طول 16 سنه
عشان أساعد في مصاريف البيت.
ومحمود كان بيبعتلي 18 ألف جنيه كل شهر، وكل ما أطلب منه حاجة زيادة، يقولي إن ده آخره وإن الشغل بقى صعب.
كنت بصدقه، وأقول لنفسي معلش، الراجل بيشقى بعيد عن بيته عشاننا.
حتى أكله كنت بجهزهوله قبل كل سفرة.
أطبخ له كميات كبيرة، وأقسمها في علب، وأكتب على كل علبة محتوياتها، وأحطها في الشنطة مع الهدوم والأدوية وكل حاجة ممكن يحتاجها.
كنت بعمل ده وأنا مبسوطة، لأني كنت حاسة إني كده بخفف عنه تعب الغربة.
قبل ما يسافر اليوم ده، وقف قدام التلاجة وراجع علب الأكل.
قاللي
حطيتي الكفتة اللي من غير جبنة؟ إنتِ عارفة إن زمايلي مش بيحبوا النوع التاني.
قلتله
أيوه يا محمود، حطيتلك من النوعين، ومعاهم رز ومحشي وفراخ. كل حاجة زي ما بتحب.
هز راسه، وباسني بوسة سريعة على جبيني.
وقبل ما يخرج، قاللي
على فكرة، لازم تدفعي تجديد رخصة العربية. الإيميل وصلني، والباسورد زي ما هو.
وبعدها شال شنطته ومشي.
وقفت أبص على الباب بعد ما قفله، وابتسمت لنفسي بحزن.
ماكنتش أعرف إن دي آخر مرة هبصله فيها بنفس النظرة، ولا إن الراجل اللي كنت بخاف عليه من الجوع والتعب، كان مخبي عني حياة كاملة!
بعد تلات أسابيع، حصلت حاجة صغيرة جدًا لكنها كشفتلي إن 28 سنة جواز ممكن يتحولوا في لحظة لكذبة كبيرة.
كنت قاعدة قدام اللابتوب، وفتحت إيميل محمود عشان أنزّل إيصال تجديد رخصة العربية.
وبين الرسائل، لفت نظري إيميل عنوانه متعلق بضريبة عقارية.
في الأول افتكرته إعلان أو رسالة ملهاش أهمية، لكن لما فتحته، حسيت إن إيدي اتجمدت فوق الماوس.
الإيميل كان فيه إشعار بسداد الضريبة العقارية لشقة مساحتها 84 متر في بورسعيد.
فتحت التفاصيل، وبدأت أقرا ببطء.
اسم المالك محمود عبدالسلام.
تاريخ شراء الشقة أبريل السنة اللي فاتت.
رجعت قريت الاسم تاني.
وبعدين التاريخ.
وبعدين الاسم مرة تالتة.
محمود جوزي اشترى شقة كاملة من ورايا، وأنا معرفش عنها أي حاجة!
إزاي؟ ومنين جاب فلوسها؟ وليه عمره ما قاللي؟
والأهم من ده كله ليه بيقول لابنه إنه مش معاه فلوس يساعده، وفي نفس الوقت بيشتري شقة من ورا مراته؟
مسكت التليفون واتصلت بيه.
مرة.
واتنين.
وتلاتة.
لحد ما رد أخيرًا بصوت متضايق
نعم يا سعاد؟ أنا في الشغل!
حاولت أتكلم
بهدوء رغم إن قلبي كان بيدق پعنف.
يا محمود، إنت اشتريت شقة في بورسعيد؟
سكت.
سكتة طويلة وغريبة، خلتني أحس إن السؤال جه على چرح كان بيحاول يخبيه.
وبعدين قال
آه، شقة صغيرة كده. استثمار للمستقبل، وكنت عايز أعملك مفاجأة.
ضحكت ضحكة قصيرة من غير ما أحس.
مفاجأة؟! وإنت من إمتى بتشتري شقق من غير ما تقول لمراتك؟
اتنهد بعصبية ورد
يا سعاد، أنا حاطط فيها تحويشة عمري. وبعدين إنتِ مالك مكبرة الموضوع ليه؟ دي فلوسي وأنا حر فيها!
حسيت كأن حد صب عليا مية ساقعة.
وفلوس ابنك اللي طلب منك تساعده بيها؟ دي مش فلوسك برضه؟ ليه قلتله إنك مش قادر؟
صوته علي فجأة
أنا في الشغل! لما أرجع نبقى نتكلم. مش ناقصة صداع!
وقفل السكة في وشي.
فضلت ماسكة التليفون، وببص قدامي من غير ما أشوف حاجة.
الشقة دي ما كانتش مجرد عقار.
كانت أول دليل حقيقي إن في حاجات كتير بتحصل في حياة جوزي وأنا آخر واحدة تعرفها.
وفي الليلة دي، لأول مرة من 28 سنة، ماعرفتش أنام جنبه وهو بعيد عني.
بدأت أفتكر مواقف كنت بعدّيها عادي.
مرة لقيت توكة شعر أطفال وسط هدومه، ولما سألته عنها قاللي إنها بتاعة بنت زميله.
ومرة رجع من السفر، وسألني فجأة إزاي أشرح لطفل صغير جدول الضړب والقسمة، مع إنه عمره ما كان مهتم بالتفاصيل دي.
وفي عيد ميلادي الخمسين، غاب عني وقال إن الشركة رفضت تأذنله ينزل من موقع العمل.
وقتها عيطت طول الليل، وهو حتى ماكلفش نفسه يتصل بيا غير بعد يومين.
كنت ببرر كل حاجة، وأقول لنفسي إنه مضغوط وإن الشغل واخده مننا.
لكن دلوقتي، كل ذكرى كانت بترجعلي بشكل مختلف.
تاني يوم، اتصلت بصاحبتي المقرّبة، نادية، وطلبت منها نتقابل في كافيه بعيد عن البيت.
أول ما شافت وشي، سألتني
مالك يا سعاد؟ إنتِ شكلك مخضۏضة!
حكيتلها عن الشقة، وعن المكالمة اللي حصلت بيني وبين محمود.
كنت متوقعة إنها تستغرب معايا، أو تقوللي إن أكيد فيه تفسير.
لكن اللي حصل كان أغرب بكتير.
نادية سكتت، وفضلت تقلب المعلقة في فنجان القهوة من غير ما تشرب.
وبعدين رفعت عينيها ليا وقالت بصوت واطي
سعاد، فيه حاجة أنا بقالي تقريبًا سنة نفسي أقولها لك، بس كنت خاېفة أكون بظلمك أو أهد بيتك.
حسيت بقلبي بيهبط.
حاجة إيه يا نادية؟ اتكلمي!
مسحت دموعها وقالت
جوزي شاف محمود
من حوالي سنة في مول في بورسعيد. كان واقف مع ست أصغر منك بكتير، ومعاهم طفلين.
حاولت أضحك،