشر سنين!
عشر سنين وأنا كل ما أشوف راجل شبهه في الشارع، أجري وراه وقلبي بيدق، ولما أكتشف إنه مش هو، أرجع البيت وأعيط لوحدي.
عشر سنين وأخويا الصغير يسألني هو بابا كان بيحبنا يا مريم؟ طب لو كان بيحبنا، سابنا ليه؟
وكنت كل مرة أقول له إنه كان بيحبنا، وإنه لو كان عايش، أكيد كان رجع لنا.
والنهارده، لما لقيته واقف قدامي، أول حاجة قالهالي إنه كان عايش، وإن أمي كانت عارفة!
صړخت فيه والدموع مغرقة وشي
إنت بتقول إيه يا بابا؟! ماما كانت عارفة إنك عايش؟! يعني إنتوا الاتنين كنتوا عارفين إننا هنا، وإننا بنعاني، وإن أخويا محتاج علاج، وأنا بشتغل ليل ونهار عشان أعرف أصرف عليه؟!
أبويا نزل عينه للأرض، ودموعه بدأت تنزل على خده.
سامحيني يا بنتي…
صړخت تاني
أسامحك على إيه؟! على إنك سبتني أدفنك في خيالي كل يوم؟! ولا على إن ماما ماټت وهي مخبية عني الحقيقة؟!
أبويا حاول يقرب مني، لكني رجعت لورا.
ماتقربش!
الكلمة خرجت مني وأنا بعيط، وشفت الۏجع في عينيه.
بس المرة دي، ماقدرتش أشفق عليه.
لأن الۏجع اللي جوايا كان أكبر من أي حاجة تانية.
أخويا كان لسه مربوط على الكرسي، وبيحاول يفك إيديه، ولما شافني مڼهارة، ناداني
يا ميرو، أنا كويس! ماتعيطيش!
جريت ناحيته، وبدأت أفك الحبل اللي على إيديه، وأنا بحاول أتماسك عشانه.
آدم أشار لرجاله يدخلوا، وفي ثواني كانوا سيطروا على المكان، وأبعدوا الأشخاص اللي كانوا واقفين مع فؤاد.
لكن فؤاد نفسه ماحاولش يهرب.
كان واقف وبيبص لأبويا بنظرة غريبة، وقال بسخرية
يا سلام! أخيرًا العيلة اتلمت! عشر سنين مستخبي، وفي الآخر رجعت بنفسك تحط رقبتك تحت السکينة!
أبويا لف ناحيته، وقال ببرود
أنا رجعت عشان مريم وأخوها. مش عشانك.
فؤاد ضحك.
وإنت فاكر إنك تقدر تنقذهم؟ إنت لسه ماعرفتش إن كل اللي عملته طول السنين دي كان مبني على كڈبة!
آدم تدخل لأول مرة
كفاية ألغاز يا فؤاد. إنت خطفت الولد، وهددت أخته، وعندنا تسجيلات ورسائل وصور. اللعبة انتهت.
فؤاد بصله وقال
التسجيلات؟ تقصد الفلاشة اللي في إيد مريم؟ افتحها يا آدم، وشوف بنفسك أبوك كان بيعمل إيه وراك!
آدم اتجمد.
وأنا بصيت للفلاشة اللي لسه ماسكاها.
أبويا مد إيده ناحيتي وقال
اديني الفلاشة يا