طول 16 سنه

عند منى، وروحت مباشرة لمكتب أستاذ شريف.
قعدنا ساعات نراجع الأوراق، ونقارن التحويلات بكشوف الحساب اللي كانت عندي.
المحامي أكدلي إن المستندات دي محتاجة مراجعة دقيقة، وإن أي مطالبة بحقوق مالية لازم تتبني على إثباتات واضحة، مش مجرد اټهامات.
بدأنا الإجراءات المناسبة، وطلبنا اتخاذ الخطوات القانونية اللازمة لحماية الحقوق محل الڼزاع، خصوصًا بعد ما ظهرت مؤشرات إن محمود ممكن يتصرف في بعض الأموال والممتلكات.
وفي نفس الوقت، كريم بدأ يراجع معايا كل اللي فاكره عن فلوس أبوه، والمبالغ اللي كان بيحولها للبيت، والمرات اللي طلب مني فيها أبيع دهب أو أسحب من تحويشتي.
كل ما نفتكر موقف، كانت الحقيقة بتبان بشكل أقسى.
لكن رغم كل ده، كان فيه سؤال واحد مش قادر يسيبني
إزاي محمود قدر يعيش معايا 28 سنة، ويصحى كل يوم يبص في وشي، وهو عارف إنه بيخدعني؟
بعد يومين، رجع البيت متأخر.
دخل وهو بيتكلم في التليفون، وأول ما شافني قفل المكالمة بسرعة.
قال
إنتِ لسه صاحيه؟
رديت بهدوء
أيوه. مستنياك.
قعد على الكنبة، وخلع حذاءه، وبعدين قال
أنا تعبان يا سعاد. لو سمحتي، بلاش مشاكل.
قلتله
أنا مش هعمل مشاكل. أنا بس عايزة أعرف إمتى كنت ناوي تقولي إنك هتبيع الشقة وتسافر؟
اتجمد مكانه.
وبعدين رفع عينيه ليا وقال
مين قالك الكلام ده؟
قلت
مش مهم مين قال. المهم إنك كنت ناوي تعمل كده فعلًا؟
بدأ يتكلم بسرعة
بصي يا سعاد، أنا كنت بمر بأزمة، وكان لازم أتصرف. أنا مش ناوي أسيبك من غير فلوس، ولا كنت هسيبك محتاجة حاجة.
ضحكت بمرارة.
زي ما سبت ابنك محتاج؟ زي ما خليتني أبيع دهبي وأنا فاكرة إننا بنصلح العربية؟ ولا زي ما خليتني أجهزلك أكل 45 يوم، وإنت كنت بتقضي نص إجازتك في بيت تاني؟
محمود قام من مكانه.
إنتِ مش فاهمة الظروف اللي كنت فيها!
قلتله
طب فهمني. أنا سامعاك.
سكت شوية، وبعدها قال
أنا اتجوزت كاريمان بعد ما لقيت نفسي متعلق بيها. والولاد جم، وماقدرتش أسيبهم. كنت بصرف عليهم، وفي نفس الوقت كنت بصرف عليكي وعلى كريم. الدنيا ضغطت عليا، وكنت بحاول أوازن بين البيتين.
بصيتله وقلت
إنت ماكنتش بتحاول توازن بين بيتين. إنت كنت بتخلي كل بيت يصدق إنه الوحيد، وبتخلي كل واحد فينا يدفع تمن كدبك.
حاول يقرب مني.
يا سعاد، إحنا عشرة عمر. 28 سنة مش شوية. معقول هتهدي كل ده عشان غلطات حصلت؟
رجعت خطوة لورا.
الغلط بيحصل مرة، يا محمود. إنما إنت بنيت حياة كاملة على الكدب. كنت بتكذب عليا، وبتكذب على كاريمان، وبتكذب على أختك، وبتاخد فلوس من حسابات الناس، وبعدين تقول إنك بتحاول توازن!
نزل راسه، ولأول مرة ما لقيش رد.
لكن فجأة رفع عينيه وقال
طب إنتِ عايزة إيه دلوقتي؟ فلوس؟ هديكي اللي إنتِ عايزاه. بس بلاش محاكم وفضايح. أنا راجل معروف في شغلي، ولو الموضوع اتفتح، سمعتي هتضيع.
سألته
وسمعتي أنا؟ وكرامتي؟ وسنين عمري اللي ضاعت وأنا مصدقاك؟ دي ماكانتش مهمة عندك؟
ما ردش.
دخلت أوضتي، وطلعت شنطة صغيرة كنت مجهزاها.
بصلي پصدمة.
إنتِ رايحة فين؟
قلت
عند ابني كام يوم. محتاجة أفكر بعيد عنك.
صړخ
إنتِ مش هتخرجي من البيت بالطريقة دي!
بصيتله بثبات.
أنا مش محتاجة إذنك عشان أخرج من مكان مش حاسة فيه بالأمان النفسي. وبالنسبة لباقي حقوقي، المحامي هيتعامل معاك.
خرجت من البيت، ولأول مرة ما التفتّش ورايا.
كنت عارفة إن القرار ده مش سهل، وإن الأيام الجاية هتبقى مليانة إجراءات ومواجهات، لكني كنت مستعدة.
