انا هتجوز

قلوب متوهجة
الفصل الأول

في ليلة شتاء قارسه، والقمر أعلن انسحابه، وترك العنان للأمطار تنهمر بشده، لم تبالي العاشقه هذا الجو القارس شديد البروده، فكان جسدها جمرة نار تحترقها، عزمت “ندى” للذهاب إلى من أحبته بكل جوارحها، استقلت سيارتها، وتحركت بسرعة، غير منتبه لهذه الأمطار المتساقطة على زجاج سيارتها، فقد كان الغدق المتساقط من مقلتيها؛ أشد من هذه الأمطار، وصلت بعد مده قصيرة، اوقفت السيارة بعيدا عن منزله، وسارت متوجهه إليه، وقداماها تسير بخطى بطيئة، تقف لحظات ثم تعاود السير، كأنها مثل السلحفاه في بطئ خطواتها، تخشى رد فعله ماذا سيكون؟! هل سيتقبلها من جديد؟!
ام سيحكم عليها بالمـ,ـوت البطئ، لكنها قررت أن تحاول معه من جديد.
طرقت باب الأمل، وبداخلها تتمنى أن تجدها في عيناه، فتح لها طاقة نور، دلجت بالداخل، ونظرت إليه وعيناها تسيل وابل من الدموع، تبكي بحرقه، تعجب لشدة البكاء، دموعها المتساقطة منها تملأ أنهار، ولكنه لم يبالي لهذه الدموع، لم يهتم واكتفى بينه وبين نفسه بالتعجب والصمت، كان واقفاً كالجبل لا يتحرك، ولا يهتز لها، كان فقط يرمقها بنظرات عتاب ولوم، يجلدها بقوة وهي لا تستطيع أن تنطق وتقول له كفى، لكنه قرر بعد وقت طويل التحدث، أن يتحرر من قيوده، ويبوح لما شعر به من ألم، وعذاب؛ هي من تسببت فيه، فطعم الظلم مرارته علقم، كانت بداخل حلقه لا تنتهي، ملازمه معه طوال الوقت، وقد حان الآن أن ينفجر، يصرخ ويخرج مافي جوفه؛ بعد أن ظهرت الحقيقه كامله أمامها، وظهرت عفته وبراءته، وهي من أتت إليه راكعه، نادمه، فتحدث لها معاتباً لما صدر منها، فنظرت له بترجي وشهقاتها تسبقها، تقول له في خضوع:

-أرجوك بلاش تعاتبني بالشكل ده، كفاية نظراتك اللي بتدبحني؛ قلبي اتمزق من جلدك ليه وتحول لأشلاء.
خلاص مبقاش جواه أي مكان للتبرير والاعذار، فلتمس أنت عذره وأرفق بحاله ومتزدش عليه بكلامك ولومك، اللي بترمي سهامك، اللي بتدخل جوه قلبي وبتخليه ينزف قدامك، ارجوك ارحمه، وحن عليه، وأشفق على آهاته.
ايوة أخطأت مش هنكر، ولكن مش كفاية اللي أنا فيه من هزيمه محققه.. من انكسار وضعف ملهوش مثيل.!
أخطأت ورجعت ليك بقلب حزين، محطم، وندمانه على فراقك في لحظة غباء سيطرت على عقلي؛ صدقت كلامهم عنك.. اتهامتهم ليك مش دمرتني بس دي كسرتني، فأنا بشر بس قلبي المسكين مقدرش يصدقهم، لكن عقلي صدر عليك حكمه وصدق كذبهم اللعين، كانت الحبكه محكمه، وعرفوا ازاي يقنعوا عقلي المغيب بيها، ودلوقتي قلبي لبى نداءه ورجعت محمله جواه ورود الأمل لعلها تشفع عندك، رجعت ندمانه قدامك، طالبه منك الغفران، والتسامح.
يارتني أقدر اوصفلك عذاب ضميري، والنار اللي بتنهش قلبي في بعادك، لكن للأسف مش هتفهم حجم مأساتي، لأني أنا اللي صدقت… أنا المذنبه، مش هما.. ازاي أصدق كذبهم؟ واكذبك يا حبيبي.!
أنا اللي اجرمت، وبطلب منك دلوقتي تسمع نداء قلبك، ومش عقلك.
القرار بقى بين ايدك، اعمل فيا زي ما تحب.
انت لسه عايزني؟ ولا هتردلي الطعنه الاف وتحرمني منك؟
هنتظر حكمك العادل ياحبيبي، وطمعانه في نبلك، وعطفك على قلبي المكسور.

