صحيت

صحيت في ليلة على صوت شهقات غريبة جاية من بعيد, وكأن فيه حد بيطلع في الروح وملك الموت بينتزع روحه من جسمه انتزاعًا, قمت من على سريري ولسة صوت الشهقات جاي من مكان انا مش قادرة أميزه, بصيت على جوزي جمبي ملقتوش, وده خلى الخوف يدب في قلبي بطريقة غريبة, في اللحظات دي كان صوت الشهقات بدأ يهدى نوعا ما..

 

فتحت النور وخرجت للصالة بس ملقتش أي حاجة خالص, افتكرت جوزي اللي بيحب يسهر اوقات في الاوضة التانية عشان يخلص شغله اللي بيكون متأخر, خبطت على الاوضة بس ملقتش أي استجابة اطلاقًا, فتحت الباب بهدوء وفتحت النور, وعلى أرضية الاوضة لقيت جوزي ممدد على الأرض وعنيه مفتوحة على آخرها ووشه غامق بطريقة غريبة..

 

جريت عليه وانا قلبي هيتخلع من مكانه عشان اتفاجئ بجسد متخشب وكأنه تمثال من الحجر, وبكل رعب الدنيا بدأت أصرخ بأعلى صوت, فضلت أصرخ واصرخ لحد ما فقدت الوعي تمامًا..

 

ومن بعد اللحظة دي للأسف بقت كل حاجة مشوشة, ناس كتير بيحاولوا يواسوني ويدعموني, شيخ جاي بيسأل على مكان الميت عشان يغسله, وجوزي بيلفوه في كفن عشان يدفنوه, أجواء مُخيفة مكنتش أتخيل اني ممكن اعيشها في يوم من الأيام اطلاقًا, بس القدر كان له رأي تاني, وكلها أيام ولقيت نفسي وحيدة, أرملة, لوحدي في شقة طويلة عريضة, وجوزي اللي مكملتش معاه سنة واحدة جواز بقا مجرد جثة وزمان الدود بينهش فيها بدون أي رقيب..

 

وغصب عني بدأت افوق من الصدمة واستوعب ان جوزي مات, مات ومحدش عرف يفسر سبب موته للأسف, وهو تشخيص واحد من يوم ما اخترعوا الطب

“هبوط حاد في الدورة الدموية”

بس هل الهبوط بيغمق لون الجلد ويخلي شكل الميت بالفزع ده ؟؟

 

كنت وقتها الحزن بياكل في قلبي والدموع بتسيل من عيني في صمت, دخلت الاوضة اللي مات فيها وبدأت اتأملها وانا عمالة ببكي, بتأمل التمثال الضخم والمنحوتات للوشوش الكتير اللي على الكراسي بحُزن كبير أوي, فضلت المسهم وانا عارفة ان فيهم جزء كبير من لمسات جوزي وفنه وابداعه, جوزي الله يرحمه كان شغال نحات, كانت عنده موهبة جبارة في النحت خلته يشتغل نحات لأكتر من شركة..

 

كان بيقدر ينحت أي حاجة مهما كانت, تماثيل لبشر, حيوانات بكل أشكالها, وحتى كان بينحت بيوت وجبال وأشكال كتير, كان فنان بكل معاني الكلمة, وقفت اتأمل كل المنحوتات ودموعي بتسيل من جديد, لحد ما وقعت عيني على آخر تمثال كان بينحته, قربت منه لقيته عبارة عن تحفة فنية بكل معاني الكلمة..

 

تمثال متشكل على هيئة شخص وملامحه منحوتة بدِقة مذهلة, وكأنه شخص حي, لولا ان عنيه طافية تماما لأنها مجرد نحت, بصيت حوليا من تاني اتأمل كل المنحوتات المتعلقة على الحيطان, وفي النهاية خدت منحوت عبارة عن راس أسد معايا وروحت انام في اوضتي, حضنت النحت اوي وانا متخيلة ان فيه من ريحة جوزي ونمت..

 

نمت نوم عميق, وكأني منمتش من سنين طويلة, حتى اني في نومي كنت شايفة جوزي, حاسة بوجوده وكأنه لسة حي تماما, سامعة صوت أنفاسه وحاسة بلمساته وانا نايمة, كل ده كان في خيالي, وعارفة انها مجرد أحلام, بس لما تحس فجأة انك مشلول ومش عارف تتنفس ولا تنطق بكلمة واحدة هنا بيدأ الرعب يدب في قلبك, كنت عارفة انها حالة من حالات شلل النوم, بس شلل نوم مخيف, صعب, حاولت أتحرر بجسمي مقدرتش..

