حماتي لبست
الإسورة اللي قلبت عشا الطلاق لچحيم!
حماتي لبّست عشيقة جوزي إسورة دهب قديمة في عشا طلاقي، وبعدها رفعت كوباية الشرب وقالت قدام عيلتها كلها أهو أخيرًا دخلت العيلة الست اللي تستاهل مكانها وسطنا!… واللي قاعدين على الترابيزة انفجروا بالتصفيق، وجوزي بصلي بابتسامة شماتة، كأنه أخيرًا اتخلص من الست اللي كانت واقفة في طريق سعادته.
لكن اللي محدش فيهم كان يعرفه، إن الإسورة اللي لبّسوها لعشيقته كانت ملك أمي الله يرحمها، وإن اختفاءها بعد ۏفاة أمي كان بداية سر أكبر بكتير من مجرد سړقة قطعة دهب.
أنا كنت قاعدة في مكاني، بسمع ضحكهم، وبحاول أستوعب إزاي الناس اللي كنت باعتبرهم عيلتي قدروا يوصلوا للدرجة دي من القسۏة.
بس اللي حصل بعد ما قلبت الإسورة وشفت الرقم المحفور تحت القفل، كان كفيل إنه يمسح الابتسامة من على وشوشهم كلهم.
لأنهم كانوا فاكرين إنهم بيحتفلوا بطلاقي…
وما كانوش يعرفوا إنهم بيحتفلوا باللحظة اللي هتبدأ فيها نهايتهم.
الليلة دي كان المفروض تكون آخر صفحة في جوازي.
تسع سنين قضيتهم مع راجل كنت فاكرة إني اخترته بعقلي وقلبي، وتسع سنين حاولت فيهم أكون الزوجة اللي تسند جوزها، وتحافظ على بيته، وتقف جنبه في كل أزمة.
لكن في السنة الأخيرة من عمر أمي، اكتشفت إن كل اللي بنيته كان بيتهاوى من ورا ضهري.
كنت بقضي معظم وقتي بين بيتي والمستشفى، بعتني بأمي في أيامها الأخيرة، بينما جوزي كان بيقضي وقته مع ست تانية.
في الأول، كنت بحاول أصدّق إن عنده ضغوط في الشغل، وإن انشغاله وبعده عني مجرد فترة وهتعدّي.
لكن كل ما كنت أرجع من المستشفى، كنت ألاقيه أبعد من اليوم اللي قبله.
لحد ما الحقيقة ظهرت قدامي، ومبقاش فيه مجال للإنكار.
كان بيخوني.
والأصعب من الخېانة نفسها، إنه ما حاولش حتى يصلّح اللي عمله.
لما واجهته، بصلي ببرود وقال إن مشاعره اتغيرت، وإنه مش عايز يكمل حياته مع واحدة بقت كل أولوياتها لأمها المړيضة.
وقتها، حسيت إن قلبي اتكسر مرتين.
مرة بسبب أمي اللي كنت عارفة إني هفقدها في أي لحظة، ومرة بسبب الراجل اللي كنت محتاجة وجوده جنبي أكتر من أي وقت فات.
وبعد ۏفاة أمي، بدل ما يسيبني آخد وقتي في حزني، بدأ يضغط عليّا عشان ننهي الجواز بسرعة.
كان عايز الطلاق يتم من غير مشاكل، ومن غير ما الناس تعرف تفاصيل خيانته.
وأنا وافقت.
مش لأني سامحته، ولا لأني ما كنتش قادرة أدافع عن حقي.
وافقت لأني اكتشفت إن الاحتفاظ براجل مش عايزك، معركة ملهاش أي مكسب.
كنت عايزة أخرج من حياته بكرامتي، وأبدأ من جديد بعيد عن كذبه وإهاناته.
لكن عيلته كان ليها رأي تاني.
حماتي أصرت إننا نتعشى كلنا قبل ما إجراءات الطلاق تخلص، وقالت إن دي طريقة محترمة نقفل بيها صفحة التسع سنين.
قالت لي في التليفون إن مهما حصل، أنا فضلت مرات ابنها فترة طويلة، وإنها مش عايزة الفراق ينتهي بخناقة.
صدّقتها.
أو يمكن كنت عايزة أصدّق إن لسه فيه ذرة احترام للسنين اللي عشتها معاهم.
روحت المطعم في الموعد المحدد، وكنت لابسة فستان بسيط، وشعري مربوط، ومن غير أي مجوهرات تقريبًا.
كنت لسه مش قادرة ألبس حاجات أمي، لأن كل قطعة منها كانت بتفكرني بيها.
دخلت القاعة الخاصة اللي حجزوها للعشا، ولقيت العيلة كلها موجودة.
لكن المفاجأة اللي كانت مستنياني، إن عشيقة جوزي كانت قاعدة جنب حماتي، في المكان اللي كنت بقعد فيه طول السنين اللي فاتت.
كانت لابسة فستان غالي، وشعرها متصفف بعناية، وعلى وشها ابتسامة واحدة داخلة مكان عارفة إنه بقى من حقها.
بصت لي من فوق لتحت، وبعدها حرّكت كرسيها شوية عشان تقرّب من جوزي.