كان يسمع حديثها، ويتردد داخل أذنه صوتها الباكي الحزين، مشتت، مذبوح من سوء ظنها به، وكلامتها الجارحه عليه، ولكنه ظل صامت، عيناه هي التي تتحدث وتقول نداء قلبه المجروح، جلس على المقعد واضعاً يده على رأسه يفكر ويفكر، وهي واقفه ناظرة إليه كالمتهم الذي ينتظر الحكم عليه بالبراءه أو الإعدام، كانت لحظات قاتله، عقارب الساعه لا تتحرك، كأنما وقف الزمن عند هذه اللحظات الحاسمه، ظلت ترمقه بكل نظرات العطف، والترجي، لكنه كان شارداً ملحقاً في غيوم أحزانه البائسه، ظل يتذكر شريط ذكرياتهما سوياً لعله بجد وميض؛ يضئ عتمة هذا الظلام الساكن داخله، لكنه لم يجد إلا الظلام، والجرح العميق الذي مازال ينزف بداخله، لقد فقدت الثقه بينهما، انكسر بداخله شيئاً صعب التئامه من جديد.

نعم حين نفتقد الثقه؛ من المستحيل أن تبنى من جديد، فكان القرار صعب عليه وعليها، وانسدل ستار الفراق على حب لم يرى الشمس.
وبقى السؤال الذي مازال متعلق في ذهنها، هل سترضى وتبتعد عنه ام ستحارب من أجل الفوز به من جديد؟

“قلوب متوهجه”
بقلم إيمان كمال ✍️
#إيمــووو

الفصل الثاني
انصرفت من أمامه وخذلانها منه يمزق فؤادها، وأثناء سيرها وحيده تذكرت سبب فراقهما.
“فلاش باك ”

كانت “ندى” جالسه في غرفتها سعيده، تجهز ملابسها لتضعها في حقيبتها، فقد كان باقي ثلاث أيام على زفافها من حبيب عمرها الذي عشقته منذ أيام دراستهما، فقد كان رجلاً استثنائياً في كل شئ، تحدت به كل الظروف، والفوارق الاجتماعيه، لم تعي لها حساب، ورمت كل التقاليد التي تمنعها عنه خلف ظهرها، ولم تهتم لشئ سوا ان تفوز به، واكتفت بما تشعر معه من احتواء، والأمان بين يديه، لم تشك لحظة في عدم حبه لها، فقلبها ملكه بدون أي مجهود منه، فإذا بها تسمع طرقات على باب غرفتها، أمرت بالدخول، وإذا تتفاجأ بصديقتها المقربه “شاهيناز” تقترب منها وعلى وجهها الحزن والآسى، رمقتها بقلق مردده :
– مالك ياشاهي في أية يابنتي؟ وشك مش مبشر بالخير خالص!
جلست على الفراش، ويديها تفركها بتوتر، كيف لها أن تصارحها وتصدمها في حبيب عمرها بهذا الشكل، كانت نظرات “ندى” لها حيره تشعر بأنها دلفت في طريق متاهه لا تعلم نهايته، سرعات قلبها تتزايد ولا تتوقف، تشجعت “شاهي” قائله :
– بصي ياندى ياحببتي أنا مش عارفه أقولك إيه؟! بس اتفضلي شوفي بنفسك الفيديو ده وأنتي هتفهمي كل حاجة.
أمسكت الهاتف بيد مرتعشه، ونظرت لما يعرض، اتسعت حدقتها في ذهول، وكانت صدمة عمرها حين رأت حبيبها في غرفة نومه، على فراشه، عاري الجسد، وتعتليه فتاة تحتضنه بشده، وتقبله بشوق ولهفه، في وضع مخل، كانت قداماها لا تستطيع حملها، ترتعش من شده ذهول ما رأت، اعصابها ترتجف، كيف له أن يخونها بهذه الطريقه؟ كيف هان عليه حبها الذي ضحت من أجله الكثير؟ وقفت أمام الجميع لتتزوجه، حاربتهم بكل أسلحتها لتنول به، وهو الآن يخونها،
انهارت قواها بوهن، وجلست ارضاً تبكي بشده، تصرخ بحرقة، وقهر السنوات التي عشقته خلالها، ضمتها صديقتها بحنان، وربتت على ظهرها وقالت :
– أهدي ياندى، والله مايستاهل دموعك دي، أحمدي ربنا أنه كشفه قدامك قبل ماتتجوزوا، عشان تعرفي ان ربنا بيحبك، ظهره على حقيقته؛ أنه كان طمعان فيكي، وطلع كلام عمو صح لما رفضه.
رفعت عيناها الدامعه، وأغمضتها بحزن، وقالت بنبرة يغلفها الانكسار والألم :
– شاهي هو اللي في الفيديو ده بجد! إزاي يعمل فيا كده؟ مستحيل أصدق عنيا، أكيد مش هو… أكيد اللي في الفيديو ده واحد شبه مش هو، مستحيل قلبي يصدق…!
– هو ياحببتي للأسف هو، ارجوكي عشان خاطري اتماسكي، وشوفي هتعملي أية؟
– هعمل إيه في أيه! أنا خلاص انكسرت…. قلبي طعنه بسكينه تلمه، دبحني ياشاهي بدون رحمه… ليه كده يانبيل ؟ ليه تبيع حبي بالشكل ده ليه؟
كادت أن تتحدث لولا دلوج أباها غاضب وممسك بيده هاتفه مردد بصوت مرتفع حاد :
– شوفتي البيه اللي اتحدتيني عشان تتجوزيه بيعمل إيه؟ البيه مقضيها. فعلا الواطي هيفضل طول عمره واطي، لا أصل، ولا نسب عدل، عشان بعد كده تسمعي كلامي وتثقي في نظره أبوكي؛ لما قولتلك أنه واد حلنجي ونصاب، وطمعان في فلوسك، الفيديو منتشر عند كل أصحابنا، ومعارفنا، كذا واحد كلمني، وقالي شوف عريس بنتك عامل إيه..! فضحتها بقت بجلاجل، أوري الناس إزاي وشي، والفرح اللي بعد كام يوم، والقاعة اللي اتحجزت، والمعارف اللي عزمناهم، هنعمل إيه في كل ده؟ شوفتي عملتي فيا إيه ياندى.
قال حديثه مندفعاً كالرصاصات المندفعه بسرعه من مسدسه على عدو بدون رحمه أو شفقه، فأصابت قلبها المنكسر، لم يشفق على حالتها، ولم يرحم سيول دموعها، حدقها بنظرة تشفي ثم خرج، مغلق الباب بقوه انتفضت على أثارها هذه المسكينه، امسكت “شاهي” يداها حتى تنهض، لتغسل وجهها، لتسطيع أن تفوق وتفكر ماذا هي فاعله.

مر الوقت بطيئاً عليها، تشعر إنها دلفت داخل دوامه معتمه، تاهت ولا تستطيع الوصول إلى بر يصلها لبر الأمان، كانت الاتصالات بها متعدده من بعض أصدقاءها، حيث منهم المتشفي، ومنهم الذي يشفق عليها، ويدعو لها، وايضاً من اقاربها الذين لم يشعروا بما تعانيه، أغلقت الهاتف وقذفته بعيداً لعلها ترتاح من ضجيجه الذي لا يهدأ، ثم وضعت يداها على وجهها واستمرت جالسه في مكانها، صامته لا تتحدث، انصرفت “شاهي” وقابلت والدها الذي تسائل بلهفة اب :
– عامله أية دلوقتي؟
– منهاره خالص، ومش عارفه اساعدها إزاي ؟
– هتاخد وقتها وتنسى، وأنا هندمه على اليوم اللي فكر يقرب منها.

كان “نبيل” شديد القلق على محبوبته، فشل في الإتصال بها، كرر كثيراً وحين فشل نهض للذهاب إليها، وبعد وقت طويل، وصل لمنزلها، تقدم إحدى الخدم بفتح الباب له، سأل عليها بحب و ود، حينها خرج والدها من غرفة مكتبه، واستشاط منه غضب، وقال بكل حده وتوبيخ له :
– أنت ليك عين يابجح تيجي وتسأل عنها، عايز منها إية بعد ما فضحتنا بعملتك؟
هز رأسه وأغمض عيناه، فهو واقفاً امامه غير مستوعب لكميه هذه الاتهامات التي تلقى عليه بدون مقدمات، اقترب منه، وقال والحيرة تغتاله

“قلوب متوهجه”

بقلم إيمان كمال ✍️
#إيمووو

الثالث
– حضرتك تقصد إيه بالفضايح، أنا مش فاهم حاجة خالص؟
– كفاية تمثيل، حقيقتك انكشفت خلاص؛ الفيديو اللي مع البنت الكل شافه وندى شافته يادنجوان عصرك.
“قالها بسخريه شديده”
– فيديو أية وكلام إيه؟ أرجوك فهمني!
قدم له الهاتف حتى يشاهده بنفسه، صدم مما رآه، عقد لسانه ولجمت الحروف بداخله، شعر أنه ضرب على رأسه بمطرقه أُودت به في توها، وعند هذه اللحظة خرجت “ندى” التي أصبحت عيناها بحور دم من كثره البكاء، صرخت في وجهه تقذفه بأبشع الكلمات التي كانت تحرقها قبله، كانت تتحدث بأنهيار، وألم عاشقه أحبت بشده، وحبيب اذاقها غدر وخيانه، كان يسمعها ولم يستطع أن يبرر مافعله، لأنه لا حقاً لا يتذكر أي شئ ماحدث، وكيف حدث؟ ظل هكذا حتى أنتهت، استجمع شتات افكاره، ونظر لها بعين حزينه قائلا :
– أنا مش عارف إزاي الفيديو ده اتصور، بس كل اللي أقدر أقوله إني أقسم لكِ بحبي أني برئ، وهيجي اليوم اللي تعرفي فيه الحقيقه؛ يومها بس هتندمي على عدم ثقتك فيا.
– برئ..! أي براءة بتتكلم عنها..؟ تقدر تنكر أن اللي في الفيديو ده مش أنت؟ لو تقدر قول، وأنا هصدق، واكدب عيني اللي شافت.
نكس رأسه، ولم يرد، نزعت دبلتها بقوة، وقذفتها في وجهه، ثم اولته ظهرها بخطى ثقيله لا تستطيع أن تسير، تحركت بعض خطوات، لكنها وقعت فاقده للوعي، أسرع مهرولاً حملها، لكن نظره أباها كانت تحذره من ملامستها، أو الاقتراب منها، رمقها بنظرة وداع، وانصرف من حياتها للأبد محملاً فوق عاتقه من العار ما يكفي.

حملها والدها بين يداه ووضعها على فراشها تستريح، ثم هاتف الطبيب لياتي ويتفحصها، ويطمئنه عليها، تقدمت “شاهي” تجلس بجوارها، حزنت لما تعانيه، لكن القدر هو من وضعها في هذا الموقف، وبعد مده آتى الطبيب وافقها، وتفحصها بعناية، ثم خرج وسأل والدها عن حالتها أجابه بهدوء :
– واضح إنها اتعرضت لصدمه شديده أثرت عليها جدا.
– فعلا يادكتور، اتصدمت في خطيبها وكان فرحها بعد أيام.
“قالها الأب بحزن”
– أنا كتبت ليها على بعض الأدوية والمهدئات، لو متحسنتش لازم تتعرض على دكتور نفساني.
تناول منه الروشته، وانصرف الطبيب، وأمر إحدى الخدم بشراء العلاج، ودلج بالداخل يطمئن عليها، جلس بجوارها، وأمسك يقبل يداها، وغرغرت دموعه قلقاً عليها، ربتت “شاهي” قائله :
– هتبقى كويسه ياعمو باذن الله.
نظر لها وجفف دمعه خائنه وردد :
– قومي أنتي يابنتي روحي عشان متتاخريش على والدك المريض.
اومأت بالموافقه، وهمت للانصراف، وهي تلقي عليها نظرة عطف وحزن دفين بداخلها لا أحد يعلمه إلا هي فقط.
جلس بجانبها ولم يستطيع تركها، وكيف يترك فذة كبده بهذه الحاله، ظل يفكر كثيراً كيف ستواجه هذا الموقف الذي وضعت فيه، شعر بها تتململ في فراشها، وإذا بها تصرخ مناديه بأسم حبيبها، ضمها إلى قلبه حتى هدأت وغفت بين يده.

أنصرف “نبيل” وهو يتساءل ماذا حدث له؟ وكيف أتت هذه الفتاة إلى غرفة نومه لتصوره بهذا الوضع المهين؟ أسئلة كثيرة تتصارع داخل رأسه، ولا يجد لها أجابه..!
شعر بمرارة الظلم، ودعى الله أن ينصره مهما طال الوقت، لأنه على ثقه أن دعوة المظلوم ليس بينها وبين السماء حجاب.

ومرت الأيام والاسابيع وحالة “ندى” في تحسن ملحوظ، والدها لم يتركها، وصديقتها كانت تقوم بزيارتها قدر المستطاع؛ نظراً لدخول والدها لأجراء عمليه خطيرة في القلب، وكانت حالته سيئه للغاية، واستمر في غرفة العناية المركزة فترة طويلة والحاله لا تتحسن.
تجلس” ندى” في غرفتها مع “شاهي” ممسكه بهاتفها تشاهد صوره التي لم تستطع أن تحذفها، كانت تشتاق له بشده، فصوره بمثابة المسكن لكل أوجاعها، نظراتها بها لوم وعتاب، افاقت من شرودها على صوت صراخ “شاهي” وبكاءها الذي لا ينتهي، أسرعت إليها والرعب، والفزع يجتاحها صرخت رادفه :
– في أية مالك؟!
– بابا ياندى بلغوني أنه مات… سابني ومات ياندى… مات وظهري اتكسر من بعده…. عملت اللي مايتعمل عشان اخليه يعيش، وفي الاخر مات وسابني… أنا مجرمه… ده ذنبك ياندى، سامحيني…. ده انتقام ربنا ليا… حرمني من أعز الناس لقلبي… دوقت مرارة الفراق زي ما شاركت أنك تدوقيها… اااه ياحبيبي.
أعيش إزاي من بعدك يابابا… ده مليش في الدنيا غيرك.
قالت كل حديثها بين شقهاتها، فكانت الكلمات غير واضحه، لكن استوقفت عند كلماتها الأخيره، لكنها لم تعلق بشئ، واكتفت بضمها الآن؛ لأنها في امس الحاجة ليد تربت عليها وتشعرها بالأمان، بكت صاحبة القلب المرهف من أجلها وقالت بنبره حنان :
– اهدي ياشاهي، ربنا يرحمه ويصبرك، أنا هكلم بابا عشان يشوف الإجراءات.

امسكت الهاتف لتبلغه بما حدث، أمر مدير مكتبه ليتم أجراءات الدفن.
ومر اليوم بكل أحزانه على الجميع، لم تترك “ندى” صديقتها الملكومه تحاول قدر استطاعتها أن تخفف عنها حزنها.

وفي ذات يوم نظرت “شاهي” لها وقالت وهي ناكسه رأسها خجلاً منها، لم تستطع مواجهتها، وتضع عيناها في أعينها :
– ندي أنا لآزم اعترفلك بالحقيقة، أنا ضميري بيأنبني جدا، ولازم ازيح الجبل اللي على قلبي، وأقولك على كل حاجة.
– في إيه ياشاهيناز اتكلمي حببتي، مالك متردده ليه كده؟ إحنا طول عمرنا واحد ومش بنخبي على بعض حاجة ابدا.
نهضت من مجلسها، واولتها ظهرها، وتحركت بخطى بطيئة في الغرفه قائله :
– ارجوكي بلاش تعامليني بالطريقة دي، أنا مستحقش نبل أخلاقك ده، أنا مستحقش عطفك، وحبك اللي مغرقاني فيه.
– أنا مش فاهمه تقصدي أيه بكلامك ده؟ ياعبيطة أحنا اخوات، اية الكلام ده، وعطف إيه! بس بس بلاش هبل.

اقتربت منها وامسكتها من ذراعيها وقالت بانهيار وبكاءها على وجنتيها ناراً تحرق كل من حولها قائله :

– اسكتي أنتي طيبه ومش فاهمه اي حاجة.

“قلوب متوهجه”
بقلم إيمان كمال ✍️
#إيمووو

الرابع

– اسكتي أنتي طيبة ومش فاهمه أي حاجة، أنا مجرمه، أنا اللي ساعدت ابوكي أنه يفرق بينك وبين نبيل.

– أيه اللي بتقوليه ده؟ مستحيل أنتي تعملي كده؟ طب إزاي ! اتوقع من اي حد الا أنتي ! أنا مليش غيرك صاحبه وأخت، أنتي ياشاهي تدبحيني بالشكل ده؟ أنا كنت بمـ,ـوت قدامك كل يوم الف مره، وهونت عليكي تسبيني كده، مش ممكن !

– سامحيني كان غصب عني، كنت بمـ,ـوت عشانك، بس مقدرتش أرفض، ابوكي استغل احتياجي للفلوس عشان عمليه بابا، كنت عايزة مبلغ كبير أوي، لما عرف أن حالة بابا صعبه ومحتاج عمليه خطيرة عرض عليا يجيب دكتور من بره متخصص مقابل أني أنفذ معاه خطته.

– خطة أية؟

– هقولك كل حاجة.

“اخذت نفس عميق، واخرجته ببطئ، ثم أكملت”

اتفق معايا إني اوريكي الفيديو اللي صوره، وأكد أنه طمعان فيكي.

– بابا…! بابا صوره إزاي؟ وهل نبيل كان عارف وواعي بكل ده؟

– ابدا والله مايعرف؛ ابوكي كان موصي حد يراقبه ويتابعه من زمان، ويبلغه بكل حاجة عنه، بحيث يستغل اي غلطة عشان يفضحه عندك، ولما فشل بالصدفه أكتشف أن واحد جاره ساكن معاه، بيحقد عليه وبيكره، واتخانق معاه؛ ابوكي خلى الراجل اللي بيراقب نبيل يتفق معاه، واداله مبلغ كبير اوي عشان ينفذ المطلوب.

قاطعتها باستفهام متسائله:

– اية هو المطلوب ده؟

– أنه يروح عنده ويعتذرله، ويبين آسفه الشديد، ولما يقبل اعتذاره، يطلب منه يشربوا شاي مع بعض، وفي لحظه يحطله مخدر قوي في الكوبايه، ولما يتأكد أنه نام خالص، يشيله يحطه على السرير، ويقلعه هدومه، والبنت اللي كان متفق معاها تدخل ويصور المشهد فيديو، وبعد ما خلص، لبسه الهدوم تاني، وكأن محصلش اي حاجة، والباقي أنتي عارفاه.

كانت تسمعها كأنها تسرد لها قصة فيلم سينمائي هابط، غير مصدقه لما تفوهت به، صدمتها في صديقتها أشد من صدمتها في والدها، الذي طوال عمره يفكر في أمر واحد في الحياة ويكيل الناس به؛ هو المال، من يمتلك المال فهو يستحق الأحترام والتقدير، أما المجتهد الذي يعمل بشرف ينظر له بأنه طامع في ثروته الضخمة؛ لذا كان يكره “نبيل” لأنه مكافح في الحياة، لقد أستغل أحتياج أعز صديقة لها لنشاركه في هذه المؤامره الحقيرة، والآن واقفه عاجزة أن تغفر لها، وتصفح، ظلت صامته ودموعها وعيناها هي من تتحدث، وتعاتب، نطقت “شاهي” بعد طول الصمت رادفه :

– ارجوكي بلاش تسكتي كده!
اشتميني، أضربيني حتى، أنا راضيه، أو اطرديني من حياتك كلها، بس بلاش تكتمي وتبكي عليا، أنا مستحقش دمعه واحده من عيونك، ربنا عاقبني ياندى أشد عقاب، اللي عملت عشانه كده، مات وسابني، كفاية عليا وجعي، ارحميني عشان خاطري.

– عشان خاطرك..! وأنا كان فين خاطري عندك ياشاهي لما اشتركتي ودبحتيني معاه؟ طب كنتي اطلبي مني وأنا اتصرفلك مهما كان المبلغ، كنت هحاول اجمعه ليكي، بدل ما تبعيني معاه.

– والله ما فكرت غير إني أنقذ ابويا، والدك مدنيش اي فرصة للتفكير، أستغل لحظة ضعفي، وضرب على الحديد وهو سخن، وكل حاجة جت بسرعه معرفش إزاي؛ زي ما أكون مغيبه ومش في وعي، خصوصاً أن حالة بابا كانت متأخرة جدا، ومحتاج لتدخل فوراً.
وحياة نبيل عندك سامحيني.

– نبيل…! أنا نفسي مش عارفه هقدر اواجهه إزاي، وأعتذرله بأي وش. أكدب عليكي لو قولتلك أني هقدر أسامحك، غير في حالة واحده.

– إيه هي قولي بسرعه؟ أنا مستعده أعمل اي حاجة تطلبيها مني.

– لو نبيل سامحني؛ هسامحك ياشاهي.

– أنا هعمل المستحيل عشان يسامحك، هقابله واعرفه أنك كنتي ضحية مؤامرة محبوكه من والدك، أنا هقوم حالاً وأروحله، ويارب يسمعني.

أنصرفت للذهاب إليه، وشرحت كل شئ له بالتفصيل، رفع يده وشكر ربه على ظهور براءته أمامها، لكن قلبه مازال ينزف دماً علي من أحبها ولم تقف وتكذب الجميع، جاهدت “شاهي” في التوسل إليه ليغفر لها ويسامحها، لكنه آبى بشده، وقال :

– اللي ينكسر عمره ما يتصلح تاني، وأنا جوايا شرخ عمره ما هيلتئم من جديد، وجرحي من ندى عميق أوي.