لأني أخيرًا بطلت أخاف من خسارة راجل كنت فاكرة إنه سندي، واكتشفت إنه كان أكتر شخص بيستنزفني.
لكن محمود ماكانش ناوي يستسلم بسهولة.
بعد أقل من أسبوع، كريم اتصل بيا وهو متعصب.
يا ماما، بابا كلمني، وبيقولي إنك بتدمري حياته، وإنك عايزة تاخدي منه كل حاجة!
قلتله
وإنت رديت عليه قلتله إيه؟
قال
قلتله إنك طول عمرك بتقفي جنبه، وإنه لو كان عنده ذرة ضمير، كان قال الحقيقة من زمان. بس يا ماما، هو طلب يقابلنا إحنا الاتنين، وقال إن عنده كلام مهم.
فكرت شوية، وبعدها وافقت، بشرط إن المقابلة تكون في مكان عام، وإن المحامي يكون عارف باللي بيحصل.
اتفقنا نتقابل في مكتب أستاذ شريف بعد يومين.
دخل محمود المكتب، وشكله كان مختلف عن كل مرة شفته فيها.
كان مرهق، وعينيه حمرا، وشعره مش مترتب.
قعد قدامنا، وبص لكريم.
أنا عارف إني غلطت في حقكم.
كريم رد ببرود
غلطت؟ دي كلمة قليلة أوي على اللي عملته.
محمود كمل
أنا مش هقدر أرجع الزمن، لكن ممكن أصلح جزء من اللي حصل. أنا مستعد أبيع الشقة، وأرجع لسعاد كل الفلوس اللي أقدر أثبت إنها حقها، وكمان أساعدك في شقتك.
كريم بصلي، وبعدها رجع بص لأبوه.
إنت فاكر إننا كنا مستنيين منك فلوس وبس؟ أنا كنت مستني أبقى فخور بيك. كنت مستني لما بنتي تكبر وتسألني عن جدها، أقدر أحكيلها عنه من غير ما أخجل من الحقيقة.
محمود نزل راسه.
للحظة، حسيت إنه ممكن يكون ندمان فعلًا.
لكن أستاذ شريف فتح الملف قدامه وقال
أي اتفاق لازم يكون مكتوب وواضح، وبعد مراجعة المستندات وتحديد الحقوق. الكلام وحده مش كفاية.
محمود هز راسه، ووافق مبدئيًا.
لكن قبل ما يمشي، بصلي وقال
سعاد، أنا عارف إني جرحتك. بس إنتِ كنتِ أهم واحدة في حياتي، وأنا ماكنتش عايز أخسرك.
بصيتله طويلًا.
كنت فاكرة إن الجملة دي هتخليني أعيط أو أضعف، لكن الغريب إني ماحسيتش غير بالتعب.
قلتله
لو كنت فعلًا شايفني أهم واحدة في حياتك، ماكنتش خليتني أعيش 16 سنة وأنا فاكرة إنك بتضحي عشاننا، وإنت بتخبي عني بيت كامل. أنا مش عايزة أسمع وعود تاني. أنا عايزة الحقيقة، وعايزة حقي، وبعدها كل واحد يختار طريقه.
خرج محمود من المكتب، وبدأت بعدها مرحلة طويلة من مراجعة الحسابات والمستندات والإجراءات القانونية.
كاريمان قدمت المستندات اللي كانت عندها، ومنى تعاونت في توضيح تفاصيل الحسابات العائلية، والمحامي تابع المطالبات المتعلقة بالتحويلات والممتلكات.
مش كل حاجة اتحلت في يوم وليلة، ومش كل مبلغ كان سهل إثباته، لكن لأول مرة بقى فيه أوراق وأرقام وإجراءات بدل الكدب والوعود.
ومع مرور الشهور، بدأت الأمور تتضح.
اتثبتت تحويلات من الحساب المشترك، واتراجع مصدر جزء من المبالغ اللي اتدفعت في شراء الشقة، واتفتح ملف المطالبات المالية بين محمود وبعض أفراد عيلته.
أما الشقة نفسها، فبقت محل مراجعة قانونية بسبب تضارب الادعاءات المتعلقة بمصدر تمويلها، وأي تصرف فيها بقى مرتبط بالإجراءات اللي اتخذها أصحاب الحقوق.
وفي النهاية، اتوصلنا لتسوية قانونية مكتوبة بخصوص الحقوق المالية اللي قدرت أثبتها، مع استمرار التعامل مع باقي المطالبات من خلال الإجراءات المختصة.
ماخدتش كل اللي كنت بتخيله، وماقدرتش أرجع ال سنة اللي عشتها وأنا بصدق محمود.
لكن على الأقل، بطلت أسيب حقي في إيده، وبطلت أقبل إن حد يقرر بالنيابة عني أنا أستحق إيه.
أما جوازي، فانتهى بالطلاق بعد ما استنفدت محاولات الوصول لحل يحفظ كرامتي وحقوقي.
والأغرب إن محمود، بعد كل اللي حصل، حاول يرجع يطلب مني فرصة جديدة!
اتصل بيا في يوم، بعد شهور من الانفصال، وقال
سعاد، أنا عارف إني ماستحقش، بس أنا تعبت من غيرك. البيت فاضي، ومفيش حد بيسأل عليا.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *