حماتي لبست

كان مطابقًا تمامًا للسجلات والصور القديمة.
بناءً على ده، تم اتخاذ الإجراءات اللازمة لاسترداد الإسورة وتسليمها لصاحبة الحق فيها.
ما كانش فيه احتفال، ولا تصفيق، ولا ناس بترفع كوباياتها.
كان فيه محضر استلام، ومستندات اتراجعت، وتوقيعات اتسجلت، وكل خطوة اتعملت بالطريقة القانونية المطلوبة.
وفي يوم استلام الإسورة، رحت للمكتب ومعايا صندوق أمي.
لما شفتها قدامي على الترابيزة، حسيت إن قلبي بيوجعني.
مش عشان قيمتها المادية.
لكن عشان افتكرت أمي وهي بتقعدني جنبها، وتفتح صندوق المجوهرات، وتحكي لي حكاية كل قطعة.
افتكرت إيديها وهي بتمسك الإسورة وتقول لي
الحاجات دي مش مجرد دهب يا بنتي. دي أمانة. واللي يحافظ على الأمانة، حتى لو خسر حاجات كتير، عمره ما يخسر نفسه.
مديت إيدي، ولمست الإسورة برفق.
وبعدين حطيتها في الصندوق، وقفلت الغطا.
المحامي سلّمني نسخة من المستندات، وقال
كده ملكية الإسورة رجعت لصاحبتها، وكل الإجراءات المتعلقة باستردادها اتوثقت. لو ظهرت أي معلومات جديدة عن طريقة اختفائها، هنراجعها وفقًا للقانون.
شكرته، وخرجت.
في العربية، فتحت الصندوق مرة أخيرة.
بصيت للإسورة، وبعدها قفلت الغطا.
ما كنتش عايزة ألبسها في اللحظة دي.
كنت عايزة أرجعها لمكانها وسط باقي حاجات أمي، وأحس إن جزءًا من ذكراها رجع لي.
لكن قبل ما أوصل البيت، جالي اتصال من جوزي.
رديت.
كان صوته مختلفًا، مفيهوش الڠضب القديم.
قال
ممكن نتقابل؟
سألته
ليه؟
عايز أتكلم معاكي.
لو عندك حاجة تخص الإجراءات، اتكلم مع المحامي.
قال بسرعة
لأ، الموضوع مش كده. أنا عايز أعتذر.
سكت لحظة، وبعدها قال
أنا عارف إن اللي حصل كان غلط. وأمي ما كانش المفروض تعمل كده.
قلت له
الموضوع ما بقاش محتاج اعتذار.
أنا كنت تحت ضغط. ما كنتش عايز أخسر أمي، وما كنتش عايز أدخل في مشاكل.
سألته
وعشان كده قررت تسكت عن حاجة تخص أمي؟
ما ردش.
قلت له
إنت كنت عارف إن الإسورة ممكن تكون ملك والدتي؟
سكت فترة طويلة.
وبعدين قال
أنا كنت شاكك.
غمضت عيني.
الكلمتين دول كانوا أقسى من كل الإهانات اللي سمعتها منه في عشا الطلاق.
لأنه ما كانش مجرد شخص جاهل بالحقيقة.
كان عنده شك، واختار إنه يتجاهله.
سألته
من إمتى؟
قال
من وقت ما أمي جابت الإسورة. سألتها عنها، فقالت لي إنها اشترتها من شخص يعرفها.
وإنت صدقتها؟
رد بصوت منخفض
ما كنتش عايز أفتح مشاكل.
قلت له
لكن ما عندكش مشكلة تسيبني أتعرض للإهانة قدام عيلتك، وتضحك وإنت شايفني قاعدة لوحدي، وتحتفلوا بحاجة مش ملككم.
قال بسرعة
أنا آسف.
بصيت للطريق قدامي.
كنت مستنية منه الاعتذار ده من شهور، لكن لما جه، ما حسيتش بأي راحة.
لأن المشكلة ما كانتش في إنه خانني بس.
المشكلة إنه لما بقى عنده فرصة يختار بين الصح والغلط، اختار راحته على حساب حقي.
قلت له
إنت عارف إيه الفرق بيني وبينك؟ أنا كنت فاكرة إن الجواز معناه إننا نقف جنب بعض وقت الشدة. إنت كنت فاكر إن الجواز معناه إني أتحمل كل حاجة، حتى لما تكون إنت السبب فيها.
صوته اتكسر.
أنا عارف إني غلطت.
قلت
إنت غلطت من يوم ما خڼتني، وغلطت لما استهنت بحزني على أمي، وغلطت لما سكت عن الشك اللي كان عندك، وغلطت لما شاركت في إهانتي. والإسورة كانت مجرد اللحظة اللي كشفت كل ده.
سكت.
وبعدين سألني
يعني مفيش أي فرصة؟
رديت بهدوء
إحنا اتطلقنا من وقت ما قررت إن وجودي في حياتك بقى عبئًا عليك. الورق جه بعد القرار، مش قبله.
ما ردش.
قفلت المكالمة، وكملت طريقي.
ولأول مرة من فترة طويلة، حسيت إن قلبي هادي.
مش لأن كل حاجة اتصلحت.
لكن لأنني ما بقيتش مستنية منه حاجة.
عشا تاني… لكن المرة دي أنا اللي حطيت النهاية
بعد استرداد الإسورة، بدأت الأخبار تنتشر وسط العيلة.
الناس اللي كانوا بيصفقوا في عشا الطلاق، بقوا يسألوا إيه اللي حصل، وليه الموضوع وصل للمحامين.