 

وبدأت ووانا في الحالة دي اسمع صوت انفاس في ودني, انفاس شخص حي, حاسة بحرارتها كويس أوي, عافرت مرة واتنين لحد ما قدرت أتحرر من الحالة دي, صحيت من نومي وحسيت بوجع شديد في ضهري, في اللحظة دي اكتشفت ان راس التمثال كانت تحت مني وهي اللي سببتلي الألم ده, رمتها على الأرض واستعذت بالله من الشيطان الرجيم ورجعت انام تاني..

 

وعدت الليلة بدون أي شيء, وتاني يوم ووانا في المطبخ بحاول أعمل أي أكل عشان اشغل نفسي في أي حاجة, وفجأة سمعت صوت خبطة قوية جاية من الاوضة اياها, دخلت بسرعة لقيت التمثال اللي كان جوزي شغال عليه قبل وفاته واقع على وشه, عدلته مكانه وانا مستغربة ازاي وقع ومحدش دخل الاوضة اطلاقًا, خرجت من الاوضة من تاني وخلصت الأكل وبدأت آكل وانا بتفرج على التلفزيون لحد ما اليوم عدى وانا مكاني, خدت مسكن للصداع بسبب الصدع اللي بقاله يومين ماسكني ودخلت ارتاح شوية..

 

ومسافة ما نمت شوفت جوزي واقف في الاوضة وسط المنحوتات وشغال على التمثال الأخير, كنت شايفاه من ضهره وهو مغطي الرؤية عليا وشغال بتركيز شديد, بس بعد لحظات بدأ يرجع لورا بتوتر وجسمه يترعش وبعدها وقع في الأرض وفضل يشهق شهقات غريبة, في اللحظة دي دبت الحياة في كل المنحوتات ووجوه التماثيل المتعلقة, كلهم عنيهم اتحولت لعيون آدمية وفضلوا يضحكوا بصوت عالي وهما شايفينه بيتألم ألم شديد..

 

وفي النهاية التفت ناحيتي وصرخ بأعلى صوت, واتنفضت من نومي وصحيت, قلبي كان بيرجف بهيستريا وجسمي بيترعش من الخضة, وغصب عني بدأت أبكي بشدة, ببكي وانا بتخيل اللحظات اللي عدت عليه وهو بيموت وانا مش جمبه, فضلت أبكي كتير أوي في الضلمة, وبدون مقدمات بدأت أحس بمقبض باب الاوضة بيتحرك بهدوء شديد..

 

قلبي وقف من الرعب وعنيا ركزت مع المقبض اللي كان واضح اوي انه بيتحرك, كتمت انفاسي واتخشبت مكاني من الفزع, وفضل مقبض الباب يتحرك لحد ما سمعت تكة فتح الباب, وبدأ الباب يكشف عن اللي بيفتحه واحدة واحدة, ورغم الضلمة شوفت راس شخص بتطل عليا من ورا الباب..

 

كنت عارفة انها شايفاني كويس اوي, وأول ما شافتني صاحية تراجعت بهدوء وخرجت, وبدأت أسمع صوت خطواتها على أرضية الصالة, كنت بتمنى وقتها لو اموت عشان الفزع اللي انا عايشة فيه ده, قمت من مكاني بالعافية ومسكت خنجر كان في دولاب جوزي وخرجت وانا قلبي بيتنفض مكانه..

 

كتمت انفاسي تماما وبدأت ابص في الصالة يمين وشمال بس ملقتش حد, في اللحظة دي سمعت صوت حركة في اوضة المنحوتات, مسكت الخنجر بقوة أكبر وقربت من الاوضة وانا بشهق من الخوف, فتحت الباب وبدأت ابص يمين وشمال وانا خايفة انه يكون حرامي ويأذيني, فتحت النور وانا بتشاهد من جوايا..

 

بس مكنش فيه أي حاجة اطلاقًا, اللهم الا

الا

 

كان جوزي, جوزي مديني ضهره وقاعد شغال على نحت باهتمام شديد, وقعت السكينة من ايدي وانا مذهولة وقربت منه وانا بردد

 

“حسام”

 

وقتها اتكلم بصوته اللي عارفاه كويس وقال

 

“وحشتيني يا آية”

 

مكنتش قادرة انطق من الصدمة وقولتله:

 

“انت عايش يا حسام”

“ايوة عايش يا حبيبتي بس مش عارف ارجع”

“ترجع منين”

 

في اللحظة دي كنت واقفة وراه, لف وبصلي لقيته جوزي, هو بكل ملامحه ونظراته, بدأت اتحسس وشه بلهفة وانا بردد بذهول

 

“انت عايش بجد”

“ايوة بس محتاج منك خدمة عشان اقدر ارجع”

“اؤمرني”

 

لقيته ابتسم ابتسامة غريبة شيطانية وقال

 

“دمك”

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *