طول 16 سنه
لكن صوتي خرج مهزوز.
يمكن قرايبه يا نادية، يمكن ولاد حد من زمايله!
نادية هزت راسها، ودموعها نزلت.
أنا قلت لنفسي نفس الكلام. والله قلت يمكن أكون فاهمة غلط. بس جوزي حكى لي اللي حصل بعدها، وأنا من ساعتها مش عارفة أبصلك إزاي من غير ما أحس إني مخبية عنك مصېبة.
مسكت إيدها وقلت
حصل إيه؟!
بصتلي وقالت الجملة اللي حسيت بعدها إن الدنيا كلها وقفت.
الولد الصغير جري على محمود، حضنه من وسطه، وقاله قدام الناس كلها يا بابا، هاتلي آيس كريم تاني!
حسيت إن نفسي اتسحب مني.
يا بابا؟!
فضلت أردد الكلمة في سري، وأنا بحاول ألاقي أي تفسير ينقذني من الحقيقة اللي بدأت تظهر قدامي.
لكن نادية مسكت إيدي بقوة وقالت
يا سعاد، استني دي مش كل الحكاية. جوزي اكتشف حاجة تانية، ولو عرفتيها هتفهمي ليه محمود كان بيختفي كل الفترة دي، وليه الشقة دي بالذات كانت مهمة بالنسبة له!
يتبع في الجزء التاني
الجزء التاني اكتشفت إن جوزي كان عايش حياتين!
بصيت لنادية وأنا مش قادرة أبلع ريقي.
يعني إيه مش كل الحكاية؟ هو عنده عيال من الست دي فعلًا؟
نادية أخدت نفس طويل وقالت
أيوه يا سعاد. جوزي لما شافه، محمود أخده على جنب وطلب منه مايتكلمش. وقاله إن الموضوع معقد، وإنه هيحل كل حاجة في وقتها، وإنك مالكيش ذنب في اللي بيحصل.
ضحكت بمرارة، وقلت
يعني هو عارف إنه بيخدعني، وكمان بيقرر بالنيابة عن الناس مين يستاهل يعرف الحقيقة ومين لأ!
نادية فضلت تعتذر، وأنا كنت حاسة إني مخڼوقة من كل حاجة.
لكن فجأة افتكرت حاجة.
قلت لها
استني، إنتِ قولتي إن جوزك شغال في نفس مجال محمود. هو مش المفروض نظام الشغل عندهم 28 يوم شغل و يوم إجازة؟
نادية بصتلي باستغراب.
أيوه، ده النظام المعتاد عندهم. ليه؟
حسيت إن الأرض بتلف بيا.
محمود طول 16 سنة كان بيقولي إنه بيشتغل 45 يوم، وبعدها بيرجع يقعد معانا أسبوعين تقريبًا.
يعني في كل مرة كان بيرجع فيها البيت، كان بيكون عنده إجازة أطول من اللي بيقضيهالي!
أين كانت باقي أيام إجازته؟
الإجابة بقت واضحة قدامي بشكل مرعب.
كان بيقضيها في بورسعيد، مع الست التانية وعياله، بينما أنا قاعدة في طنطا بحضّر له الأكل، وأرتب هدومه، وأعد الأيام لحد ما يرجع!
ستاشر سنة وأنا بحسب الأيام اللي بيغيبها عليا، وماخطرش على بالي أسأل نفسي هو بيعمل إيه في الأيام اللي مش بيكون فيها في الشغل.
رجعت البيت وأنا مش حاسة برجلي.
وأول ما دخلت، لقيت صورة كريم وهو صغير على الكومود، فضلت أبص عليها وأعيط.
افتكرت أيام ما كنت بصحى بالليل عشان أذاكر له، وأفضل مستنياه لما يتأخر من المدرسة، وأشتغل ساعات إضافية عشان أوفر مصاريفه.
وافتكرت محمود لما كان يقولي إنه نفسه يشوف ابنه مستقر، وإنه بيشتغل كل ده عشان مستقبله.
طلع بيبني مستقبل تاني بعيد عننا تمامًا.
تاني يوم، طلبت من كريم ييجي يقعد معايا.
لما حكيتله كل حاجة، فضل ساكت وقت طويل.
وبعدين قال بصوت مكسور
يعني يا ماما، بابا عنده عيال تانيين؟
هزيت راسي وأنا بعيط.
كريم حط إيده على وشه وقال
طب ليه عمل فينا كده؟ أنا لما طلبت منه يساعدني في الشقة، قالي إني كبرت ولازم أشيل مسؤولية نفسي! أنا مكنتش بطلب منه يصرف عليا، كنت بطلب منه يقف جنبي مرة واحدة بس!
الجملة دي وجعتني أكتر من أي حاجة تانية.
لأن ابني كان شايف نفسه قليل في عين أبوه، مع إن أبوه كان بيصرف على بيت تاني وبيجهزه بكل اللي يقدر عليه.
في اللحظة دي، أخدت قرار إني مش هفضل قاعدة مستنية محمود يرجع عشان يكدب عليا من جديد.
اتكلمت مع محامية صاحبتي عرّفتني عليها، وبدأنا نراجع أوراق جوازنا وممتلكاتنا.
عرفت منها إن موضوع الشقة وحقوقي فيها محتاج مراجعة دقيقة حسب نظام الجواز ومصدر الفلوس والأوراق المسجلة، وإن من حقي أعرف وضعي القانوني بدل ما أفضّل عايشة على كلام محمود.
كمان راجعنا أوراق بيتنا في طنطا، اللي كنت ورثاه عن جدتي قبل جوازي بسنين.
لأول مرة، حسيت إني لازم أفكر في نفسي، مش بس في جوزي وابني.
وبعد كام يوم، رجع محمود من السفر.
دخل البيت شايل كيس سمك مجمد وعلبة حلويات، زي عادته كل مرة.
ابتسم وقال
إزيك يا سعاد؟ وحشتيني. حضري لنا الغدا بقى، أنا مېت من الجوع!
بصيتله بهدوء غريب.
الراجل اللي قدامي ده عشت معاه 28 سنة، وكنت فاكرة إني أعرف حتى طريقة تنفسه.
لكن دلوقتي، كان بالنسبالي شخص غريب.
سيبته يدخل ياخد دش، وبعدها قدمتله الأكل.
قعد ياكل ويتكلم عن الشغل، وعن مديره اللي مضايقه، وعن زميله اللي اتنقل لموقع تاني.
استنيت لحد ما خلص، وبعدين حطيت المعلقة على الترابيزة وقلتله
يا محمود، عايزة أسألك سؤال، وعايزاك تجاوبني بصراحة.
بصلي وهو بيمسح بقه.
خير يا سعاد؟
قلتله
ولادك اللي في بورسعيد اسمهم إيه؟
المعلقة وقفت في إيده.
وشه اتغير، وعينيه ثبتت عليا.
إنتِ بتقولي إيه؟
بقولك اسم الولد والبنت اللي عايشين مع الست اللي إنت شاري لها شقة.
قام من مكانه بعصبية.
مين اللي قالك الكلام ده؟!
يعني الكلام صح؟
فضل ساكت لحظات، وبعدها صړخ
أيوه! عندي ولاد من كاريمان. اسمهما يوسف ومريم. يوسف عنده 11 سنة، ومريم عندها 7 سنين. ارتحتي كده؟!
حسيت إن قلبي اتعصر.
11 سنة يا محمود؟! يعني إنت مخبي عليا حياة كاملة من 11 سنة؟!
رد ببرود
ماتعمليش فيها الضحېة. أنا عمري ما قصرت معاكي، وعمري ما سيبتك محتاجة حاجة!
صړخت فيه
إنت شايف إنك لما تبعتلي 18 ألف جنيه وتسيبني أشيل البيت لوحدي، يبقى كده عملت كل اللي عليك؟! طب وابنك اللي رفضت تساعده؟!
رد بعصبية
دول كمان ولادي، وكان لازم أأمن مستقبلهم!
بصيتله وقلت
وابنك كريم؟ ده مش ابنك برضه؟!
محمود سكت، وبعدها قال الجملة اللي كشفتلي قد إيه هو شايف نفسه صاحب الحق في كل حاجة.
كريم كبر، ويقدر يعتمد على نفسه. إنما الولاد الصغيرين محتاجيني!
كنت لسه هرد عليه، لما تليفونه بدأ يرن.
بص على الشاشة بسرعة، ورفض المكالمة.
لكن التليفون رن تاني.
قلتله
رد يا محمود.
قال بتوتر
دي مكالمة شغل.
مديت إيدي وخدت التليفون قبل ما يلحق يمنعني، وفتحت مكبر الصوت.
وفجأة، طلع صوت ست من الناحية التانية، بتتكلم بمنتهى الهدوء
حبيبي، إنت وصلت عند مامتك؟ كلمت الممرضة عشان تفضل معاها؟ أنا حولتلك أربعة آلاف جنيه كمان عشان الأدوية.
بصيت لمحمود.
وشه بقى أصفر، وعينيه اتسعت، ومد إيده عشان يقفل المكالمة.
لكن أنا كنت سمعت كل كلمة.
مامتك؟!
أم محمود مټوفية من خمس سنين!
مين الست اللي بتسأله عن أمه، وبتبعتله فلوس عشان علاجها؟
وليه محمود مرتبك بالشكل ده؟
بصيتله وقلت بصوت واطي، لكنه كان مليان ڠضب
إنت مخبي إيه تاني يا محمود؟!
حاول ياخد التليفون مني، لكن في اللحظة دي، سمعت صوت الست تاني وهي بتقول
محمود؟ إنت معايا؟ طب رد عليا هو سعاد عرفت الحقيقة ولا لسه؟!
اتجمدت في مكاني.
الست دي كانت عارفة اسمي!
ومش بس كده كانت عارفة إن في حقيقة محمود مخبيها عني.
محمود خطڤ التليفون من إيدي وقفله، وبعدين بصلي بارتباك وقال
اسمعيني يا سعاد، الموضوع مش زي ما إنتِ فاهمة
لكن قبل ما يكمل، جاله