– أرجوك بلاش تظلمها، اديها فرصه ثانيه اسمعها فيها، والله ندى مظلومه وضحية أب أناني، مش بيفكر غير في الفلوس وبس.

– خلاص ياشاهي؛ اللي كان بينا أنتهى، وندى قطعت كل الخيوط اللي بتربطنا، وأنا يكفيني أن براءتي بانت وظهرت، مش عايز حاجة تاني.

شعرت باليأس من حديثه، وتركته حزينة إلى منزلها، فلم تستطع مواجهة صديقتها مرة أخرى؛ لكنها قررت أن تتركه وتعاود محادثته مره ثانيه.

“بـــــاك”
افاقت “ندى” من شرودها وتذكرها ما مضى، على صوت آلة تنبيه خلفها، لم تشعر أنها أقتربت من منزلها وتسائلت نفسها، كيف سارت كل هذه المسافة البعيده من منزله إلى هنا سيراً على اقداماها؟ كيف نسيت أنها لم تستقل سيارتها، وتركتها بجوار منزله؟
الهذه الدرجة كانت تائهه لا تعي، فاقده كل حواسها؟!
دلجت بالداخل وجدت والدها يجلس في هول القصر قال متسائل :

– كنتي فين ياندى؟

– كنت بصلح غلطي.
“قالتها بمرار”

نظر لها بتعجب وقال متسائل :

– غلطة أية ياحببتي؟

“قلوب متوهجه”
بقلم إيمان كمال ✍️
#إيمووو

الفصل الخامس

– غلطة أية ياحببتي؟

– حببتك…! أنت واثق يابابا أني فعلاً حببتك؟

– مالك يابنتي بتتكلمي كده ليه النهاردة؟ طبعاً بنتي وحببتي اللي طلعت بيها من الدنيا كلها.

قذفت حقيبة يداها بعنف على المقعد القريب منه، ثم انهارت قوتها وردت عليه بحده وصوت مرتفع للمره الأولى تتحدث بهذه الطريقه :

أنت بجد مقتنع بالكلام ده يا عباس بيه..! أنت للأسف عمرك ما بتعرف تحب، مش بتحب غير الفلوس، وجمعها، أنت مش بتعرف تشوف حد بيحب حد غير لما تهدم الحب اللي بينهم وتقـ,ـتله بدم بارد، ليه كده يابابا؟! عملت فيك أية عشان تحرمني من الإنسان الوحيد اللي حبيته واتمنيته؟! حرمتني من حبه بمؤامره خسيسه ليه؟ فاكر أن الناس كلها طمعانه في الثروه الكبيرة بتاعتك، لا ياوالدي في ناس الشرف، والعفه عندها أعظم من كنوز الدنيا، نبيل رفضني وطلعني من حياته، رفض فلوسك، وجاهك وبنتك، يارب تتأكد دلوقتي أنه مش طمعان فيك.

كان والدها جالساً مهموماً، حزيناً لما أصابها، لكنه غير قادراً للدفاع عن نفسه، فهو حقاً مخطأ؛ لكنه من شدة حبه لها خشى عليها منه، أراد زوجاً لها مناسب، ومن نفس طبقتها، طال الصمت بينهما، نظرت له بأنكسار وهزيمه قائله :

– أنا مش هقدر أعيش معاك تاني، ولا هقدر أفضل في بلد نبيل مش جنبي.

رمقها بنظرة حزن وندم متسائل :

– هتروحي فين وتسبيني ياندى؟

– هروح عند عمتي ياسمينا في دبي، فاكرها ولا نستها هي كمان؟ اللي حرمتني منها، لكنها عمرها ما بطلت تسأل عليا وتكلمني، الوحيده اللي لجأت ليها أشكي همي، وارمي حزني جواها، فاكر عملت فيها أية هي كمان؟
عملت فيها زي ما عملت معايا ويمكن العن كمان، دبحتها وحرمتها من حببها وسجنته؛ بس هي كانت أشطر مني ومبعتهوش، ووقفت جنبه واستنته لحد ما خرج واتجوزته، لأنها كانت واثقه فيه، أنه شريف وعفيف، وسافرت وبعدت عنك، وسابت كل حاجة وفازت بحببها.