بعضهم حاول يبرر موقفه، وقال إنه ما كانش يعرف إن الإسورة ملك أمي.
وبعضهم قال إنه افتكرها هدية عادية.
أنا ما دخلتش في جدال مع حد.
اللي ما كانش يعرف، ما كنتش هحاسبه على حاجة ما يعرفهاش.
لكن اللي عرف الحقيقة، واختار يضغط عليّا عشان أسكت، ما بقاش له مكان في حياتي.
بعد فترة، وصلتني دعوة لعشا عائلي صغير.
حماتي كانت عايزة تقابلني وتتكلم، وقالت إنها مش عايزة نهاية علاقتنا تكون بالشكل ده.
في البداية، رفضت.
لكن بعد ما فكرت، قررت أروح، بشرط إن اللقاء يكون في مكان عام، وإن المحامي يكون عارف بموعده، وإن مفيش أي نقاش بخصوص الإجراءات اللي انتهت بالفعل.
وصلت في الموعد.
كانت حماتي قاعدة لوحدها.
مفيش تصفيق.
مفيش عشيقة لابسة إسورة أمي.
ومفيش جوزي بيبتسم في انتصار.
مجرد ست قاعدة قدامي، ووشها باين عليه التعب.
قالت
أنا عارفة إنك مش هتسامحيني بسهولة.
رديت
أنا مش جاية أتكلم عن المسامحة.
نزلت عينيها وقالت
أنا كنت عايزة أفرح بابني. كنت شايفة إنكوا خلاص انتهيتوا، وإنه يستحق يبدأ حياته من جديد.
قلت لها
وده كان حقه. كان يقدر ينهي الجواز، ويبدأ حياة جديدة، من غير ما يجرحني أو يهينني.
قالت
أنا غلطت لما قدمت الإسورة بالطريقة دي.
سألتها
إنتِ كنتِ تعرفي إنها ملك أمي؟
اترددت، وبعدها قالت
كنت عارفة إنها من مجموعة قديمة، لكن ما كنتش متأكدة إنها بتاعت والدتك.
قلت لها
لكن لما عرفت إن الرقم مطابق، بدل ما توضحي الحقيقة، حاولتي تمنعيني من السؤال.
ما ردتش.
قلت لها
إنتِ كنتِ تقدري تقولي إنك مش عارفة مصدرها، وتسيبي الموضوع يتراجع. لكنك اخترتي إنك تتهميني إني بحاول أفسد فرحة ابنك.
عينيها دمعت.
أنا كنت خاېفة من الڤضيحة.
رديت
وأنا كنت خاېفة على أمي وهي بټموت، لكن ما استخدمتش خۏفي عشان أبرر إني أؤذي حد.
فضلت ساكتة.
وبعد شوية، قالت
أنا خسړت ابني، وخسړت احترام الناس، وخسرتك إنتِ كمان.
بصيت لها بهدوء.
إنتِ ما خسرتينيش النهارده. إنتِ خسرتيني من يوم ما قررتي إن كرامتي أقل أهمية من فرحتك.
قامت من مكانها، كأنها عايزة تقول حاجة، لكنها رجعت قعدت.
هل فيه أي طريقة نرجع بيها زي الأول؟
هزيت رأسي.
مفيش حاجة هترجع زي الأول. ومش كل حاجة لازم ترجع زي الأول عشان نقدر نكمل حياتنا.
سألتني
يعني مش هتفضلي شايلة مننا؟
فكرت لحظة، وبعدها قلت
أنا مش عايزة أعيش طول عمري شايلة ڠضب. لكن ده مش معناه إني هسمح لنفسي أرجع لنفس المكان اللي اتأذيت فيه. أنا سامحت نفسي إني صدقتكم، وسامحت نفسي إني فضلت أحاول أصلح جواز كان انتهى من زمان. أما الثقة، فدي مش حاجة أقدر أرجعها بمجرد اعتذار.
ما كانش عندي كلام تاني أقوله.
قمت من مكاني، وسلمت عليها، ومشيت.
وأنا خارجة، سمعتها بتناديني.
الټفت.
قالت
الإسورة دي كانت آخر حاجة بيننا. دلوقتي مفيش أي حاجة تربطك بابني أو بعيلتنا.
بصيت لها، وابتسمت ابتسامة هادية.
الإسورة ما كانتش بتربطني بيكم. دي كانت بتربطني بأمي.
وبعدين خرجت.
النهاية اللي ما كانوش مستعدين لها
بعد شهور، بقيت حياتي أهدى.
رجعت أشتغل، وبدأت أرتب بيتي من جديد، وأتخلص من الحاجات اللي كانت بتفكرني بالأيام الصعبة.
ما كانش سهل أبدأ من الصفر بعد تسع سنين جواز، لكني اكتشفت إن الوحدة أرحم بكتير من إنك تعيش وسط ناس كل يوم بيخلوك تشك في قيمتك.
أما الإسورة، فحطيتها في صندوق أمي، جنب باقي القطع اللي رجعت لي.
ما لبستهاش.
قررت أحتفظ بيها زي ما كانت أمي بتحتفظ بيها، لحد ما ييجي الوقت اللي أكون فيه مستعدة أحكي حكايتها من غير ما أحس بالۏجع.
وفي يوم، وأنا براجع أوراق أمي، لقيت الورقة اللي كانت كاتباها عن المجموعة.
قرأت الجملة مرة تانية
المجموعة دي أمانة في رقبة بنتي.
وقتها فهمت إن الأمانة ما كانتش الإسورة نفسها.
الأمانة كانت

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *