أنا بنت على قدي.. مليانة شوية وبشتغل ويتر في كافيه عشان أقدر أصرف على نفسي وعلى أخويا الصغير وكان فاضلي في حسابي تلاتة وأربعين جنيه بس. عشان كده لما عرضوا عليّا الفلوس، وافقت على التحدي. لكن أول ما شفايفي لمست شفايفه، ست رجالة دخلوا الكافيه بسرعة، وواحد منهم وقف قدامه وقال أوامرك يا باشا، العربية جاهزة. في اللحظة دي، فهمت إني لسه عاملة أغبى وأخطر حاجة في حياتي... أنا لسه بايسة أخطر رجل أعمال في المدينة، والراجل اللي محدش بيجرؤ حتى يبص في عينيه! اسمي مريم عندي تمانية وعشرين سنة، وقضيت معظم سنين شبابي وأنا بشتغل ساعات طويلة، وبحسب البقشيش اللي بيلمّني آخر اليوم، وبحاول أقنع نفسي إن كلام الناس الچارح مش بيوجعني. أنا مش رفيعة. جسمى مليان وناس كتير كانت بتفتكر إن من حقها تعلّق على شكلي وتتنمر عليا من غيرما ازعل سمعت كل أنواع التعليقات اللي ممكن تتخيلوها. وشك حلو أوي، خسارة في جسمك! لو خسيتي شوية هتبقي قمر! إنتِ ليه بتلبسي هدوم ضيقة كده؟ اختاري حاجة تناسب جسمك! ومع الوقت، اتعلمت أضحك وأبتسم حتى وأنا من جوايا نفسي أختفي من قدام الناس كلها. لكن الليلة دي، الاختفاء ماكانش اختيار متاح قدامي. إيجار الشقة كان لازم يتدفع يوم الاتنين. أخويا اللي عنده سبعتاشر سنة كان محتاج جلسات علاج طبيعي، ومصاريف علاجه كانت بتاكل أي فلوس بحوشها. وجزمة الشغل بتاعتي كانت اتقطعت، وكل يوم كنت بقول لنفسي هصلحها أو أجيب غيرها لما ربنا يفرجها. لكن الحقيقة إني ماكنتش قادرة أعمل أي حاجة من دي. كان معايا تلاتة وأربعين جنيه بس تلاتة وأربعين جنيه! وده كل اللي كنت أملكه وقتها. عشان كده لما زمايلي حطوا 500 جنيه على الترابيزة وقالولي أتحدى نفسي وأبوس راجل غريب قاعد لوحده، اترددت. بصيت للفلوس. وبعدين بصيت للراجل اللي قاعد في آخر الكافيه. وبعدين رجعت بصيت للفلوس تاني. 500جنيه كانوا ممكن يجيبوا أكل للبيت، ويساعدوني في الإيجار، ويدفعوا جزء من مصاريف علاج أخويا. يعني الفلوس دي كانت بالنسبالي أكتر بكتير من مجرد تحدي سخيف. واحدة من زمايلي ضحكت وقالت إيه يا مريم؟ هو إنتِ خفتي ولا إيه؟ واحد تاني ضحك وقال مش إنتِ اللي كنتِ بتقولي إنك ماتخافيش من حد؟ أهو الراجل قاعد لوحده، روحي بوسيه وتعالي! حسيت وشي سخن من الإحراج. أنا قضيت سنين طويلة وأنا بسمح للناس تقلل مني، وتخليني أحس إني أقل منهم لمجرد إن جسمي مختلف عن أجسامهم. والليلة دي، ماكنتش مستعدة أديهم فرصة جديدة يضحكوا عليّا. بصيت ناحية الركن اللي الراجل قاعد فيه. كان راجل وسيم بشكل يخلي أي واحدة تبصله مرتين. لابس بدلة سودا شيك، وقميص أبيض مفتوح من عند الرقبة، من غير كرافتة. قدامه كوباية واضح إنه ما لمسهاش من ساعة ما قعد. ماكانش ماسك موبايله، ولا بيتكلم مع حد، ولا حتى باصص حواليه. كان قاعد بهدوء غريب، وكأن المكان كله ملكه، وكأن وجود أي حد تاني في الكافيه مجرد تفصيلة مش مهمة بالنسباله. كان فيه حاجة في حضوره تخلي الواحد يحس إنه مش شخص عادي. وفجأة، لقيت عماد اللي شغال معانا، بيشدني من دراعي. قال بصوت واطي ومتوتر مريم، بلاش! بصيتله باستغراب. بلاش إيه؟ بص ناحية الراجل بسرعة، وبعدين رجع بصلي. اختاري أي حد تاني، إنما الراجل ده لأ. عقدت حواجبي وسألته ليه؟ هو أنا رايحة أطلب إيده؟ دي بوسة في تحدي وخلاص! عماد وشه كان متغير بطريقة خلتني أحس إن فيه حاجة مش طبيعية. قال بجدية عشان أنا بحبك زي أختي ومش عايز يحصل لك حاجة. الكلام ده كان المفروض يخليني أرجع عن اللي في دماغي. لكن قبل ما أرد عليه، سمعت واحدة من البنات بتضحك من ورايا. شكل مريم هربت! أهي طلعت بتتكلم وخلاص! ضحكوا كلهم. حسيت بالإهانة وقررت إني مش هرجع في كلامي أخدت نفس طويل وعدلت هدومي ومشيت ناحية الترابيزة اللي الراجل قاعد عليها. وكل ما كنت بقرب منه، كنت بحس إن صوت الكافيه بيروك الضحك اختفى بالتدريج. والكلام اللي كان مالي المكان من شوية بدأ يسكت. كان المفروض ألاحظ ده. كان المفروض ألاحظ الراجلين اللي واقفين جنب باب الخروج الخلفي، واللي كانوا بيراقبوا المكان من غير ما يتكلموا. وكان المفروض ألاحظ عماد وهو واقف ووشه مخطۏف، بيتابعني بعينيه كأنه بيشوف مصېبة بتحصل قدامه ومش قادر يمنعها. والأغرب من كل ده، إن كل اللي في الكافيه تقريبًا كانوا بيتجنبوا يبصوا ناحية الترابيزة دي. لكن أنا ماخدتش بالي من أي حاجة. كنت وصلت خلاص. وقفت جنب الترابيزة وقلت بصوت واطي مساء الخير. الراجل رفع عينيه وبصلي. كانت عينيه رمادي غامق، ونظرته باردة لدرجة إني حسيت للحظة إنه قادر يعرف كل حاجة بفكر فيها من غير ما أتكلم بس ماقالش أي حاجة حتى تعبيرات وشه ما اتغيرتش. بلعت ريقي وقلت أنا مريم. فضل ساكت. حسيت إن شجاعتي كلها بتتبخر وإن رجلي ممكن ټخونني وأرجع أجري لزمايلي. لكن كنت عارفة إنهم بيتفرجوا عليّا. مديت إيدي بحذر ولمست كتفه لمسة خفيفة. في اللحظة دي جسمه كله اتصلب. بصلي بنظرة خلت قلبي يخبط في صدري پعنف. لكن بدل ما أرجع قربت منه وانحنيت ناحيته وبسته. بوسة واحدة سريعة ماكملتش ثانية. لكن أول ما بعدت عنه ورفعت راسي اكتشفت إن الكافيه كله سكت وفجأة، باب الكافيه الأمامي اتفتح پعنف ودخل ست رجالة لابسين بدل غامقة خطواتهم سريعة ووشوشهم جدية اتنين منهم بصوا في أركان المكان، وواحد تالت اتحرك مباشرة ناحية الترابيزة اللي إحنا واقفين عندها. حسيت إن الډم اتسحب من وشي. وبصيت للراجل اللي قدامي، وبعدين بصيت للرجالة اللي حواليه. واحد منهم لمح زمايلي اللي كانوا واقفين بعيد بيتفرجوا، ومد إيده ناحية الجاكيت بتاعه صړخت من غير ما أفكر لأ! كل الموجودين لفوا وبصوا عليّا. حتى الراجل اللي كنت لسه بايساه قلت بسرعة وأنا برفع إيديا قدامي محدش غصبني على حاجة! والله محدش غصبني! ده كان تحدي، وأنا وافقت عليه بنفسي هما مالهمش ذنب! إيدي كانت بتترعش، وصوتي كان بيطلع بالعافية. روايات_مشيره_محمد الراجل قام من مكانه ببطء، وبصلي بنظرته الرمادي الغامقة اللي كانت مخلياني مش قادرة آخد نفسي بشكل طبيعي، وبعدين قال بصوت هادي بشكل يخوف إنتِ اسمك مريم؟ هزيت راسي بسرعة وقلت أيوه... أنا آسفة والله! أنا عارفة إن اللي عملته تصرف غبي، بس صدقني أنا ماكنتش أعرف إنت مين، وأنا ماقصدتش أضايقك! فضل باصصلي كام ثانية من غير ما يرد، وبعدين رفع إيده وعدل ياقة قميصه، وقال للراجل اللي واقف جنبه اطلعوا بره كلكم. الراجل اتردد لحظة وقال بس يا باشا، إحنا لازم... قاطعه بنبرة حاسمة قلت بره! في أقل من عشر ثواني، الست رجالة خرجوا من الكافيه، لكن واحد منهم فضل واقف عند الباب، وعينه متعلقة بيا وكأنه مستني أي إشارة من الراجل اللي قدامي. أما أنا، فكنت واقفة مكاني مش عارفة أعمل إيه. بصيت ناحية زمايلي، لقيتهم اختفوا من قدامي، ما عدا عماد اللي كان واقف جنب ماكينة القهوة، وشه أصفر وعينيه مليانة قلق. الراجل رجع قعد، وأشار للكرسي اللي قدامه. اقعدي يا مريم. قلت بسرعة لا، شكراً، أنا لازم أرجع شغلي. رفع حاجبه وقال شغلك؟ بصيت حواليا، وبعدين قلت بصوت مهزوز أيوه... أنا بشتغل هنا. ولو حضرتك زعلان، أنا مستعدة أعتذر للإدارة وأمشي من الشغل، بس أرجوك ماتأذيش حد بسببي. لأول مرة، لاحظت إن تعبير وشه اتغير. ماكانش ڠضب، ولا حتى استغراب. كان فيه حاجة تانية خالص. قال بهدوء إنتِ فاكرة إن أكبر مشكلة عندك دلوقتي هي إنك ممكن تترفدي من الشغل؟ ماعرفتش أرد. مد إيده ناحية محفظته، وطلع منها كارت أسود صغير وحطه على الترابيزة. بصي على الاسم المكتوب هنا. بصيت للكارت، وقلبي وقع بين رجليا. آدم المنشاوي رئيس مجلس إدارة مجموعة المنشاوي للاستثمار. الاسم ده كنت سمعته قبل كده كتير. آدم المنشاوي كان من أغنى رجال الأعمال في المدينة، صاحب شركات ومصانع وعقارات، وبيظهر اسمه في الأخبار الاقتصادية باستمرار. لكن اللي الناس كانت بتتكلم عنه أكتر من فلوسه، هو إنه شخص صعب جدًا في التعامل، وإن محدش بيقدر يفرض عليه حاجة أو يتجاوز حدوده من غير ما يتحمل نتيجة تصرفه. رجعت بصيتله وأنا مش مصدقة. حضرتك... آدم المنشاوي؟ رد باختصار أيوه. حطيت إيدي على بُقي من الصدمة، وقلت يا نهار أبيض! أنا كده ضيعت مستقبلي بإيدي! لأول مرة، ظهر على وشه شبه ابتسامة صغيرة، لكنها اختفت بسرعة. هو إنتِ دايمًا بتتكلمي كتير لما پتخافي؟ قلت بعفوية أنا أصلًا بتكلم كتير لما بخاف، ولما بتوتر، ولما بجوع... يعني تقريبًا طول الوقت! سكت لحظة، وبعدين ضحك ضحكة قصيرة. الصوت ده كان غريب عليّا، لأن الراجل ده من ساعة ما شوفته ماكانش باين عليه إنه ممكن يضحك أصلًا. لكن الضحكة ماكملتش ثانيتين، قبل ما يرجع جاد تاني. قوليلي بقى، مين اللي قالك تعملي كده؟ اترددت. كنت عارفة إن زمايلي هما اللي بدأوا التحدي، لكن افتكرت نظرة عماد المړعوپة، وتحذيره ليا قبل ما أقرب من الترابيزة. قلت هما كانوا بيهزروا... وأنا وافقت. محدش أجبرني. آدم ثبت عينيه عليّا. أنا مسألتكيش إذا كانوا أجروكي ولا لأ. أنا سألتك مين اللي بدأ. حسيت إن مفيش فايدة من المراوغة. حكيتله كل حاجة، من أول ما حطوا ال جنيه على الترابيزة، لحد ما مشيت ناحيته، وقلتله كمان إن المبلغ ده كان هيفرق معايا جدًا. ولما خلصت كلامي، توقعت إنه يزعق أو يطلب من رجاله ياخدوا زمايلي بره. لكنه سألني سؤال ماكنتش متوقعاه أبدًا إنتِ قلتي إن أخوكي محتاج علاج طبيعي؟ بصيتله باستغراب. أيوه... بس إنت عرفت منين؟ إنتِ لسه قايلة إن الفلوس كانت هتساعدك في مصاريف علاجه. هزيت راسي، وحسيت بالإحراج لأني اتكلمت عن ظروفي قدام شخص غريب. معلش، أنا مش بحب أحكي مشاكلي لحد. بس كنت مضغوطة شوية. بصلي للحظات، وبعدين قال إنتِ بتاخدي كام في الشهر؟ قلتله الرقم، ففضل ساكت شوية، وبعدها سألني ولو لقيتي شغل بمرتب أحسن، تقدري تسيبي المكان ده؟ اتسعت عينيّ. طبعًا! بس هو فيه شغل أصلًا بالمرتب اللي حضرتك بتتكلم عنه؟ آدم ما ردش على سؤالي. بدل كده، ضغط على زر صغير في ساعته، وبعد ثواني دخل الراجل اللي كان واقف عند الباب. آدم قاله خلي الأستاذة مريم تقابل مديرة الموارد البشرية في الشركة بكرة الساعة عشرة الصبح. الراجل هز راسه باحترام تحت أمرك يا باشا. أنا فضلت باصة لآدم، مش فاهمة اللي بيحصل. لحظة واحدة! حضرتك بتتكلم بجد؟ أنا مش فاهمة، هو أنا هشتغل إيه بالظبط؟ رد وهو بيقوم من مكانه دي هتعرفيها بكرة. وبعدين وقف قدامي، وقال بجدية بس قبل ما أخرج، عندي سؤال أخير. بلعت ريقي وقلت اتفضل. قرب خطوة من الترابيزة، وحط إيده على الكرسي اللي كنت قاعدة عليه. الراجل اللي اسمه عماد... ده زميلك بس، ولا يعرف حاجة عن عيلتك؟ اتجمدت مكاني. السؤال ماكانش منطقي، ومالوش أي علاقة بالتحدي أو بالشغل الجديد. قلتله باستغراب عماد؟! زميلي في الكافيه، ونعرف بعض من سنتين تقريبًا. بس إيه علاقة عماد بكل ده؟ آدم ماجاوبش. اكتفى إنه بص ناحية عماد، اللي كان لسه واقف بعيد بيراقبنا. وفي اللحظة دي، حصلت حاجة خلتني أحس إن الأرض بتتحرك من تحتي. عماد أول ما عينه جت في عين آدم، ساب الفنجان اللي في إيده يقع على الأرض، واتكسر بصوت عالي. وبدل ما ينحني يلمه زي أي حد، رجع خطوتين لورا، وخرج من باب الخدمة وهو بيجري! آدم ما اتحركش، وما ناداش عليه. بس قال للراجل اللي واقف جنبه جملة واحدة أخيرًا ظهر. بصيتله بړعب. هو إيه اللي ظهر؟! وإنت تعرف عماد منين؟! آدم لف ناحيتي، ونظرته المرة دي كانت مختلفة تمامًا. مريم، أنا هسألك سؤال، وعايزك تفتكري كويس قبل ما تجاوبيني. هزيت راسي ببطء. قال أبوكي ماټ من إمتى؟ حسيت إن نفسي اتسحب مني. أبويا ماټ من عشر سنين، وعمري ما حكيت لحد في الكافيه أي تفاصيل عن حياتي القديمة، حتى عماد نفسه ماكنش يعرف غير إن أبويا مټوفي. همست من عشر سنين... بس إنت بتسأل ليه؟ آدم بص للباب اللي عماد هرب منه، وبعدين رجع بصلي. لأن أبوكي قبل ما ېموت، ساب أمانة عند شخص أنا بدور عليه من عشر سنين... والنهارده، أول ما دخلت الكافيه وشوفتك، اكتشفت إنك ممكن تكوني المفتاح الوحيد اللي يوصلني ليه. حسيت برعشة بتسري في جسمي. أمانة إيه؟ وأبويا كان يعرفك إزاي؟! آدم سكت لحظة، وبعدين طلع من جيب بدلته صورة قديمة وحطها قدامي. الصورة كانت باهتة، وحوافها متآكلة، لكن ملامح الراجل اللي واقف جنب آدم كانت واضحة جدًا. كان أبويا! وفي ضهر الصورة، كان فيه تاريخ مكتوب بخط إيده، وتحته أربع كلمات بس مريم لازم تعرف الحقيقة. رفعت عينيّ لآدم، ودموعي بدأت تتجمع من غير ما أحس. إنت جبت الصورة دي منين؟! آدم أخد نفس طويل، وقال الصورة دي كانت آخر دليل عندي قبل ما كل حاجة تختفي. لكن فيه حاجة حصلت النهارده غيّرت كل حساباتي. إيه هي؟! بصلي مباشرة وقال قبل ما تدخلي الكافيه بدقايق، وصلني خبر إن الشخص اللي قتل أبوكي من عشر سنين... عرف مكانك أخيرًا. وفي اللحظة دي، تليفوني رن. بصيت على الشاشة، ولقيت رقم مجهول. رديت بصوت مرتعش ألو؟ جالي صوت راجل كبير في السن، كنت فاكرة إني مش هسمعه تاني طول عمري مريم... اسمعيني كويس. ماتثقيش في آدم المنشاوي، مهما قالك إنه عايز يساعدك! شهقت، ووقعت الصورة من إيدي. لأن الصوت اللي في التليفون... كان صوت أبويا نفسه! صړخت من غير ما أحس بابا؟! بابا إنت فين؟! إنت عايش؟! رد عليّا يا بابا! الصوت اللي في التليفون رجع يتكلم بسرعة، وكأنه خاېف إن حد يسمعه مريم، مفيش وقت أشرحلك... اسمعيني كويس. لو آدم قالك إنه عايز يساعدك، ماتصدقيهوش. ولو سألك عن المفتاح، قوليله إنك ماتعرفيش عنه حاجة! بصيت لآدم، لقيته واقف قدامي، وملامحه اتغيرت تمامًا أول ما سمع الصوت. مد إيده ناحيتي وقال بحدة اقفلي المكالمة يا مريم! بعدت عنه وأنا بضم التليفون لصدري. لأ! مش هقفل! ده صوت أبويا! أبويا اللي إنت قلتلي إنه ماټ! آدم ماحاولش يقرب مني تاني، لكنه قال بصوت متوتر لأول مرة مريم، أنا مش عدوك. بس لازم تعرفي إن الشخص اللي بيكلمك دلوقتي ممكن يكون بيحاول يوقعك في مصېبة. صړخت فيه وإنت عرفت منين؟! وإزاي معاك صورة أبويا؟! وإيه حكاية المفتاح اللي بيتكلم عنه؟! قبل ما يرد، سمعت صوت أبويا من التليفون تاني مريم! إنتِ لسه معاه؟! قلت وأنا بعيط أيوه يا بابا! أنا مش فاهمة أي حاجة! إنت فين؟ أنا هدور عليك لحد ما ألاقيك! صوته اتكسر للحظة، وقال سامحيني يا بنتي... سامحيني إني سيبتك كل السنين دي من غير ما تعرفي الحقيقة. حطيت إيدي على بقي عشان أكتم شهقتي. أبويا كان بالنسبة لي أكبر لغز في حياتي. قبل عشر سنين، خرج من البيت في ليلة شتا، وقال لأمي إنه رايح مشوار شغل وهيبقى راجع قبل الفجر. لكنه مرجعش. بعد يومين، الشرطة قالت لأمي إنهم لقوا عربيته محروقة على طريق صحراوي، وإن مفيش دليل كافي يثبت هو حصل له إيه بالظبط. فضلت أمي تدور عليه سنين، لحد ما ماټت من أربع سنين وهي لسه مستنية يرجع. وأنا وأخويا الصغير كبرنا وإحنا مقتنعين إننا بقينا أيتام. والنهارده، بعد عشر سنين كاملة، صوته رجعلي من تليفون مجهول! قلت بسرعة بابا، بالله عليك قولي إنت فين! أنا هاجيلك حالًا! لكن صوته اتغير فجأة. ماتجيش ورايا يا مريم. ولو بتحبيني، ماتحاوليش توصلي لمكاني. ليه؟! إنت خاېف من مين؟! سمعت صوت حركة عنده، وبعدها صوت خبطة قوية. وبعدين قال جملة واحدة خلت قلبي يقف لأن أخوكي مش في أمان! صړخت أخويا ماله؟! إنت تعرف عنه إيه؟! لكن المكالمة اتقطعت. فضلت ماسكة التليفون عند ودني، بقول ألو مرة ورا التانية، لحد ما استوعبت إن الخط اتقفل. بصيت لآدم، وقلت وأنا بترعش أنا لازم أروح لأخويا دلوقتي! آدم أخرج تليفونه واتصل بحد. ابعتوا حد على عنوان مريم فورًا. يتأكد إن أخوها موجود وبخير، ومحدش يدخل الشقة من غير ما يتأكد من هويته. بصيتله پغضب. إنت بتتصرف كأنك صاحب البيت! إنت مالك بأخويا أصلًا؟! قفل المكالمة، ورد عليّا بهدوء معاكي حق تسأليني. وأنا هجاوبك على كل حاجة، بس مش هنا. أنا مش رايحة معاك في أي مكان! هز راسه وقال مش هطلب منك تروحي معايا ڠصب عنك. تقدري تروحي بيتك، وأنا هبعتلك عنوان الشركة وميعاد المقابلة لو لسه عايزة الشغل. استغربت من رده. كنت متوقعة إنه يأمر رجاله ياخدوني معاه، خصوصًا بعد اللي عرفته. لكن قبل ما أتحرك، سألني أبوكي كان سايبلك حاجة قبل ما يختفي؟ افتكرت فجأة صندوق خشب صغير كانت أمي محتفظة بيه في دولابها. الصندوق ده كان من الحاجات القليلة اللي فضلت من أبويا، وأمي كانت دايمًا تقوللي إنه أمانة لازم أفضل محافظة عليها. بعد ۏفاتها، نقلت الصندوق مع حاجتي للشقة اللي عايشة فيها أنا وأخويا. عمري ما فتحته، لأن أمي كانت قافلاه بقفل صغير، ومفيش مفتاح معاه. بصيت لآدم بحذر. ليه بتسأل؟ لما شاف ترددي، فهم إني فاكرة حاجة. قال بصوت منخفض مريم، لو عندك صندوق أو ورق أو أي حاجة تخص أبوكي، ماتسلميهاش لأي حد، حتى لو قالك إنه جاي من طرفي. سألته حتى لو إنت نفسك طلبتها؟ بصلي مباشرة وقال خصوصًا لو أنا اللي طلبتها، لحد ما تعرفي الحقيقة بنفسك. الكلام ده لخبطني أكتر. إزاي راجل بالشكل ده يحذرني حتى من نفسه؟ وقبل ما أسأله، موبايله رن. بص للشاشة، ولما رد، سمعت صوت شخص بيتكلم بسرعة من الناحية التانية. ملامح آدم اتجمدت. إنت متأكد من اللي بتقوله؟ سكت يسمع، وبعدها قال محدش ېلمس حاجة. أنا جاي. قفل المكالمة، وبصلي. لازم أمشي. قلتله بسرعة استنى! إيه اللي حصل؟ اتردد لحظة، وكأنه بيفكر يقوللي ولا لأ. وبعدين قال الرجالة اللي بعتهم على بيتك وصلوا. قلبي بدأ يدق پعنف. وأخويا؟! رد بعد لحظة صمت أخوكي مش موجود في الشقة. حسيت إن رجلي مش شايلاني. إيه؟! يعني إيه مش موجود؟! هو راح فين؟! الباب كان مفتوح، وفيه آثار بعثرة في الصالة، لكن لحد دلوقتي مفيش دليل نقدر نجزم منه إن حد أخده. صړخت فيه إنت مش فاهم! أخويا ما بيسيبش البيت من غير ما يقولي! هو عنده جلسات علاج، وحتى لما بينزل يجيب حاجة من تحت بيتصل بيا! طلعت أجري ناحية باب الكافيه، لكن آدم لحقني عند المدخل، من غير ما يمسكني. قال بجدية اسمعيني يا مريم. أنا هساعدك تلاقيه، لكن لازم تقوليلي كل حاجة تعرفيها عن آخر يوم شوفتي فيه أبوكي. بصيتله ودموعي على خدي. أنا كنت طفلة عندي تمنتاشر سنة لما اختفى! إنت عايزني أفتكر إيه؟! فجأة، افتكرت حاجة. قبل اختفاء أبويا بأسبوع، صحيت بالليل على صوت خناق بينه وبين أمي. ماكنتش فاهمة تفاصيل الكلام، لكني سمعت أبويا بيقول لو حصل لي أي حاجة، الصندوق ده ما يخرجش من إيد مريم أبدًا! جريت على آدم وقلتله الصندوق! أنا عندي صندوق خشب كان بتاع أبويا! لأول مرة، شفت الخۏف الحقيقي في عينيه. مش خوف على نفسه. خوف من حاجة كان مستنيها تحصل من عشر سنين. سألني بسرعة الصندوق فين دلوقتي؟ في البيت... غالبًا في الدولاب. طلع تليفونه واتصل بنفس الشخص اللي كلمه من شوية. محدش يقرب من الدولاب اللي في أوضة مريم. اتأكدوا إن المكان آمن، واستنوني قبل ما تعملوا أي حاجة. وبعدين بصلي وقال مريم، لازم نروح بيتك، بس مش هتدخلي المكان قبل ما نتأكد إنه آمن. وافقت، لأن أخويا كان أهم عندي من أي حاجة تانية. بعد حوالي نص ساعة، وصلنا للعمارة. كان فيه راجلين واقفين عند المدخل، ولما شافوا آدم، قرب واحد منهم وقال يا باشا، مفيش حد جوه دلوقتي. لكن لقينا حاجة غريبة في أوضة النوم. طلعت السلم بسرعة، وآدم كان ماشي ورايا. أول ما فتحت باب الشقة، حسيت إني داخلة مكان غريب. الهدوم مرمية على الأرض، الأدراج مفتوحة، وعلبة الأدوية بتاعة أخويا واقعة جنب الكنبة. جريت على أوضته. سريره كان فاضي. وعلى المخدة، لقيت ورقة مطوية باسمي. فتحتها بإيدين بيرتعشوا. كان مكتوب فيها لو عايزة أخوكي يرجعلك، هاتي الصندوق اللي أبوكي سابه، وتعالي لوحدك. ممنوع آدم المنشاوي يعرف أي حاجة. شهقت، ورفعت عيني لآدم. لكنه ماكانش باصص للورقة. كان واقف عند باب الأوضة، وبيبص لحاجة على الحيطة. اتبعت نظره، فلقيت صورة عائلية قديمة ليا أنا وأخويا وأبويا. الصورة كانت متعلقة في مكانها قبل ما أخرج للشغل، لكن حد شالها ورجع علقھا بالمقلوب. آدم قرب منها، ورفعها بحذر. ورا الصورة، كان فيه ظرف أبيض صغير، مكتوب عليه بخط أبويا إلى مريم... لو وصلتي لليوم اللي هتقرئي فيه الرسالة دي، يبقى أنا فشلت أحميكم. فتحت الظرف بسرعة، لكن قبل ما أطلع الورقة، آدم قال بصوت متوتر استني يا مريم... بصي على التاريخ المكتوب تحت اسم أبوكي. بصيت. كان التاريخ هو تاريخ النهارده بالظبط! يعني الرسالة دي اتكتبت من عشر سنين، ومع ذلك أبويا كان محدد اليوم اللي المفروض أفتحها فيه. طلعت الورقة، ولقيت أول سطر مكتوب فيها بنتي مريم، لو وصلتي للرسالة دي، يبقى الشخص اللي كنت فاكره ماټ رجع يدور عليكم... وتحت السطر، كان فيه اسم واحد بس. اسم الشخص اللي آدم المنشاوي كان بيدور عليه من عشر سنين! لكن أول ما قرأت الاسم، حسيت إن الډم اتجمد في عروقي. لأن الاسم ده ماكانش اسم غريب عليّا. ده كان اسم الشخص اللي دفعلي مرتبي أول يوم اشتغلت فيه في الكافيه! فضلت باصة للاسم المكتوب في الرسالة، وبحاول أقنع نفسي إني أكيد قريته غلط. رجعت قريته مرة تانية. وبعدين تالت مرة. فؤاد السيوفي! صاحب الكافيه اللي بشتغل فيه! الراجل اللي كنت بشوفه كل يوم تقريبًا، واللي كان ساعات بيقف يسألني عن أخويا، ويقولي لو احتجتي أي مساعدة ماتتردديش تطلبيها منه. إزاي؟! إزاي الراجل اللي كنت فاكرة إنه مجرد صاحب مكان شغلي، يكون هو نفسه الشخص اللي أبويا كان بيحذرني منه من عشر سنين؟! بصيت لآدم وقلت بصوت متقطع فؤاد السيوفي... ده صاحب الكافيه اللي أنا بشتغل فيه! آدم خطڤ عينه ناحية الورقة، وقرأ الاسم، وبعدها رفع عينه ليا ببطء. إنتِ متأكدة إن ده هو؟ أيوه! أنا أعرفه من سنتين! هو اللي عيّنني في الشغل، وهو اللي كان بيسلّمني مرتبي في أول كام شهر! آدم شد على فكه، وطلع تليفونه بسرعة. محدش يتحرك من مكانه. عايز أعرف فؤاد السيوفي موجود فين دلوقتي، ومين آخر شخص اتواصل معاه. وبعدين قفل المكالمة، ولف ناحيتي. مريم، لازم أسألك سؤال مهم، وعايزك تجاوبيني بصراحة. قلتله بعصبية اسأل! فؤاد عمره ما سألك عن أبوكي؟ افتكرت معاملته معايا، وطريقته الهادية، وكلامه القليل. وفجأة، افتكرت موقف حصل من حوالي شهر. كنت واقفة بلم الترابيزات، وهو دخل الكافيه وشافني بتتكلم في التليفون مع أخويا. بعد ما قفلت، قرب مني وسألني إنتِ لسه محتفظة بحاجات أبوكي القديمة؟ وقتها استغربت، وقلتله إن ماما كانت محتفظة بكام صورة وخطاب قديم. ابتسم وقاللي إنه بيسأل بس من باب الفضول، وبعدها غيّر الموضوع. حكيت لآدم الموقف. وشه اتغير تمامًا. قالك إيه بالظبط؟ افتكري كل كلمة! حاولت أفتكر، وبعدين قلت سألني إذا كنت أعرف أبويا كان بيشتغل في إيه قبل ما يختفي، ولما قلتله إنه كان محاسب، سكت شوية، وبعدها سألني إذا كان سابلي أي أوراق. آدم ضړب بإيده على الترابيزة اللي جنبه، وقال پغضب مكتوم كنت عارف إنه مش هيسيب الموضوع! رجعت خطوة لورا. إنت تعرف فؤاد منين؟! بصلي للحظات، وبعدين قال فؤاد السيوفي كان شريكي في أكبر مشروع دخلته في حياتي، من حوالي عشر سنين. كنا بنجهز لإنشاء مجموعة مصانع جديدة، وأبوكي كان المحاسب المسؤول عن مراجعة الحسابات. سكت لحظة، وكمل قبل افتتاح المشروع بأيام، اختفت مبالغ ضخمة من حسابات الشركة، وظهرت مستندات بتتهم أبوكي بالتلاعب في الأرقام. في نفس الليلة اللي اختفى فيها، اتعرضت عربيته للحريق، وكل الأدلة كانت بتقول إنه ماټ. حطيت إيدي على بقي. يعني أبويا كان متهم بالسړقة؟! رد بحزم أنا عمري ما صدقت إنه سرق حاجة. أبوكي كان اكتشف إن فيه أرقام مزورة في الحسابات، وكان بيحاول يوصل للحقيقة. لكن قبل ما يقدر يثبت أي حاجة، اختفى. وإنت ليه ما دورتش عليه؟! السؤال خرج مني بۏجع أكبر من الڠضب. آدم نزل عينه للحظة. دورت عليه عشر سنين يا مريم. صرفت فلوس، وعيّنت ناس، وراجعت كل ملف وكل حساب. لكن كل ما كنت بقرب من الحقيقة، كان فيه حد بيمسح الآثار اللي وراها. وبعدين رفع عينه ليا وقال لحد النهارده، لما دخلت الكافيه، وشوفتك. قلت باستغراب إيه علاقة البوسة بكل ده؟! لأول مرة، آدم ابتسم ابتسامة صغيرة. مفيش علاقة. إنتِ اللي اخترتي تعملي التحدي، وأنا اللي كنت قاعد في مكاني، ومكنتش أعرف حتى اسمك. سكت شوية، وبعدين أضاف لكن بعد ما رجالي دخلوا، واحد من الموظفين عندي اتصل بيا وقال إن بنت اسمها مريم اشتغلت في الكافيه من سنتين، وإن بياناتها مطابقة لبيانات بنت المحاسب القديم اللي كنت بدور عليها. اتسعت عينيّ. يعني إنت كنت بتدور عليّا من قبل ما تعرفني؟! كنت بدور على أي حد من عيلة أبوكي ممكن يكون عنده معلومة تساعدني أو دليل يثبت براءته. لكن ماكنتش أعرف إنك هتكوني إنتِ. بصيت للرسالة تاني، وحسيت إن كل حاجة في حياتي اتقلبت في ساعات قليلة. أبويا ممكن يكون عايش. أخويا اختفى. وصاحب الكافيه اللي بشتغل فيه طلع مرتبط بسر قديم، عمره عشر سنين. والشخص الوحيد اللي ممكن يساعدني أوصل للحقيقة هو رجل الأعمال اللي أنا لسه بايساه قدام نص الكافيه! يا ربي، أنا دخلت في إيه؟! فجأة، موبايل آدم رن. رد بسرعة، وسمع اللي في الناحية التانية من غير ما يقاطع. وبعدين قال متأكد من الرقم؟ سكت شوية، وبعدها وشه اتغير. ابعتهولي حالًا. قفل المكالمة، وفضل باصص للشاشة. سألته بقلق فيه إيه؟ وصلتوا لأخويا؟ رفع عينه ليا وقال لقينا تليفونه. حسيت إن قلبي وقع. فين؟! في عربية متروكة في شارع جانبي قريب من بيتك. حطيت إيدي على صدري. يعني أخويا كان في العربية؟! لأ. العربية كانت فاضية. بدأت أعيط، وقلت أنا عايزة أخويا! مش عايزة أعرف مين سرق فلوس الشركة، ولا مين ظلم أبويا! أنا كل اللي عايزاه إن أخويا يرجع البيت! آدم سكت، وسبني أعيط شوية، وبعدها قال هنعمل كل اللي نقدر عليه عشان نرجعه. لكن لازم نتصرف بعقل، لأن اللي قدامنا عارف عنك تفاصيل أكتر مما المفروض يعرفها. مسحت دموعي، وافتكرت الورقة اللي لقيتها على المخدة. هاتي الصندوق وتعالي لوحدك. قلتله هما عايزين الصندوق. لو الصندوق هو اللي يهمهم، يبقى ممكن نستخدمه عشان نعرف أخويا فين! آدم هز راسه. ممكن، لكن مش هنخاطر بيكي ولا بأخوكي. هنجهز نسخة من محتويات الصندوق لو فيه مستندات، ونخلي كل خطوة محسوبة. رجعت بصيت للدولاب. الصندوق كان لسه موجود في مكانه، في آخر رف، ورا شوية بطاطين قديمة. طلّعته بإيدي، وحطيته على السرير. كان صندوق خشب بني، عليه نقوش صغيرة، والقفل بتاعه نحاسي وقديم. قلبته في إيدي، ولاحظت إن فيه حاجة غريبة. القفل ماكانش مقفول! أنا كنت متأكدة إن أمي عمرها ما فتحت الصندوق قدامي، وإنها كانت محتفظة بيه مقفول طول السنين دي. آدم قرب، لكنه ما لمسوش. قال افتحيه. رفعت الغطا ببطء. في البداية، ما لقيتش غير صور قديمة، وشهادة ميلاد أبويا، وخطابات متربطة بشريط أزرق. لكن تحت الخطابات، كان فيه ظرف صغير، عليه ختم شركة المنشاوي القديمة. آدم أول ما شاف الختم، اتنفس بعمق. ده ختم الشركة قبل ما نغيّر اسمها وننقل المقر. طلعت الظرف، ولقيت جواه ورقة واحدة، عليها جدول حسابات وأرقام كتير، وفي آخرها توقيع أبويا. لكن الحاجة اللي لفتت نظري ماكنتش الأرقام. كانت جملة مكتوبة بخط إيده في أسفل الورقة النسخة الأصلية مش في الخزنة... النسخة الأصلية مع الشخص اللي حضر الاجتماع الأخير. بصيت لآدم. أنهي اجتماع؟! آدم أخد الورقة، وقرأها بتركيز. وفجأة، وشه بقى شاحب. الاجتماع الأخير قبل اختفاء أبوكي... كان فيه أربع أشخاص بس. سألته مين هما؟ رفع عينه ليا، وبدأ يعد على صوابعه أنا، وأبوكي، وفؤاد السيوفي... وسكت. استنيته يكمل، لكنه فضل ساكت. قلتله بعصبية والتالت؟! قصدي الرابع مين؟! آدم بص ناحية باب الشقة، وبعدها قال بصوت منخفض الشخص الرابع كان والدي. اتجمدت مكاني. والد آدم المنشاوي! الرجل اللي كان شريك أبويا وصاحب الشركة الأصلية. لكن قبل ما أقدر أسأله أي سؤال، سمعنا صوت خبطة قوية على باب الشقة. الرجالة اللي بره اتحركوا بسرعة، وواحد منهم نادى يا باشا! فيه ظرف اتساب قدام الباب! آدم أشارله يجيبه. الراجل دخل وحط ظرف أبيض على الترابيزة. ماكانش عليه اسم ولا عنوان، لكن كان مكتوب عليه بخط أسود واضح إلى آدم المنشاوي ومريم... افتحوا الظرف لو عايزين تعرفوا مين فيكم بيكدب على التاني. بصيت لآدم. وهو بصلي. ولأول مرة من ساعة ما قابلته، حسيت إنه هو كمان مش عارف مين يثق فيه. فتح الظرف ببطء. جواه كانت صورة حديثة لأخويا، قاعد على كرسي في أوضة مش عارفاها، لكنه كان باصص للكاميرا ورافع إيده بعلامة صغيرة بأصابعه. وعلى ضهر الصورة، كانت فيه رسالة قصيرة الساعة 12 بالليل. المكان القديم. مريم تيجي لوحدها، ومعاها الصندوق. ولو آدم ظهر، مش هتشوف أخوها تاني. بصيت في الساعة. كانت الساعة عشرة ونص بالليل. يعني فاضل ساعة ونص بس! لكن آدم كان مركز في الصورة، مش في الرسالة. قربها من عينه، وبعدها قال مريم، بصي على إيد أخوكي كويس. بصيت، ومافهمتش في الأول هو يقصد إيه. وبعدين لاحظت العلامة اللي أخويا عاملها بصوابعه. كانت نفس العلامة اللي كنا متعودين نعملها وإحنا صغيرين، لما نكون محتاجين نقول للتاني إن فيه حاجة غلط، من غير ما حد يفهم. قلبي بدأ يدق بسرعة. أخويا ماكانش بيقوللي إنه محتاج المساعدة وبس. كان بيحذرني من حاجة موجودة في المكان اللي هو فيه! آدم رجع الصورة للضوء، ولاحظ تفصيلة صغيرة في الخلفية. علامة معدنية على الحيطة، مكتوب عليها رقم قديم. أول ما شاف الرقم، وقف فجأة وقال مستحيل! سألته وأنا مړعوپة إيه؟! إنت عرفت المكان؟! بصلي، وقال جملة خلتني أحس إن اللي جاي أخطر بكتير من كل اللي فات أيوه يا مريم... ده المكان اللي اتقابل فيه أبوكي ووالدي وفؤاد آخر مرة قبل اختفاء أبوكي. وبعدين أشار للرقم اللي في الصورة. لكن المكان ده اتقفل من عشر سنين، ومفيش أي شخص المفروض يقدر يدخله دلوقتي. سكت لحظة، وبعدها كمل وده معناه إن الشخص اللي محتجز أخوكي مش بس عارف سر أبوكي... ده عنده مفتاح لمكان كان المفروض يفضل مقفول للأبد! وقبل ما أقدر أرد، تليفوني رن تاني. نفس الرقم المجهول. المرة دي، ما استنيتش حد يتكلم. قلت بسرعة أخويا فين؟! أنا هاجي، بس أقسم بالله لو لمستوا شعرة منه... لكن الصوت اللي رد عليّا ماكانش صوت الراجل الكبير اللي كلمني قبل كده. كان صوت أخويا! مريم، اسمعيني كويس... أنا عرفت مين اللي... وفجأة، سمعت صوت باب بيتفتح پعنف، وأخويا صړخ لأ! إنت قلتلي إنك مش هتأذيني! إنت وعدتني! وبعدين جه صوت راجل، قال ببرود كنت فاكر إن أختك هتقدر تنقذك؟ طيب اسمع يا بطل... لما مريم توصل هنا، هتعرف إن العيلة كلها كانت بتكدب عليها. وانقطع الخط. آدم خطڤ تليفونه واتصل برجاله، لكن أنا كنت واقفة مكاني، مش قادرة أتنفس. لأن الصوت اللي سمعته في آخر المكالمة... كان صوت فؤاد السيوفي، صاحب الكافيه اللي كنت فاكرة إنه مجرد راجل طيب بيساعدني في شغلي! فضلت واقفة مكاني، والتليفون في إيدي، وبردد اسم أخويا كأني لو ناديت عليه كفاية هيظهر قدامي فجأة. أخويا عند فؤاد؟! إزاي؟! ده كان معايا في البيت من كام ساعة! إزاي الراجل ده قدر يوصل له؟! آدم كان بيتكلم في تليفونه بسرعة، بيدي تعليمات لرجال الأمن، لكن أنا ماقدرتش أستحمل أكتر من كده. مسكت دراعه وقلتله أنا رايحة المكان ده، سواء هتيجي معايا أو لأ. أخويا عنده سبعتاشر سنة، ومش هسيبه لوحده مع الناس دي! آدم بصلي بجدية وقال وأنا مش هسمح إنك تروحي هناك من غير ما تعرفي إنتِ رايحة على إيه. يعني إيه؟! المكان اللي ظهر في الصورة مش مجرد مخزن قديم. ده كان أول مقر لشركة والدي، وفيه حصلت حاجات محدش عرف حقيقتها لحد النهارده. لو فؤاد أخد أخوكي هناك، يبقى غالبًا هو مش عايز الصندوق وبس. سألته وأنا بحاول أسيطر على رعشة صوتي أمال عايز إيه؟! بص للصندوق اللي فوق السرير، وقال عايز حاجة تثبت إن أبوكي كان معاه دليل على اللي حصل زمان. وممكن يكون عايزنا نروح عشان نعرف إن الدليل ده لسه موجود. قلتله طب ما نروح ونجيبه ونرجع بأخويا! هز راسه. لو كان الموضوع بالسهولة دي، مكنش استنى عشر سنين. وبعدين طلع تليفونه واتصل بشخص اسمه حسام، وطلب منه يجهز عربية ويتأكد من الطريق للمكان القديم، من غير ما يلفت نظر حد. أنا كنت بسمع كلامه، لكن دماغي كانت عند أخويا. كان أخويا هو الشخص الوحيد اللي فضل لي من عيلتي، وأنا اللي ربيته بعد ۏفاة أمي. كنت بروح شغلي وأرجع أجري عليه، وأوفر من أكلي عشان أقدر أدفع جلسات علاجه. ومستحيل أسمح لأي حد ياخده مني. بعد حوالي عشرين دقيقة، كنا في العربية، والصندوق الخشب محطوط على رجلي. آدم كان قاعد جنبي، ساكت، وبيبص من الشباك. وفجأة سألني مريم، إنتِ واثقة إن فؤاد هو اللي كلمك في التليفون؟ رديت من غير تردد أيوه. أنا أعرف صوته كويس. ده الراجل اللي كنت بشوفه كل يوم في الشغل. آدم سكت لحظة، وبعدين قال فيه حاجة لازم تعرفيها قبل ما نوصل. لفيت ناحيته. إيه؟ والدي ماټ من خمس سنين، وقبل ۏفاته بشهر، طلب مني أقفل ملف قضية أبوكي نهائيًا. عقدت حواجبي. وليه يعمل كده لو أبويا بريء؟ آدم ضغط على إيده، وكأنه بيحاول يتحكم في غضبه. سألته نفس السؤال. لكنه رفض يشرح، وقاللي إن فتح القضية هيعرض ناس أبرياء للخطړ. وإنت صدقته؟! بصلي مباشرة. لأ. عشان كده فضلت أدور. سكت شوية، وبعدين أضاف لكن فيه حاجة عمري ما قلتها لحد. حسيت إن فيه سر جديد هيظهر. إيه هي؟ قبل ۏفاة والدي بيومين، اداني مفتاح صغير، وقاللي لو ظهر حد من عيلة المحاسب، ماتخليش فؤاد يعرف إن المفتاح معاك. بصيت للصندوق اللي في حضڼي. مفتاح إيه؟! آدم طلع من جيب محفظته مفتاح نحاسي صغير، قديم، وعلى رأسه رقم محفور. أول ما شفته، شهقت. لأن الرقم اللي عليه كان هو نفس الرقم المكتوب على العلامة المعدنية اللي ظهرت في صورة أخويا! قلت وأنا مش مصدقة إنت معاك المفتاح ده من خمس سنين، ومقولتش لحد؟! مكنتش أعرف بيفتح إيه. وكل ما حاولت أوصل لحاجة، كانت كل الأبواب بتتقفل في وشي. مديت إيدي ناحية المفتاح، لكن قبل ما ألمسه، لاحظت حاجة غريبة. في أسفل رأس المفتاح، كان فيه حرف صغير محفور. حرف م. بصيت لآدم وسألته هو الحرف ده كان موجود من الأول؟ قرب المفتاح من عينه. مش فاكر. ليه؟ فتحت الصندوق، وبدأت أقلب الخطابات اللي جواه، لحد ما لقيت ورقة صغيرة كانت ملزوقة في بطانة الغطا من جوه. فصلتها بحذر. كان مكتوب عليها المفتاح مش بيفتح الباب... المفتاح بيفتح الحقيقة. وتحت الجملة، كان فيه حرفان م. أ. آدم أول ما شاف الحروف، وشه اتغير. مريم... أبوكي كان بيكتب الأحرف دي في آخر كل ملاحظاته. سألته معناها إيه؟ رد بعد صمت قصير مش عارف. لكن واضح إنه كان بيحاول يوصلنا لحاجة. وقبل ما نكمل كلامنا، العربية وقفت فجأة. السواق قال من قدام يا باشا، وصلنا. ده المبنى القديم. نزلت من العربية، وبصيت للمكان. كان مبنى ضخم، محاط بسور حديدي صدئ، ونوافذه مکسورة، والبوابة الرئيسية عليها سلسلة كبيرة. المكان كان مهجور فعلًا، وكأنه محدش ډخله من سنين. لكن فيه حاجة ما كانتش منطقية. كان فيه نور طالع من نافذة في الدور الأرضي. آدم أشار لرجاله يفضلوا بعيد، وبعدها قاللي مريم، مهما حصل، ماتبعديش عني. هزيت راسي، وأنا ماسكة الصندوق بقوة. مشينا ناحية باب جانبي، ولما وصلنا، لقيته مفتوح. دخلنا بحذر. التراب كان مالي الأرض، لكن فيه آثار أحذية جديدة واضحة جدًا. حد دخل المكان قريب. وفجأة، سمعنا صوت أخويا من آخر الممر مريم؟! جريت ناحية الصوت، لكن آدم مسك دراعي بسرعة. استني! صړخت فيه ده صوت أخويا! رد بصوت منخفض عارف، بس اسمعي الأول. وفعلًا، بعد ثواني، سمعنا الصوت تاني مريم، تعالي بسرعة! أنا هنا! لكن المرة دي، لاحظت حاجة خلتني أقف مكاني. أخويا عمره ما كان بيناديني باسمي بالطريقة دي لما يكون خاېف. كان دايمًا بيقوللي يا ميرو، اسم الدلع اللي محدش غيرنا في البيت كان بيستخدمه. همست لآدم ده مش أخويا. بصلي بإعجاب ممزوج بالقلق، وقال كويس إنك خدتي بالك. وفجأة، اتفتح باب في نهاية الممر، وظهر فؤاد السيوفي. كان لابس نفس البدلة الرمادي اللي شوفته بيها في الكافيه الصبح، ووشه هادي كأنه مستنينا على موعد عادي. ابتسم أول ما شافني. أهلًا يا مريم. كنت عارف إنك هتيجي. صړخت فيه أخويا فين؟! رفع إيده يشاور على باب وراه. أخوكي بخير، ومحدش لمسه. بس قبل ما تشوفيه، عايز منك حاجة صغيرة. قلت پغضب مش هديك أي حاجة قبل ما أشوفه بعيني! ابتسامته اختفت. لسه عندك نفس العناد بتاع أبوكي. آدم تقدم خطوة وقال انتهى يا فؤاد. عشر سنين وإنت بتجري من الحقيقة، والنهارده مش هتخرج من هنا قبل ما نعرف كل حاجة. فؤاد بصله، وضحك ضحكة قصيرة. الحقيقة؟ إنت لسه فاكر إنك بتدور على الحقيقة يا آدم؟ وبعدين بصلي أنا، وقال البنت دي نفسها مش عارفة أبوها كان مين. حسيت بالڠضب بيغلي جوايا. أبويا كان أشرف راجل في الدنيا! فؤاد رد بهدوء مستفز يمكن. بس هل عمرك سألتي نفسك ليه اختفى من غير ما ياخدك إنتِ وأخوكي معاه؟ ليه ساب أمك ټموت وهي فاكرة إنه ماټ؟ وليه احتفظ بالسر ده عشر سنين كاملة؟ حاولت أرد، لكن لساني انعقد. فؤاد استغل سكوتي، وكمل عايزة تعرفي الحقيقة؟ افتحي الصندوق. بصيت لآدم، لكنه ماقالش حاجة. رجعت بصيت لفؤاد. وليه أفتحه قدامك؟ ابتسم وقال لأن الحاجة اللي جواه هي السبب في كل اللي حصل لعيلتك. نزلت عيني للصندوق. كنت فاكرة إن فيه مجرد صور وخطابات، لكن دلوقتي بدأت أشك إن أمي كانت عارفة أكتر مما قالتلي. حطيت الصندوق على ترابيزة قديمة في الممر، وفتحته. فؤاد قرب خطوة، لكن آدم وقف بينه وبين الترابيزة. بدأت أطلع محتويات الصندوق واحدة واحدة، لحد ما وصلت لقاعه. وهناك لاحظت إن الخشب أسمك من باقي الجوانب. ضغطت عليه بإيدي، فسمعت صوت طقة خفيفة. جزء صغير من القاع اتحرك. كان فيه تجويف مخفي! طلعت منه فلاشة صغيرة، ومعاها صورة قديمة متنية من النص. فتحت الصورة. كان فيها أبويا واقف جنب آدم وهو شاب أصغر، وفؤاد، ورجل رابع ملامحه مش واضحة قوي. لكن اللي خلاني أصرخ مش الأشخاص اللي في الصورة. كان التاريخ المكتوب على ضهرها. الصورة اتصورت بعد التاريخ اللي قالوا فيه إن أبويا ماټ بشهر كامل! رفعت عيني لفؤاد. إزاي؟! إزاي أبويا كان عايش بعد ما قالوا إنه ماټ؟! فؤاد ما ردش. آدم أخد الصورة من إيدي، وبص للتاريخ، وبعدها لف ناحيته وقال پغضب إنت كنت عارف إنه عايش! فؤاد ابتسم ابتسامة باردة. أيوه. حسيت إن الدنيا بتلف بيا. وأخويا؟! إنت خطفته عشان الصندوق؟! فؤاد هز راسه ببطء. أخوكي مجرد وسيلة عشان توافقي تيجي هنا. أنا كنت محتاجك إنتِ، لأن أبوكي سابلك حاجة محدش غيرك يقدر يوصل لها. صړخت إنت كداب! أنا ماعرفش أي حاجة! فؤاد مد إيده ناحية الفلاشة. يبقى خلينا نشوف التسجيل اللي عليها. آدم وقف قدامه ومنعه. مش هتشوف أي حاجة قبل ما نعرف أخوها فين. فؤاد أشار ناحية الباب اللي وراه. افتحوه. واحد من رجاله فتح الباب. ظهر أخويا قاعد على كرسي، إيديه مربوطتين، لكنه كان صاحي وبيتحرك. أول ما شافني، صړخ مريم! ماتديهوش الفلاشة! جريت ناحيته، لكن واحد من الرجالة وقف في طريقي. أخويا كمل بصوت عالي أنا سمعتهم بيتكلموا! هما مش عايزين الفلوس ولا الصندوق! هما عايزين يعرفوا مكان الراجل اللي... فؤاد صړخ فيه اسكت! لكن أخويا كان سبق وقال الجملة اللي قلبت كل حاجة. الراجل اللي عايش في بيتنا من أربع سنين، وبيستخبى تحت اسم تاني! بصيت لأخويا، مش فاهمة. إنت بتتكلم عن مين؟! أخويا بصلي بدموع، وقال مريم... الراجل ده أنا شوفته قبل كده. كان بييجي عندنا بالليل، وماما كانت بتدخله أوضتها وتقفل الباب. حسيت پصدمة هائلة. لأن أمي ماټت من أربع سنين. يعني أخويا كان بيتكلم عن شخص كان موجود في حياتنا وإحنا مش واخدين بالنا. فؤاد بصلي وقال دلوقتي فهمتي ليه أبوكي كان لازم يختفي؟ آدم كان واقف ساكت، وعينيه مثبتة على الفلاشة اللي في إيدي. وفجأة، قال بصوت هادي مريم، ماتفتحيش التسجيل هنا. سألته ليه؟! رد وهو بيبص لفؤاد لأن لو التسجيل ده فيه اللي أنا متوقعه، فإحنا مش بس هنكشف سر اختفاء أبوكي... وسكت لحظة، قبل ما يكمل إحنا هنكتشف إن واحد من أقرب الناس ليكي كان عارف الحقيقة طول السنين دي، وسابك تعيشي وإنتِ فاكرة إنك لوحدك في الدنيا. وفي اللحظة دي، سمعنا صوت خطوات جاية من آخر الممر. خطوات بطيئة وثابتة. فؤاد أول ما سمعها، وشه فقد لونه، ورجع لورا لأول مرة. أما آدم، فلف ناحية الصوت، وهمس بكلمة واحدة مستحيل... ظهر راجل عند باب الممر، لابس جاكيت بني قديم، وشعره أبيض أكتر مما كنت فاكرة. رفع عينه وبصلي. قلبي وقف. الصورة اللي كنت شايفاها في خيالي طول عشر سنين بقت حقيقة قدامي. أبويا كان واقف على بُعد خطوات مني، وبيعيط. لكن بدل ما يجري يحضني، بصلي وقال مريم... قبل ما تقربي مني، لازم تعرفي إن أمك ما ماتتش وهي فاكرة إني مېت. وبص ناحية فؤاد، وكمل أمك كانت عارفة إني عايش... وهي اللي ساعدتني أختفي. وقفت مكاني مش قادرة أتحرك، وبصيت لأبويا اللي كنت فاكرة إني مش هشوفه تاني طول عمري. عشر سنين! عشر سنين وأنا كل ما أشوف راجل شبهه في الشارع، أجري وراه وقلبي بيدق، ولما أكتشف إنه مش هو، أرجع البيت وأعيط لوحدي. عشر سنين وأخويا الصغير يسألني هو بابا كان بيحبنا يا مريم؟ طب لو كان بيحبنا، سابنا ليه؟ وكنت كل مرة أقول له إنه كان بيحبنا، وإنه لو كان عايش، أكيد كان رجع لنا. والنهارده، لما لقيته واقف قدامي، أول حاجة قالهالي إنه كان عايش، وإن أمي كانت عارفة! صړخت فيه والدموع مغرقة وشي إنت بتقول إيه يا بابا؟! ماما كانت عارفة إنك عايش؟! يعني إنتوا الاتنين كنتوا عارفين إننا هنا، وإننا بنعاني، وإن أخويا محتاج علاج، وأنا بشتغل ليل ونهار عشان أعرف أصرف عليه؟! أبويا نزل عينه للأرض، ودموعه بدأت تنزل على خده. سامحيني يا بنتي... صړخت تاني أسامحك على إيه؟! على إنك سبتني أدفنك في خيالي كل يوم؟! ولا على إن ماما ماټت وهي مخبية عني الحقيقة؟! أبويا حاول يقرب مني، لكني رجعت لورا. ماتقربش! الكلمة خرجت مني وأنا بعيط، وشفت الۏجع في عينيه. بس المرة دي، ماقدرتش أشفق عليه. لأن الۏجع اللي جوايا كان أكبر من أي حاجة تانية. أخويا كان لسه مربوط على الكرسي، وبيحاول يفك إيديه، ولما شافني مڼهارة، ناداني يا ميرو، أنا كويس! ماتعيطيش! جريت ناحيته، وبدأت أفك الحبل اللي على إيديه، وأنا بحاول أتماسك عشانه. آدم أشار لرجاله يدخلوا، وفي ثواني كانوا سيطروا على المكان، وأبعدوا الأشخاص اللي كانوا واقفين مع فؤاد. لكن فؤاد نفسه ماحاولش يهرب. كان واقف وبيبص لأبويا بنظرة غريبة، وقال بسخرية يا سلام! أخيرًا العيلة اتلمت! عشر سنين مستخبي، وفي الآخر رجعت بنفسك تحط رقبتك تحت السکينة! أبويا لف ناحيته، وقال ببرود أنا رجعت عشان مريم وأخوها. مش عشانك. فؤاد ضحك. وإنت فاكر إنك تقدر تنقذهم؟ إنت لسه ماعرفتش إن كل اللي عملته طول السنين دي كان مبني على كڈبة! آدم تدخل لأول مرة كفاية ألغاز يا فؤاد. إنت خطفت الولد، وهددت أخته، وعندنا تسجيلات ورسائل وصور. اللعبة انتهت. فؤاد بصله وقال التسجيلات؟ تقصد الفلاشة اللي في إيد مريم؟ افتحها يا آدم، وشوف بنفسك أبوك كان بيعمل إيه وراك! آدم اتجمد. وأنا بصيت للفلاشة اللي لسه ماسكاها. أبويا مد إيده ناحيتي وقال اديني الفلاشة يا مريم. رجعت إيدي لورا فورًا. لأ! بصلي باستغراب. قلتله والدموع في عيني كفاية! كل واحد فيكم عايز ياخد مني حاجة، وكل واحد بيقول إنه بيحميني! أنا مش هديها لحد قبل ما أعرف الحقيقة كاملة! آدم هز راسه بهدوء. معاكي حق. القرار قرارك. أما أبويا، فغمض عينيه لحظة، وبعدها قال افتحيها يا بنتي. يمكن دي الطريقة الوحيدة اللي تعرفي بيها ليه اختفيت. حسام، مساعد آدم، جه بلابتوب صغير، وحطّه على الترابيزة. وصلنا الفلاشة، وظهر عليها ملف واحد بس، من غير اسم. آدم بص لأبويا وسأله إنت عارف إيه اللي جواه؟ أبويا رد عارف إنه الدليل اللي كنت بحاول أحافظ عليه من عشر سنين. ضغطت على الملف. ظهرت صورة قديمة بالأبيض والأسود، وبعدها بدأ تسجيل فيديو مهزوز. كان واضح إن التسجيل متصور بكاميرا مراقبة داخل مكتب كبير. ظهر فيه والدي، ووالد آدم، وفؤاد السيوفي، قاعدين حوالين ترابيزة طويلة. والدي في الفيديو كان بيتكلم بعصبية الأرقام دي مش مجرد غلط في الحسابات. فيه تحويلات اتعملت من حساب الشركة لحسابات خارجية، وفيه توقيعات اتزورت باسمي واسم الأستاذ محمود المنشاوي. والد آدم رد عليه إنت متأكد من كلامك يا أستاذ عادل؟ لأن لو الكلام ده صحيح، فإحنا قدام چريمة كبيرة. أبويا هز راسه وقال أنا معايا نسخ من التحويلات، وهسلّمها للجهات المختصة الصبح. فؤاد في الفيديو فضل ساكت، وبعدين ابتسم ابتسامة خلت قلبي ينقبض. وقال ومين قالك إنك هتلحق الصبح؟ بعدها التسجيل اتقطع فجأة. بصيت لأبويا. يعني فؤاد هو اللي كان بيسرق فلوس الشركة؟! أبويا رد ده اللي اكتشفته وقتها، لكن ماكانش عندي دليل كافي يثبت مين المسؤول عن كل التحويلات. آدم كان مركز في الشاشة، ووشه بدأ يتغير. استنوا... رجعوا التسجيل شوية. حسام رجع الفيديو للجزء اللي قبل ما يتقطع. آدم أشار لركن صغير في الصورة. بصوا ورا فؤاد. كان فيه شخص واقف عند باب المكتب، ملامحه مش واضحة، لكن كان لابس خاتم فضي كبير عليه علامة مميزة. آدم قرب من الشاشة، وبعدها رفع إيده وبص لخاتمه هو. نفس العلامة! قال بصوت مخڼوق الخاتم ده كان بتاع والدي، لكنه اختفى بعد ۏفاته. فؤاد ضحك وقال أبوك كان عارف كل حاجة يا آدم. وكان مستعد يعمل أي حاجة عشان يحمي اسم العيلة. آدم لف ناحيته پعنف. إنت بتتهم والدي بإيه بالظبط؟! فؤاد ما ردش، واكتفى إنه بص لأبويا. لكن أبويا كان باصص لآدم بحزن، وقال يا ابني، فيه حاجات لازم تعرفها عن أبوك. أنا حاولت أوصلك للحقيقة زمان، لكن... آدم قاطعه لكن إيه؟! إنت كنت عارف إنه متورط؟! أبويا سكت. والسكوت ده كان كفاية إنه يخلي آدم يرجع خطوة لورا، كأنه اتلقى ضړبة في صدره. أنا ماكنتش فاهمة كل التفاصيل، لكن كنت شايفة إن الحقيقة اللي بتظهر قدامنا بتوجع الكل. وفجأة، فؤاد قال فيه جزء تاني من التسجيل، بس للأسف مش موجود على الفلاشة دي. بصيتله پغضب. إنت عايز إيه دلوقتي؟! رد بهدوء عايزكم تعرفوا إن أبوكي مش بريء تمامًا زي ما فاكرة، وإن آدم مش الشخص اللي إنتِ متخيلاه. آدم قرب منه، وقال بنبرة حادة لو عندك حاجة تثبت كلامك، قولها بدل ما تفضل تهدد. فؤاد بصلي أنا، وقال اسألي أبوكي عن اللي حصل في الليلة اللي اختفى فيها. لفيت ناحية أبويا. كان واقف مطأطئ راسه. قلتله بصوت هادي، لكنه كان مليان ۏجع يا بابا... إيه اللي حصل في الليلة دي؟ أبويا رفع عينه ليا، وفضل ساكت ثواني طويلة. وبعدين قال الليلة دي، أنا ماكنتش لوحدي في العربية اللي اتحرقت. حسيت بقلبي بيقف. يعني إيه؟! كان معايا شخص تاني، وكان المفروض يرجع البيت قبلي. سألته بسرعة مين؟! أبويا بص ناحية آدم، وبعدها قال محمود المنشاوي... والد آدم. آدم رجع لورا، ووشه بقى شاحب. إنت بتقول إن أبويا كان معاك وقت الحاډث؟! أبويا هز راسه. أيوه. لكن لما العربية اتحرقت، أنا كنت بره المكان. ومحمود كان لسه جواها. ساد الصمت. حتى فؤاد بطّل يضحك. آدم حط إيده على الترابيزة عشان يسند نفسه، وقال بصوت بالكاد مسموع يعني والدي ماټ في الحاډث اللي اتقال إنك إنت اللي مت فيه؟ أبويا رد ده اللي خلاني أختفي. لأن لو الناس عرفت إني كنت آخر شخص شافه، كنت هبقى المتهم الأول في مۏته. آدم فضل باصص له، وعينيه مليانة أسئلة. لكن أنا كنت لسه عندي سؤال واحد. طب وماما؟! ليه كانت عارفة إنك عايش، ومقالتليش؟! أبويا غمض عينيه، وقال لأن أمك كانت هي اللي ساعدتني أخرج من المكان اللي اتحرقت فيه العربية. وهي اللي خبت عن الشرطة إنكلمنا بعض بعد الحاډث. شهقت. ليه؟! أبويا بصلي، وقال لأن أمك كانت عارفة مين الشخص اللي دبّر الحاډث، وكانت خاېفة لو اتكلمت، إنتِ وأخوكي تدفعوا التمن. فؤاد فجأة صړخ كفاية كدب يا عادل! كلنا لفينا ناحيته. كان وشه اتغير، والڠضب باين في عينيه. إنت عايز تقنعهم إنك كنت الضحېة؟! طب قولهم بقى مين اللي ادّاك الفلوس عشان تختفي! وقولهم ليه أم مريم فضلت تستقبلني في بيتها بعد ما إنت هربت! بصيت لأبويا پصدمة. إيه؟! فؤاد كان بييجي بيتنا؟! أبويا ما ردش. فؤاد ابتسم، وقال أيوه يا مريم. كنت بدخل بيتكم، وكنت بقعد مع أمك، وكنت بسألها إذا كانت سمعت أي أخبار عن جوزها. وكانت بتقولي إنها مش عارفة عنه حاجة. حسيت إن رأسي هينفجر. كل الذكريات القديمة بدأت ترجع. راجل غريب كان بييجي البيت أوقات، وأمي كانت بتطلب مني أدخل أوضتي. كنت فاكرة إنه قريب بعيد أو حد من معارف أبويا. لكن دلوقتي اكتشفت إنه كان فؤاد! بصيت لأبويا وقلت هو بيكدب؟! أبويا رد أخيرًا لأ. فؤاد كان بييجي البيت فعلًا. حطيت إيدي على صدري، ودموعي نزلت من غير ما أحس. يعني ماما كانت عارفة كل ده؟! أبويا قرب مني خطوة، وقال أمك كانت بتحاول تحميكم، يا مريم. لكن فيه سر تاني، لو عرفتيه هتفهمي ليه فضلت ساكتة كل السنين دي. آدم رفع عينه من الأرض، وقال إيه السر؟ أبويا بص له، وبعدها بصلي. قبل ما أمك ټموت بشهر، اكتشفت إن الشخص اللي كان بيساعدني أستخبى طول السنين دي، هو نفسه الشخص اللي كان بيوصل لفؤاد أخبارنا. اتجمدت. مين الشخص ده؟! أبويا فتح بقه عشان يرد، لكن فجأة سمعنا صوت صفارة عربية شرطة من بره المبنى. حسام جري ناحية الباب، وبعد ثواني رجع وهو بيقول يا باشا، المكان اتطوّق! وفيه ضابط بيقول إنه عايز يقابل مريم بالاسم! آدم بصلي باستغراب. إنتِ تعرفي حد في الشرطة؟ هزيت راسي وأنا مش فاهمة حاجة. وفجأة، دخل ضابط برتبة كبيرة ومعاه اتنين من رجاله. بص لأبويا، وبعدها لف ناحيتي وقال مريم عادل؟ لازم تيجي معانا فورًا. آدم وقف قدامي. على أي أساس؟! الضابط طلع ورقة من ملفه، وقال عندنا بلاغ رسمي، ومعانا أدلة جديدة في قضية اختفاء أستاذ عادل، واسم مريم ظهر في التحقيق باعتبارها آخر شخص استلم مستندات مرتبطة بالقضية. صړخت أنا ما استلمتش أي مستندات! الضابط بص للصندوق اللي على الترابيزة، وقال يبقى ممكن تفسري لنا إزاي لقينا بصماتك على ظرف اتبعت من حساب مجهول للمدعي العام من يومين؟ بصيت لآدم، وبعدها لأبويا. وفجأة، فهمت إن فيه شخص تاني كان بيحرّك كل الخيوط من ورا ضهرنا. لكن الصدمة الأكبر كانت لما الضابط أخرج صورة من الملف ومدهالي. الصورة كانت ليا وأنا خارجة من الكافيه، وفي إيدي ظرف أبيض. أنا عمري ما شفت الظرف ده قبل كده! الضابط قال عندنا تسجيل كاميرا بيظهر إنك ډخلتي مكتب فؤاد السيوفي قبل اختفاء أخوكي بساعتين، وخرجتي بالظرف ده. هزيت راسي پعنف. ده مستحيل! أنا ما دخلتش مكتبه أصلًا! فؤاد كان واقف ساكت، وابتسامة صغيرة بدأت تظهر على وشه. آدم لاحظها، وفهم إن فيه حاجة غلط. لكن قبل ما يقدر يتكلم، الضابط قرب مني وقال مريم، إحنا مش جايين نقبض عليكي دلوقتي. إحنا جايين نطلب منك حاجة واحدة. سألته بړعب إيه هي؟ فتح الملف على صفحة فيها صورة شخص تاني. وقال عايزينك تتعرفي على الشخص ده، لأنه اعترف إنه هو اللي كان بيبعثلك رسائل من رقم مجهول... وبيقول إنه أخوكي الكبير! بصيت للصورة. وشي شحب، وإيدي بدأت ترتعش. لأن الراجل اللي في الصورة... كان شبه أبويا بشكل مخيف، لكني عمري ما شوفته في حياتي! وفجأة، أبويا صړخ اقفلوا الملف ده حالًا! مريم مالهاش أي علاقة بالموضوع! الضابط لف ناحيته، وقال ببرود للأسف يا أستاذ عادل، الشخص ده مش غريب عن عيلتك. وبعدين بصلي وقال لأن التحاليل اللي معانا بتقول إن الشخص ده قريب بيولوجيًا من مريم، بنسبة ما ينفعش تتفسر على إنها مجرد مصادفة. آدم بص لأبويا، وقال عادل... مين الراجل ده؟! أبويا سكت للحظات، وبعدها قال بصوت مكسور ده ابني... اللي اضطريت أسيبه من تلاتين سنة، قبل ما أتجوز أم مريم. بصيت لأبويا وأنا حاسة إن الأرض بتلف بيا، وحاولت أستوعب الجملة اللي لسه قايلها. إنت عندك ابن تاني يا بابا؟! أبويا نزل عينه، وماقدرش يبصلي. صړخت وأنا بعيط وإحنا كمان كنا عايشين في كدبة؟! إنت اختفيت عشر سنين، وماما ماټت وهي مخبية عني أسرار، ودلوقتي أعرف إن عندي أخ أكبر مني بتلاتين سنة؟! هو فيه إيه تاني أنا معرفهوش؟! أخويا الصغير قرب مني، ومسك إيدي. يا ميرو، اهدي شوية... أنا معاكي. بصيتله، وحاولت أتماسك عشانه، لكن الضابط اللي واقف قدامنا ما ادّانيش فرصة. فتح الملف تاني، وطلع صورة الراجل الغريب. اسمه ياسين عادل. عنده تلاتين سنة، وظهر اسمه في التحقيقات من حوالي أسبوعين. إحنا كنا بندور عليه بسبب مستندات مرتبطة بقضية شركة المنشاوي القديمة. آدم بص للصورة باهتمام شديد. ياسين؟! مستحيل! الضابط لف ناحيته. حضرتك تعرفه؟ آدم هز راسه ببطء. أنا شفت الاسم ده في ملفات والدي القديمة. كان فيه تحويلات مالية بتتعمل باسم شخص مجهول، وفي كل مرة كنا نحاول نوصل لصاحب الحساب، كنا بنلاقي إن الحساب اتقفل. وبعدين بص لأبويا وقال هو ده نفس الشخص اللي كنت بتتكلم عنه لما قلت إن فيه حد كان بيساعدك تختفي؟ أبويا ما ردش فورًا. فضل باصص للصورة، وبعدها قال أيوه. ياسين هو اللي ساعدني أختفي بعد الحاډث، وهو اللي كان بيبعتلي أخبار مريم وأخوها. حسيت پصدمة جديدة. يعني أخويا الكبير كان عارف مكاننا طول الوقت؟! أبويا هز راسه. كان عارف إنكم بخير، لكن ماكانش يعرف كل التفاصيل. أنا طلبت منه يبعد عنكم عشان مايعرضكمش للخطړ. الضابط قفل الملف وقال طيب، يبقى محتاجين نعرف مكانه دلوقتي. آخر إشارة لموبايله كانت قريبة من المبنى ده، لكنه اختفى قبل ما نوصل. فؤاد ضحك ضحكة قصيرة. بتدوروا على ياسين؟! يبقى أنتم متأخرين جدًا. آدم قرب منه. إنت تعرف مكانه؟ فؤاد رفع كتفه بلا مبالاة. أنا أعرف حاجات كتير يا آدم. بس مش كل حاجة ينفع تتقال قدام الشرطة. الضابط بصله بحدة. كل اللي عندك هتقوله في التحقيق. فؤاد ابتسم، لكن المرة دي ابتسامته كانت متوترة. وفجأة، حسام دخل من الباب بسرعة، وفي إيده تليفون. يا باشا، وصلتنا رسالة على رقم الشركة. لازم تشوفها بنفسك. آدم أخد التليفون. كانت رسالة من رقم مجهول، فيها صورة لساعة حائط قديمة، وتحتها جملة واحدة الوقت خلص. الليلة دي لازم تعرفوا مين اللي حرّك كل الخيوط. بصيت للصورة، وحسيت إن فيه حاجة مألوفة فيها. ساعة الحائط دي كانت موجودة في بيتنا القديم، فوق باب الصالة، وكانت أمي بتبص عليها كل ليلة قبل ما تنام. قلت من غير ما أفكر أنا شفت الساعة دي قبل كده! آدم لف ناحيتي. فين؟ في بيتنا القديم. البيت اللي عشنا فيه قبل ما ننقل للشقة الحالية. ماما باعت البيت من سنين، بس الساعة دي اختفت قبل ما نسلم المفتاح. أبويا رفع راسه بسرعة. الساعة لسه موجودة؟! قلتله مش عارفة. بس أنا فاكرة شكلها كويس. الضابط طلب من حسام يبعته الصورة الأصلية، وبعد ما كبّرها، لاحظنا إن فيه ورقة صغيرة محشورة بين الساعة والحيطة. كان مكتوب عليها رقم وعنوان. آدم قرأ العنوان، وفجأة وشه اتغير. ده عنوان المخزن اللي والدي كان بيحتفظ فيه بأوراق الشركة القديمة! الضابط أمر رجاله يتحركوا فورًا، لكنه قبل ما يخرج، بصلي وقال مريم، هتفضلي معانا لحد ما نخلص الإجراءات. فيه تفاصيل لازم نتأكد منها. كنت عايزة أرفض، لكن آدم قال هتتعاون معاكم، وأنا هفضل معاها لحد ما نعرف أخوها الكبير فين. الضابط وافق، وخرج مع رجاله. أما فؤاد، فكان لسه واقف في مكانه، ساكت على غير عادته. آدم قرب منه وقال اللعبة انتهت يا فؤاد. ياسين ظهر، والملفات القديمة بدأت تتفتح، ومش هتقدر ټدفن الحقيقة تاني. فؤاد بصله وقال بهدوء غريب إنت لسه فاكر إن ياسين عايز يساعدك؟ اسأل أبوك عن اللي حصل في الليلة اللي ماټ فيها والديك، وبعدها قرر مين العدو ومين الصديق. آدم اتجمد. والديّ؟! تقصد مين؟ فؤاد ابتسم. إنت فاكر إن والدك ماټ لوحده في الحاډث؟! أبويا صړخ كفاية يا فؤاد! لكن فؤاد كمل والدتك كانت في العربية التانية، يا آدم. العربية اللي محدش قالك إنها كانت موجودة أصلًا. آدم رجع خطوة لورا، وعينيه اتسعت من الصدمة. أمي ماټت بعد والدي بسنتين، بسبب مرض... فؤاد هز راسه. ده اللي اتقالك. لكن قبل ما ټموت، كانت بتحاول توصل لحقيقة اختفاء عادل، وكانت عارفة إن فيه شخص من العيلة بيخبي مستندات مهمة. بصيت لآدم، وشفت لأول مرة إن الراجل اللي الناس كلها پتخاف منه، مش قادر يخفي وجعه. همس مين الشخص ده؟ فؤاد بص لأبويا، وقال اسأله هو. كل العيون اتجهت لأبويا. أبويا غمض عينيه، وبعدها قال أم آدم كانت عارفة إن فيه حد زور توقيع جوزها على مستندات التحويلات، وكانت بتحاول تثبت ده. لكن قبل ما تقدر توصل للدليل، حصلت لها حاډثة. آدم سأله بصوت متحشرج وإنت كنت تعرف؟ أبويا هز راسه. عرفت بعد ما حصلت. لكني ماكنتش أعرف مين المسؤول. آدم رجع لورا، ومرر إيده على وشه. كل اللي كان فاكره عن عيلته بدأ ينهار قدامه. أما أنا، فكنت بفكر في أمي. في كل ليلة كانت بتقعد فيها لوحدها قدام الساعة القديمة، وفي كل مرة كانت تقفل درج مكتبها بسرعة لما أدخل عليها. يمكن كانت بتحاول تحمينا فعلًا. ويمكن كانت مخبية حاجة أكبر بكتير مما تخيلت. بعد حوالي ساعة، وصلنا للمخزن القديم تحت حراسة الشرطة. المكان كان مليان خزائن حديدية وملفات متربة، لكن الساعة اللي ظهرت في الصورة كانت موجودة فعلًا فوق مكتب خشبي في آخر القاعة. قربت منها، وقلبي بيدق بسرعة. لاحظت إن غطاها الخلفي مش مقفول كويس. فتحته، فلقيت جواه مفتاح صغير وورقة مطوية. فتحت الورقة. كانت بخط أمي. يا مريم، لو وصلتي للمكان ده، يبقى السر اللي حاولت أحميكم منه بقى أقرب ليكم من أي وقت. ماتصدقيش أي حد يقولك إنه يعرف الحقيقة كاملة، لأن كل واحد فيهم مخبي جزء منها. دموعي نزلت على الورقة. أمي كانت عارفة إني ممكن أوصل للمكان ده يومًا ما! قلبت الورقة، ولقيت سطر تاني المفتاح ده هيفتح الخزنة رقم ١٧. جواها الدليل اللي يثبت مين اللي خان أبوكي، ومين اللي كان بيحاول يحميه. آدم أخد المفتاح، وبدأ يدور على الخزنة رقم ١٧. لقيناها في آخر صف. دخل المفتاح، ولفه ببطء. الباب اتفتح. جوا الخزنة كان فيه ملف بني سميك، وصورة عائلية قديمة، وتسجيل صوتي على جهاز صغير. آدم فتح الملف، وبدأ يقلب الأوراق. وبعد ثواني، وقف عند مستند معين. يا إلهي... قربت منه. إيه؟! رفع الورقة قدامي. كانت مستندات تحويلات مالية، وعليها توقيعات وأختام رسمية. لكن الاسم الموجود في خانة الشخص المسؤول عن اعتماد التحويلات، ماكانش اسم فؤاد السيوفي. كان اسم محمود المنشاوي، والد آدم. آدم بص للورقة طويلًا، وبعدها قال بصوت مكسور يعني أبويا كان مسؤول عن التحويلات فعلًا؟ أبويا رد بسرعة مش بالضرورة. التوقيع ممكن يكون مزور، وده اللي كنت بحاول أثبته. لكن آدم ماكانش سامع. كان بيقلب باقي المستندات، لحد ما وصل لورقة مكتوب فيها بخط يدوي في حالة اختفاء عادل، يتم نقل ملكية الأسهم إلى المستفيد البديل وفقًا للاتفاق المرفق. وتحت الكلام كان فيه توقيع. توقيع أمي! صړخت ماما؟! إيه اللي جاب توقيع ماما هنا؟! أبويا أخد الورقة، وأول ما شافها، وشه شحب. مستحيل... أنا ما شفتش الورقة دي قبل كده! آدم رفع راسه. عادل، إنت كنت تعرف إن زوجتك وقعت على اتفاق نقل الأسهم؟ أبويا هز راسه پعنف. لأ! أم مريم عمرها ما دخلت في شغل الشركة، ولا كانت تعرف أي حاجة عن الحسابات! الضابط أخد الورقة، وطلب من رجاله يصوروها ويحفظوها كدليل. لكن أنا كنت مشغولة بالصورة العائلية اللي كانت جوه الخزنة. طلعتها. كانت صورة لأمي وهي واقفة جنب رجل شاب، وفي حضنها طفل صغير. قلبت الصورة، ولقيت مكتوب عليها ياسين وأمه، قبل السفر. بصيت لأبويا. بابا، إنت قلتلي إن ياسين ابنك من زواج سابق. مين أمه؟ أبويا سكت. وبعدين قال اسمها نادية. أول ما نطق الاسم، الضابط رفع عينه بسرعة. نادية مين؟! أبويا استغرب. نادية عبدالسلام. كانت زوجتي الأولى. الضابط فتح ملفه بسرعة، وطلع صورة من بين الأوراق. هل دي نفس السيدة؟ أبويا أخد الصورة. وبمجرد ما شافها، إيده بدأت ترتعش. لأن الصورة كانت لنفس المرأة اللي واقفة جنب أمي في الصورة القديمة. لكن المفاجأة ماكانتش هنا. الضابط قال السيدة نادية عبدالسلام اختفت من عشرين سنة، وتم تسجيل ۏفاتها بعد فترة، لكن مفيش شهادة ۏفاة أصلية في الملف. والأغرب إن اسمها ظهر من جديد في تحقيقات قضية اختفاء أخو مريم الصغير. أنا ما فهمتش حاجة. أخويا الصغير موجود معانا! تقصدوا مين؟! الضابط بصلي بحذر. أقصد إن فيه طفل تاني اتسجل باسم عادل في مستشفى خاص من عشرين سنة، واتنقلت أوراقه بين أكتر من جهة، من غير ما يظهر له ملف عائلي واضح. أبويا رجع لورا، وقال بصوت مخڼوق لأ... مش ممكن. آدم قرب منه. عادل، إنت مخبي إيه كمان؟ أبويا ما ردش. فضل باصص للصورة، وبعدها قال نادية ما اختفتش لوحدها. في الليلة اللي سابت فيها البيت، كانت شايلة معاها مستندات تخص الشركة، وكانت حامل. بصيتله پصدمة. حامل؟! يعني ياسين كان له أخ أو أخت؟! أبويا هز راسه ببطء. أنا ماعرفتش إذا كان الطفل اتولد ولا لأ. نادية اختفت، وبعدها وصلتني رسالة بتقول إنها ماټت. الضابط قال الرسالة دي ممكن تكون مزورة. آدم فتح جهاز التسجيل الصغير اللي لقيناه في الخزنة. ضغط على زر التشغيل. في البداية، سمعنا صوت تشويش، وبعدها ظهر صوت أمي واضح جدًا لو التسجيل ده وصل لمريم، يبقى أنا ماقدرتش أحميها من الحقيقة. عادل مش هو الشخص الوحيد اللي اختفى من العيلة، وياسين مش الابن الوحيد اللي اتفصل عن أبوه. وبعدها سكتت أمي لحظة، وكملت فيه طفل اتولد في الليلة اللي ماټ فيها محمود المنشاوي، والطفل ده اتسجل باسم مختلف عشان محدش يقدر يوصل له. آدم قرب من الجهاز، ووشه اتغير. أمي كملت والطفل ده هو الوريث الحقيقي للأسهم اللي اتنقلت من الشركة، وهو الوحيد اللي يقدر يثبت إن الاتفاق اللي اتكتب باسمي كان مزور. التسجيل وقف فجأة. ساد الصمت في المخزن. آدم كان بيبص للتسجيل، وأبويا كان باصص للأرض، والضابط بيقلب في الملف بسرعة. أما أنا، فكنت حاسة إن فيه سر أكبر من قدرتي على الاستيعاب. وفجأة، حسام دخل وهو ماسك تليفونه. يا باشا، لقينا ياسين! آدم لف ناحيته بسرعة. فين؟! حسام رد في المستشفى اللي كان بيتعالج فيها أخو مريم. دخل من شوية، وطلب يقابلها، وقال إنه عنده دليل يثبت مين الشخص اللي زوّر المستندات. قلبي بدأ يدق بسرعة. أخويا فين؟! هو معاه؟! حسام هز راسه. أخوكي بخير، وهو مع فريق الحماية دلوقتي. لكن ياسين رفض يتكلم مع أي حد غيرك إنتِ. آدم بصلي وقال لازم نروح. لكن قبل ما نتحرك، الضابط قرب مني ومد إيده بورقة جديدة. مريم، فيه حاجة لازم تعرفيها الأول. بصيت للورقة. كانت نتيجة تحليل نسب، صادرة من معمل رسمي، ومرفق معاها أسماء الأشخاص اللي اتعملت لهم التحاليل. اسمي كان في أول السطر. واسم ياسين في السطر التاني. وتحتهم النتيجة تطابق بيولوجي من الدرجة الأولى، بما يؤكد وجود علاقة أخوّة بين الطرفين. رفعت عيني للضابط وقلت يعني ياسين أخويا فعلًا؟ الضابط هز راسه. أيوه. لكن فيه حاجة أغرب من كده. قلب الصفحة، وأشار للسطر اللي تحت. كان فيه اسم شخص تالت، والنتيجة بتقول إنه قريب مننا بنفس الدرجة تقريبًا. بصيت للاسم، وحسيت إن نفسي اتسحب مني. الاسم كان فؤاد السيوفي. بصيت لآدم، وبعدين لأبويا. فؤاد مشي خطوة لورا، ووشه فقد لونه. وأبويا قال بصوت بالكاد مسموع يا نهار أسود... نادية كانت بتخبي الحقيقة دي طول السنين دي! صړخت حقيقة إيه؟! فؤاد يبقى مين بالنسبة لنا؟! أبويا بصلي، ودموعه بدأت تنزل. مريم... فؤاد مش مجرد شريك قديم. فؤاد هو ابن نادية من زواجها الأول، وهو أخو ياسين من أمه... وسكت لحظة، قبل ما يكمل الجملة اللي قلبت كل حاجة لكن اللي محدش يعرفه إن فؤاد اتولد في نفس اليوم اللي اتولد فيه ياسين، وإن واحد فيهم اتبدّل في المستشفى، من غير ما أي حد من العيلة يعرف! النهاية السر اللي اتخبّى عشرين سنة! فضلت باصة لأبويا وأنا مش قادرة أستوعب آخر جملة قالها. فؤاد وياسين اتولدوا في نفس اليوم، وواحد فيهم اتبدّل في المستشفى؟! يعني ممكن فؤاد يكون ابن أبويا الحقيقي؟ وممكن ياسين يكون ابن شخص تاني؟! صړخت كفاية بقى! أنا تعبت من الأسرار! عايزة أعرف الحقيقة كاملة، حتى لو هتوجعني! أبويا قعد على الكرسي اللي جنبه، وحط إيده على وشه، وقال بصوت مكسور من عشرين سنة، كنت متجوز نادية، وكانت حامل في طفلنا الأول. لكن قبل الولادة بفترة، اكتشفت إنها كانت بتتعامل مع ناس متورطين في تزوير مستندات مالية. لما واجهتها، أقسمت إنها بتحاول تحمي ابننا من شخص كان بيهددها. سكت لحظة، وكمل بعد الولادة، نادية اختفت، والطفل اللي قالتلي إنه ابني اختفى معاها. وبعد سنين، عرفت إنها اتجوزت تاني، وإن عندها ابن اسمه فؤاد. حاولت أوصل لها، لكن كل الطرق كانت بتتقفل في وشي. بصيت لفؤاد، اللي كان واقف ساكت، وبعدها سألت أبويا طب إنت عرفت إزاي إن فيه طفل اتبدّل في المستشفى؟ أبويا أشار لنتيجة التحاليل اللي مع الضابط. أنا ماكنتش متأكد. التسجيل اللي سمعناه كان أول دليل حقيقي. لكن عشان نعرف مين ابن مين، لازم نراجع سجلات المستشفى ونتأكد من التحاليل. الضابط تدخل وقال بحزم وده اللي هنعمله. محدش هنا هيقدر يغيّر نتيجة تحقيق رسمي، وكل شخص هيتحاسب على الأفعال اللي تثبت عليه بالأدلة. فؤاد ضحك بسخرية، وقال تحاسبوني على إيه؟ على إني حاولت أعرف الحقيقة عن عيلتي؟ ولا على إنكم فضلتوا تدوروا على متهم طول عشر سنين، ومحدش فيكم كان فاهم حاجة؟ آدم رد عليه مشكلتك مش إنك كنت بتدور على الحقيقة يا فؤاد. مشكلتك إنك خطفت أخو مريم، وهددتها، وحاولت تستخدمها عشان توصل لمستندات الشركة. فؤاد سكت، ولأول مرة ماعرفش يرد. الضابط أمر رجاله ياخدوه للتحقيق، ومعاه كل المستندات اللي اتجمعت. لكن قبل ما يخرج، فؤاد لف ناحيتي وقال مريم، مهما حصل، فيه حاجة لازم تعرفيها. أمك ما كانتش ملاك زي ما إنتِ فاكرة، وأبوكي مش بريء من كل اللي حصل. بصيتله بهدوء وقلت حتى لو أهلي غلطوا، ده مش مبرر إنك ټأذي أخويا. الحقيقة هتظهر، وساعتها كل واحد هيتحاسب على اللي عمله. خرج فؤاد مع الشرطة، وأنا فضلت واقفة مكاني، حاسة إن فصل طويل من حياتي اتقفل، لكن لسه فيه صفحة أخيرة لازم تتكتب. بعد يومين، وصلتني مكالمة من المستشفى. أخويا الصغير كان بخير، وياسين كان مستنيني هناك. لما دخلت أوضة الزيارة، لقيت أخويا قاعد على السرير، وبيضحك مع شاب طويل، ملامحه قريبة جدًا من ملامح أبويا. أول ما شافني، قام من مكانه. إنتِ مريم؟ هزيت راسي. وإنت ياسين؟ ابتسم ابتسامة حزينة. أيوه. أنا أخوكي الكبير. ماقدرتش أمنع دموعي. كنت طول عمري فاكرة إن عيلتي اتبقت من شخصين بس، أنا وأخويا الصغير. وفجأة، اكتشفت إن ليا أخ كبير، وإن أبويا لسه عايش، وإن كل اللي فات كان مليان أسرار محدش كان عنده الشجاعة يحكيها. ياسين قرب مني وقال أنا آسف إني ماقدرتش أوصلكم بدري. كنت بحاول أحميكم، لكني غلطت لما فضلت ساكت. قلتله وأنا بمسح دموعي المهم إننا لقينا بعض. من النهارده، محدش فينا هيواجه حاجة لوحده. أخويا الصغير مسك إيدي وإيد ياسين، وقال يعني كده بقينا عيلة كبيرة؟ ضحكنا كلنا، رغم الدموع. ولأول مرة من سنين، حسيت إن البيت اللي جوايا بدأ يرجع له النور. أما آدم، ففضل مكمل التحقيقات لحد ما ظهرت نتيجة مراجعة المستندات. التحقيق أثبت إن فؤاد كان متورطًا في تزوير حسابات وتحويلات مالية، وإنه استغل اختفاء أبويا عشان يبعد الشبهات عنه ويستفيد من الصراعات على ملكية الأسهم. لكن موضوع تبديل الأطفال ما اتثبتش بالأدلة الكافية، وبعد مراجعة سجلات المستشفى، اتضح إن جزءًا من الأوراق القديمة كان ناقصًا، وإن نتيجة التحليل اللي اتقدمت في البداية ما كانتش كافية لحسم هوية الأب البيولوجي لكل واحد. آدم ما حاولش ينتقم من فؤاد بنفسه، لكنه سلّم كل الأدلة للشرطة، وبدأ يعيد بناء الشركة بعيدًا عن الأساليب اللي دمّرت عيلته. وبعد فترة، اعتذر لأبويا عن الشكوك اللي كانت محاوطاه، وأكد له إنه هيساعده يستعيد اسمه وحقوقه القانونية. أما أبويا، فكان أصعب شيء عليه إنه يواجهنا كلنا بعد عشر سنين من الغياب. في البداية، ماقدرتش أسامحه بسهولة. كنت بحبه، لكن حبي ليه ماكانش كفاية يمسح الۏجع اللي عشته أنا وأخويا. قلتله بصراحة يا بابا، أنا مش هقدر أنسى السنين اللي فاتت في يوم وليلة. بس لو إنت فعلًا عايز ترجع لحياتنا، لازم تثبت لنا إنك هتفضل موجود المرة دي. هز راسه، ودموعه في عينيه. عندك حق يا بنتي. أنا مش طالب منك تنسي. أنا بس بطلب فرصة أصلح اللي أقدر عليه. ومع الوقت، بدأ يثبت كلامه بأفعاله، مش بوعوده. بعد شهر، رجعت للكافيه عشان آخد حاجتي وأقدّم استقالتي. عماد كان واقف عند ماكينة القهوة، ولما شافني، قرب مني وقال مريم، أنا آسف إني ماعرفتش أمنعك من التحدي الليلة دي. ابتسمت وقلتله إنت حذرتني، وأنا اللي ما سمعتش كلامك. ضحك، وبعدين سألني طب هتشتغلي فين دلوقتي؟ طلعت من شنطتي خطاب التعيين الجديد. آدم كان عرض عليّا وظيفة إدارية في إحدى شركاته، بمرتب مناسب وتأمين طبي، بعد ما اجتزت المقابلة واختبارات التوظيف زي باقي المتقدمين. ماكانش هدية ولا شفقة؛ كانت فرصة حقيقية أبدأ بيها من جديد. قلت لعماد هبدأ شغل جديد، وهكمل تعليم نفسي كمان. كفاية بقى أجري طول عمري ورا مصاريف الإيجار والعلاج. عماد ابتسم وقال تستاهلي كل خير يا مريم. وقبل ما أمشي، بصيت للترابيزة اللي آدم كان قاعد عليها أول مرة. ضحكت لوحدي وأنا بفتكر إزاي تحدي سخيف بخمسمية جنيه قلب حياتي كلها. لكن الحقيقة إن البوسة نفسها ما كانتش هي اللي غيرت حياتي. اللي غير حياتي كان إني، لأول مرة، بطلت أسمح للخوف والاحتياج إنهم يحددوا قيمتي. بعد ست شهور، كنا قاعدين كلنا على سفرة واحدة في بيت أبويا الجديد. أنا، وأخويا الصغير، وياسين، وأبويا. كان أخويا بدأ يتحسن مع العلاج الطبيعي، وياسين بقى أقرب شخص لينا، وأبويا كان بيحاول يعوضنا عن جزء من السنين اللي ضاعت. آدم كمان بقى صديق للعيلة، وكان بيزورنا من وقت للتاني عشان يطمن على سير الأمور القانونية. وفي يوم، بعد ما الكل قام من على السفرة، قعدت مع أبويا في البلكونة. سألته يا بابا، لو رجع بيك الزمن، كنت هتختفي برضه؟ فضل ساكت شوية، وبعدين قال لأ. كنت هحاول أواجه الخطړ وأنا جنبكم، بدل ما أسيبكم تواجهوا الحياة لوحدكم. كنت فاكر إن اختفائي هيحميكم، لكني ما فهمتش إن الغياب نفسه ممكن يوجع أكتر من الخطړ. بصيت للسما وقلت المهم إننا لسه عندنا فرصة نبدأ من جديد. أبويا مسك إيدي وقال إنتِ أقوى مما كنت أتخيل يا مريم. ابتسمت، وافتكرت البنت اللي كان فاضل في حسابها تلاتة وأربعين جنيه، واللي وافقت على تحدي مهين عشان تساعد أخوها. البنت دي ما كانتش ضعيفة. كانت بس محاصرة بالظروف، وبتحاول تنقذ عيلتها بالطريقة الوحيدة اللي كانت شايفاها قدامها. والنهارده، فهمت إن الكرامة مش معناها إننا عمرنا ما نغلط، ولا إننا لازم نكون أقوياء طول الوقت. الكرامة الحقيقية إننا نعرف إن قيمتنا أكبر من فلوسنا، وأكبر من شكلنا، وأكبر من رأي الناس فينا. أما الأسرار، فمهما فضلت مستخبية، بييجي يوم وتظهر فيه الحقيقة. لكن مش كل حقيقة بتصلح اللي اتكسر، ومش كل اعتذار بيرجع السنين اللي ضاعت. أحيانًا، كل اللي نقدر نعمله هو إننا نتعلم من الماضي، ونختار ما نكررش أخطاءه. ومن يومها، ما بقيتش مريم البنت اللي وافقت على تحدي بخمسمية جنيه عشان كانت محتاجة الفلوس... بقيت مريم اللي عرفت إن أغلى حاجة ممكن الإنسان يحافظ عليها، هي نفسه وكرامته وعيلته. تمت.