يا ابي انا بسرق التراب
تومي كان بيقول إنهم عايشين في الظلال.
البيت كان صغير، بابه مخلوع من مفصلاته، والشباك الأمامي مكسور.
تومي جري لجوه وهو بينادي
تيتة إيلينا! تيتة!
لكن مفيش رد.
دخلت وراه، وأنا براقب كل ركن في المكان.
الأوضة كانت متلخبطة، والأدراج مفتوحة، والهدوم مرمية على الأرض.
لكن الغريب إن مفيش حاجة ثمينة اتسرقت، رغم إن البيت كان واضح إنه اتفتش پعنف.
كأن اللي دخل ماكانش بيدور على فلوس.
كان بيدور على حاجة محددة.
تومي وقف قدام باب صغير في آخر الطرقة.
دي أوضة ماما.
فتح الباب، ودخل ببطء.
كانت الأوضة بسيطة جدًا؛ سرير قديم، دولاب خشب، وصورة صغيرة لست شابة شايلة بنت رضيعة.
لما شفت الصورة، قربت منها.
الست كانت جميلة، وعينيها شبه عيون تومي بشكل لافت.
لكن اللي صدمني فعلًا كان القلادة اللي في رقبتها.
قلادة فضية عليها شعار عيلة مورجان.
نفس الشعار المحفور على باب خزنتي القديمة!
همست لنفسي
إزاي؟
تومي سمعني وسألني
إنت تعرف ماما يا بيه؟
ماعرفتش أرد.
كنت حاسس إن فيه حاجة جوايا بتحاول ترجع لسطح ذاكرتي، حاجة مدفونة من سنين.
فجأة، تومي ركع على الأرض، وبدأ يرفع طرف سجادة قديمة.
الراجل قال لي أدور هنا لو حصل أي حاجة لجدتي.
رفعنا السجادة، ولقينا بلاطة مختلفة عن باقي البلاط.
استدعيت فرد الأمن، وساعدنا نرفعها بحذر.
تحتها كان فيه صندوق معدني صغير، مقفول بقفل قديم.
تومي بصلي وقال
تفتكر فيه فلوس يا بيه؟ يمكن نقدر نجيب علاج للناس اللي تعبانة زينا.
الكلام وجعني أكتر من أي اتهام سمعته في حياتي.
حتى بعد مۏت أمه وأخته، كان لسه بيفكر إزاي يساعد الناس.
فتحت الصندوق باستخدام أداة صغيرة كانت مع فرد الأمن.
جواه لقينا تلات حاجات
شريط تسجيل قديم.
ملف أوراق مربوط بشريط أحمر.
ظرف عليه اسمي، مكتوب بخط إيد أبويا.
مديت إيدي للظرف، وفتحته ببطء.
كانت الرسالة قصيرة
ابني أليخاندرو،
لو وصلت لك الرسالة دي، يبقى الحقيقة خرجت من المكان اللي حاولت أحبسها فيه.
فيه قرار أخدته من سنين، وفضلت أقول لنفسي إن السكوت كان لحماية العيلة.
لكن السكوت دمّر حياة ناس أبرياء.
سامحني، لو تقدر.
والأهم… ماتصدقش شهادة الۏفاة اللي اتكتبت يوم مۏتي.
وقعت الرسالة من إيدي.
شهادة الۏفاة اللي اتكتبت يوم مۏته؟
أبويا ماټ قدامي، وكنت موجود في المستشفى وقتها!
إزاي بيقول لي أشك في مۏته؟
فتحت الملف بسرعة، ولقيت مستندات مالية، وصور قديمة، وشهادة ميلاد.
أول ورقة شدت انتباهي كانت شهادة ميلاد تومي.
اسم الأم لوسيا مارتينيز.
أما خانة الأب، فكان مكتوب فيها اسم واحد…
فيكتور سالازار.
تومي كان واقف جنبي، بيبص للورقة من غير ما يفهم.
سألني ببراءة
يعني إيه يا بيه؟
ماقدرتش أكذب عليه.
قلتله بهدوء
الورقة دي بتقول إن الراجل اللي تحت ممكن يكون أبوك.
رجع خطوة لورا، وهز راسه پعنف.
لأ! ماما قالت لي إن بابا ماټ قبل ما أتولد!
قبل ما أقدر أواسيه، سمعنا صوت حركة عند الباب الخارجي.
فرد الأمن رفع إيده، وطلب مننا نسكت.
وبعدين جه صوت راجل من الصالة
أليخاندرو… أنا عارف إنك لقيت الصندوق.
عرفت الصوت فورًا.
كان فيكتور.
لكن المرة دي، صوته ماكانش صوت رجل بيهددني.
كان صوت رجل مړعوپ.
اسمعني كويس، لازم تخرج من البيت ده حالًا. الناس اللي أخدوا إيلينا مش شغالين معايا، وأنا مش اللي خطڤتها.
صړخت فيه من مكاني
كداب! إنت اللي هددتني بيها!
رد بسرعة
أنا هددتك علشان كنت بحاول أخليك تتحرك قبل ما يوصلوا لك! إنت مش فاهم حجم المصېبة اللي إحنا فيها!
وفجأة، سمعنا صوت تكسير زجاج من الناحية التانية للبيت.
فرد الأمن جري ناحية الشباك، لكنه رجع في ثواني ووشه شاحب.
يا فندم، فيه عربيتين واقفين في الشارع، وفيه رجالة داخلين من الباب الخلفي!
حضنت تومي وخلّيته ورايا.
وفي اللحظة دي، فيكتور دخل الأوضة ورفع إيديه علشان يثبت إنه مش جاي يهاجمنا.
بصلي مباشرة وقال
أليخاندرو، لازم تثق فيّ ولو لمرة واحدة. أبوك ما ماتش بالطريقة اللي إنت فاكرها، والناس اللي وراك دلوقتي عايزين الصندوق ده.
رفعت الملف في وشه.
وليه؟ إيه اللي فيه؟
بص للظرف اللي كان في إيدي، ووشه اتغير.
إنت فتحت رسالة أبوك؟
أيوه.
غمض عينيه لحظة، وبعدين قال
يبقى مفيش وقت. لازم تعرف إن لوسيا، أم تومي، ما ماتتش بسبب مرضها لوحده.
تومي شهق، ومسك هدومي بإيديه الصغيرتين.
إنت بتقول إيه؟ ماما ماټت في المستشفى!
فيكتور نزل على ركبته قدامه، وصوته اتكسر لأول مرة
أمك كانت بتحاول تكشف شبكة سړقت أموال الشركة وحرمت عائلات كتير من حقوقها. ولما قربت توصل للحقيقة، حد منعها.
صړخت فيه
مين؟!
قبل ما يرد، اتسمع صوت خطوات سريعة في الطرقة.
فرد الأمن رفع سلاحھ ناحية الباب، لكن فيكتور صاح
ماتضربش! دول مش جايين علشان ېقتلونا… هما جايين علشان ياخدوا الولد!
بصيت لتومي، ولقيته بيترعش.
وبعدين قال بصوت خاڤت جدًا
يا بيه… أنا افتكرت حاجة.
قربت منه.
إيه يا تومي؟
رفع عينيه لفيكتور، وقال
الراجل اللي جه عند جدتي أول مرة… ماكانش لوحده.
بلع ريقه وكمل
كان معاه راجل تاني، وجدتي أول ما شافته عيطت وقالت له إنت رجعت تاني؟ إحنا ډفناك بإيدينا!
فيكتور اتجمد مكانه.
وأنا حسيت إن قلبي وقع في رجلي.
لأن تومي وصف الراجل التاني بنفس الطريقة اللي كنت هعرفه بيها وسط مليون شخص.
أبويا.
لكن قبل ما حد فينا ينطق، موبايل فيكتور رن.
بص للشاشة، ووشه فقد لونه تمامًا.
وبعدين رفع عيني ليا وقال
أليخاندرو… أبوك عارف إننا هنا. وهو اللي باعت الرجالة ياخدوا تومي!
وفي نفس اللحظة، اتفتح باب الأوضة پعنف…
ودخل راجل مسن، شعره أبيض، وملامحه هي نفس الملامح اللي شفتها في آخر صورة لأبويا قبل ما يعلنوا ۏفاته.
بصلي وابتسم بهدوء وقال
كبرت يا ابني… بس لسه بتصدق أي حاجة تتكتب على ورقة.
وبعدين مد إيده ناحية تومي وقال
تعالى يا حفيدي… كفاية اختباء. الوقت جه تعرف إنت اتولدت ليه.
لكن تومي رجع لورا، وبص للراجل بړعب، وقال جملة خلت حتى فيكتور يتراجع خطوتين
إنت مش جدي… جدي كان عنده علامة كبيرة في إيده، وإنت معندكش!
الراجل بطل ابتسامته.
ولأول مرة، شفت الخۏف الحقيقي في عينيه.
لأن تومي كشف تفصيلة صغيرة، لكن خطېرة…
الراجل اللي قدامنا كان شبه أبويا تمامًا، لكنه ماكانش أبويا!
الفصل الرابع الراجل اللي سرق هوية المېت!
الراجل وقف مكانه، وابتسامته اختفت من على وشه.
بص لتومي، وبعدين بصلي، وقال بنبرة باردة
الأطفال ساعات بتفتكر حاجات غلط يا أليخاندرو. واضح إن الولد ده اتقاله كلام كتير.
لكن تومي كان بيترعش، ومع ذلك وقف قدامي وقال
لأ! أنا فاكر جدي كويس. كان عنده علامة كبيرة هنا، في إيده اليمين، وكان دايمًا بيغطّيها بمنديل أبيض.
الراجل خبّى إيده اليمين ورا ضهره بسرعة.
الحركة الصغيرة دي كانت كفاية تخليني أشك إن فيه حاجة مش طبيعية.
بصيت لفيكتور وقلت
اتكلم! مين الراجل ده؟
فيكتور ما ردش فورًا. فضل باصص للغريب كأنه بيشوف شبح من الماضي.
وبعدين قال
اسمه ريكاردو فيلاسكيز. كان مسؤول الحسابات القديمة في شركة أبوك، واختفى بعد الحريق بأيام.
صړخت فيه
وإنت سايبني أفتكر إن أبويا ماټ، وإنك إنت كمان مت من خمس سنين، ودلوقتي جاي تقول لي إن كل ده كدب؟!
فيكتور بصلي بعينين مليانين تعب.
أنا عارف إنك مش هتصدقني، لكن اسمعني للآخر. أنا ما متش في الحاډثة اللي أعلنوا فيها وفاتي. العربية اللي وقعت في البحر كانت عربية تانية، والأوراق اللي