هو ما قامش يسلم عليّا، وما حتى حاولش يخفي إيده اللي كانت قريبة من إيدها تحت الترابيزة.
اكتفى إنه قال
اتفضلي، إحنا مستنيينك.
قعدت في أبعد مكان عنهم، وطلبت مية.
ما كنتش عايزة أشرب أي حاجة ممكن تخليني أفقد هدوئي، لأن إحساسي من أول لحظة إن الليلة دي مش معمولة عشان الوداع.
كانت معمولة عشان يثبتوا لي إنهم انتصروا.
وبالفعل، بعد شوية، حماتي رفعت كوباية الشرب وقالت
حابّة أقول كلمة صغيرة قبل ما نكمل العشا. ساعات في حياتنا بنضطر نقفل أبواب عشان نفتح أبواب تانية، ومش كل نهاية تبقى خسارة. أوقات النهاية بتكون أحسن حاجة حصلت لنا.
كل اللي على الترابيزة هزوا راسهم موافقين.
وبعدين بصت لعشيقة جوزي، وابتسمت لها.
وأوقات ربنا بيبعد عننا ناس عشان يرزقنا بناس أنسب.
حسيت إن الكلام موجه ليا، لكني ما علقتش.
جوزي مسك إيد الست اللي جنبه وقال
المهم إن الواحد في الآخر يعرف هو عايز إيه، ويكون مع الشخص اللي فاهمه بجد.
ضحكات خفيفة طلعت من كذا شخص.
أنا شربت رشفة مية، وحطيت الكوباية على الترابيزة.
كان عندي كلام كتير أقدر أقوله، لكني قررت إنهم مش هيشوفوا دموعي، ولا هديهم فرصة يحوّلوا ۏجعي لحكاية يتسلّوا بيها بعد العشا.
افتكرت أمي وهي على سرير المستشفى، لما مسكت إيدي في يوم كانت تعبانة فيه جدًا، وقالت لي بصوت ضعيف
يا بنتي، أوعي تفتكري إن سكوتك عن الغلط معناه إنك ضعيفة. بس كمان أوعي تسمحي لحد يستغل طيبتك ويخليك تشكي في نفسك. في فرق بين إنك تسامحي، وإنك تسيبي حقك.
ساعتها ما فهمتش ليه قالت الكلام ده بالطريقة دي.
لكن الليلة دي، وأنا قاعدة وسط ناس كانوا بيحتفلوا پانكساري، بدأت أفهم.
حماتي فجأة حطت كوبايتها على الترابيزة، واعتدلت في قعدتها.
قبل الحلو، عندي هدية صغيرة حابة أقدمها.
طلعت علبة قطيفة لونها كحلي من شنطتها.
عشيقة جوزي حطت إيدها على بقها، وقالت
إنتِ بتتكلمي بجد؟
حماتي ضحكت.
افتحيها وشوفي.
لكن بدل ما تديها العلبة، فتحتها بنفسها ورفعتها قدام الموجودين.
كانت جواها إسورة دهب تقيلة، محفور على أطرافها ورق شجر رقيق، وفي نصها قطعة بيضاوية صغيرة.
كل اللي على الترابيزة قربوا يبصوا عليها.
حماتي قالت بفخر
الإسورة دي مش مجرد دهب. دي رمز للوفاء والانتماء للعيلة. طول عمرها بتتقدم للست اللي تثبت إنها تستاهل تكون جزء مننا، وتحافظ على اسم العيلة.
وبعدين قامت من مكانها وراحت وقفت جنب عشيقة جوزي.
وأنا شايفة إن الوقت جه إنها تكون في إيد صاحبتها الجديدة.
قفلت الإسورة حوالين معصمها.
التصفيق بدأ من أول الترابيزة، وبعدها انتشر بين الموجودين.
عشيقة جوزي رفعت إيدها ناحية النور، وفضلت تتأمل لمعان الدهب.
دي أجمل هدية جت لي في حياتي.
حماتي باستها على خدها.
إنتِ تستاهلي أكتر من كده.
جوزي رفع كوباية الشرب وقال
نخب العيلة.
وكلهم كرروا وراه.
إلا أنا.
لأني في اللحظة دي ما كنتش شايفة غير الإسورة.
كنت أعرف شكلها.
أعرف النقوش اللي عليها.
أعرف القطعة البيضاوية اللي في النص.
وكنت متأكدة إن دي مش مجرد إسورة شبه حاجة شفتها قبل كده.
دي كانت إسورة أمي.
أمي كانت عندها مجموعة مجوهرات نادرة، مش لأنها أغلى حاجة في الدنيا، لكن لأن كل قطعة فيها كانت مرتبطة بتاريخ عيلتنا.
جد جدي كان طلب تصميم المجموعة دي سنة 1958، واستعان بصنايعي دهب مشهور وقتها، وكان حريص إن كل قطعة يكون ليها شكل مميز وعلامة خاصة ما تتكررش في أي قطعة تانية.
كان فيه عقد، وحلق، وخاتم، وبروش، والإسورة اللي كانت قدامي دلوقتي.
أمي كانت بتحافظ عليهم كأنهم جزء من روحها. وكانت دايمًا تقول إن قيمة الحاجة مش في تمنها، لكن في الحكاية اللي وراها.
بعد ۏفاتها،