وتوالت الضربات فوق رأسه، ضربة تلو الأخرى، تذكر أخته الوحيده، وما فعل في حقها، وبعدها عنه، وتركها له البلاد، وكأن الزمن يعيد من جديد، ويكرر ما فعله مرة أخرى، ومع من؟ مع ابنته الوحيده، حقاً أنه لم يتعلم من أخطاء الماضي، ظل هكذا يجلد نفسه، وهي ناظرة له بعتاب ولوم، تشجع وقال :

– أوعى تسبيني ياندى، أنا مليش غيرك، مقدرش أعيش من غيرك، انتي كل حياتي ياندى.

– لأ ليك غيري، فلوسك اللي بتحبها أكتر مني، وجرحت الكل عشان محدش يقرب منها، خلاص يابابا كل حاجة ظهرت، وعرفت الحقيقه، كلمت عمتو وهروح أعيش معاها اللي فاضل من عمري، وأبعد أحاول الملم جرحي يمكن أقدر أنسى.

– ندي.

اولته ظهرها، ودلجت غرفتها، تجهز حقيبتها حتى تغادر هذه البلاد، تاركه خلفها كل أحزانها وأوجاعها.

ظل “عباس” جالساً في مكانه لا يستطيع أن ينهض، قداماه ملتصقه في الأرض، غير قادر على الوقوف عليها، تنهد بوجع، سأل نفسه لماذا يفعل هكذا في من يحبهم؟ لماذا يسقيهم كأس العذاب، المرار، والفراق؟ هل كل هذا من أجل حبه للمال حقاً كما يدعون، وخوفه من ضياعه؟ هل يستحق الإنسان أن يضيع أحبابه من أجل الحفاظ على المال؟ وقف فجأة وقال بصوتٍ جاهراً :

– ولا كنوز الدنيا كلها تساوي ندى، وياسمينا، أنا لازم الحقها قبل ما تسبني، وتبعد عني.

توجهه مهرولا إليها، طرق على الباب كثيراً، لكنها لم ترد عليه، فقد أغلقت بالمفتاح؛ لاتريد أن تتحدث إليه وتواجهه مره تانيه، ظل يحدثها كثيراً، ويعتذر مراراً وتكراراً، لكنها لم تحن عليه، هي تريد فقد ما ضاع من يداها، تريد حبيبها ولا أحد سواه.
فقد كانت شارده، لا تسمع ما يقول من حديث، متذكره كلمات عمتها فقد هي من ترن في أذنيها، ونصيحتها بالتمسك بمن تحب، لأنه يستحق، أمسكت هاتفها وكتبت له رساله عبر الواتس اب….
يامن أحببته من كل قلبي، فجرحته من شدة عشقي له، جئت إليك بكل أنكسار باكيه أرجو منك الصفح، لكنك لم تغفر، سأرحل بعيداً لعلي أستطيع تطيب جراح قلبي بحرماني منك، سأترك لك فرصه للعفو، فأن استطعت، ابعث لي وستجدني راكضه إليك بكل حنين وشوقٍ، وإذا لم تستطع لن أعود إلى وطن لم تكن بداخل أحضاني.

أرسلتها ولم تنتظر الرد، وأغلقت هاتفها، وغفت من شدة التعب في سبات، لا تبالي بمن يقف خلف الباب.

يأس من كثرة الحديث معها، دلف بخطى بطيئه إلى غرفته، واستلقى على فراشه، ظل متقلباً على جانبيه، كأنه يرقد على حمم بركانية، جاهد أن تغفو جفون عينه، لكنها آبت، فكيف تفغو وضميره يحرقه على ما فعل في أقرب المقربين له.

وأشرق ضياء صباح يوم جديد، نهض “عباس” يعاود المحاوله مع ابنته، فتح باب غرفتها بعد عده طرقات خفيفه، وجد الغرفه فارغه، وخزانة ملابسها ايضاً فارغه، ايقن إنها غادرت القصر ونفذت تهديدها وسافرت وتركته وحيداً، لم تتمالك روحه على بعادها، جلس على فراشها محتضن وسادتها، منادي على حروف أسمها، ودموعه متساقطة لا يستطيع منعها، فهذه الدموع كانت بمثابة السحر له؛ أغتسلته وطهرته من كل ما بداخله، كره المال وجمعه، كره كل شئ؛ فهو على أستعداد أن يضحي به في سبيل رجوع أحبابه لاحضانه مرة ثانيه، مهما كلفه الأمر لابد من أصلاح الماضي، والحاضر.

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *