طول 16 سنه
قديم بينك وبين محمود، حساب كنتوا بتحوشوا فيه فلوس سنين طويلة.
حسيت إن الكافيه كله بيلف بيا.
الحساب ده كنت أعرفه كويس.
كان فيه جزء من مكافأة نهاية خدمة قديمة لمحمود، وجزء من تحويشتي أنا، وفلوس كنت بحطها كل شهر من مرتبي. وكنا متفقين إن الفلوس دي تفضل للمستقبل، عشان لو واحد فينا تعب أو احتجنا مصاريف علاج أو معاش.
قلت بصوت مرتعش
إنتِ متأكدة من الكلام ده؟
كاريمان فتحت الملف وطلعت صور أوراق.
دي صور من التحويلات اللي منى قدرت تحصل عليها بشكل قانوني من المستندات اللي عندها. وأنا شفت كمان تحويلات لحساب الشقة.
قلبت في الأوراق، وبدأت أراجع التواريخ والمبالغ.
كانت فيه تحويلات بمبالغ كبيرة، اتعملت على فترات مختلفة، في نفس السنة اللي محمود اشترى فيها الشقة.
واحد من التحويلات كان بتاريخ قريب جدًا من اليوم اللي كنت فيه ببيع جزء من دهبي عشان أساعد كريم في تجهيز بيته.
في اللحظة دي، ماقدرتش أمسك نفسي.
عيطت، وقلت
ده مش بس خدعني. ده خد فلوسي كمان!
كاريمان مدت إيدها ناحيتي، لكني سحبت إيدي.
قلت لها
ماتلمسينيش. أنا مش قادرة أسمع كلمة واحدة زيادة قبل ما أفهم كل حاجة.
هزت راسها بتفهم.
وبعدين قالت الجملة اللي خلتني أحس إن اللي جاي أصعب بكتير
مدام سعاد، الشقة اللي في بورسعيد مش مجرد بيت ليا وللولاد. محمود كان ناوي يبيعها قريب، وينقل الفلوس لحساب تاني. ومنى عندها سبب يخليها متأكدة إنه بيجهز يختفي.
يختفي؟!
أيوه. منى لقت ورق سفر، ومحمود كان بيسأل عن شغل في دولة تانية. وهو قاللي إنكم هتتطلقوا قريب، وإنه هيبيع كل حاجة ويسافر، وإنك مش هتقدري تعملي له أي حاجة.
حسيت إن الډم انسحب من وشي.
28 سنة جواز، وفي الآخر كان ناوي يمشي ويسيبني حتى من غير ما أفهم أنا ليا إيه وعليا إيه.
قفلت الملف، وحطيته في شنطتي.
وقلت لكاريمان
أنا مش هسامحك على اللي حصل، ومش هطلب منك تسامحيني. لكن لو كلامك حقيقي، يبقى لازم نوقفه قبل ما يضيع حق كل واحد فينا.
هزت راسها وقالت
أنا مستعدة أقول كل اللي أعرفه، وأقدّم أي مستندات عندي. مش عايزة ولادي يكبروا ويعرفوا إن أبوهم بنى حياتهم على فلوس مش من حقه.
قمت من مكاني، وقبل ما أمشي، سألتها
آخر سؤال. إنتِ بتحبيه؟
بصتلي طويلًا، وبعدها قالت
كنت بحبه. لكن لما اكتشفت إنه بيكدب عليكي، وبيكدب عليا، وبيستخدم ولاده عشان يبرر لنفسه كل حاجة، بدأت أفهم إني ماكنتش أعرفه أصلًا.
خرجت من الكافيه وأنا شايلة الملف كأنه حجر تقيل فوق صدري.
لكن المرة دي، ماكنتش راجعة البيت عشان أعيط.
كنت راجعة عشان أواجه الحقيقة كاملة.
وفي نفس الليلة، وصلني تسجيل صوتي من منى، أخت محمود.
التسجيل كان فيه صوته وهو بيقول
محدش هيعرف أنا عملت إيه. سعاد عمرها ما هتراجع الحسابات، وكاريمان هتصدق أي كلام أقوله. أول ما أبيع الشقة، هبقى خلصت من كل حاجة.
وقفت التسجيل، وأنا حاسة إن كل كلمة قالها بتكسر حتة جديدة جوايا.
لكن التسجيل ماكانش هو المفاجأة الأكبر.
لأن منى كانت باعتة معاه رسالة واحدة
يا سعاد، فيه ورقة لازم تشوفيها بنفسك. الورقة دي لو طلعت صحيحة، يبقى محمود كان مخبي عنك سر من قبل ما يتجوزك أصلًا!
يتبع في الجزء الرابع والأخير
الجزء الرابع والأخير يوم ما محمود خسر كل حاجة كان فاكر إنها ملكه!
فضلت طول الليل قاعدة قدام التسجيل، وبسمعه مرة ورا مرة.
سعاد عمرها ما هتراجع الحسابات
الجملة دي كانت بتوجعني أكتر من اعترافه بالخېانة.
لأنها كانت معناها إنه مش بس كدّاب، ده كمان كان شايفني ست مغفلة، يقدر ياخد من تعبها وفلوسها وسنين عمرها، وهو مطمن إنها عمرها ما هتكتشف حاجة.
تاني يوم الصبح، اتصلت بمنّى.
ردت عليا بصوت مرهق
ألو، مدام سعاد؟
قلت لها
أنا عايزة أشوف الورقة اللي قولتي عليها.
قالت
هبعتلك العنوان. بس لازم نتقابل بعيد عن محمود، لأنه لو عرف إني بتعاون معاكي، مش هيسيبني في حالي.
بعد ساعتين، كنت قاعدة في مكتبها، قدامي ملف كبير فيه مستندات وصور تحويلات وإيصالات قديمة.
منى كانت ست في أوائل الخمسينات، وملامحها فيها حزن واضح.
قالتلي
أنا عارفة إن أخويا ظلمك، وعارفة إن اعتذاري مش هيصلح اللي حصل. بس أنا مش هقدر أفضّل ساكتة بعد ما عرفت إنه ناوي يهرب ويسيب كل الناس اللي خدعهم يواجهوا المصېبة لوحدهم.
سألتها
إيه الورقة اللي كنتِ بتتكلمي عنها؟
طلعت من الملف صورة عقد قديم، وحطته قدامي.
كان عقد شراء أرض في ضواحي بورسعيد، بتاريخ من حوالي 17 سنة.
يعني قبل ما محمود يشتغل في الشركة البترولية بسنة تقريبًا.
قلت باستغراب
إيه علاقة الأرض دي بالموضوع؟
منى أشارت لاسم المشتري.
كان اسم محمود.
لكن لما بصيت على المبلغ المدفوع، حسيت إن فيه حاجة مش منطقية.
المبلغ كان أكبر بكتير من كل اللي محمود كان بيقولي إنه بيحوشه وقتها.
قلت
هو جاب الفلوس دي منين؟
منى ردت
الأرض دي كانت جزء من ميراث أبويا. محمود اشترى نصيبي ونصيب أختنا الصغيرة، وقال إنه هيدفع لنا على أقساط، لكنه دفع جزء بسيط، وبعدها فضل يأجل لحد ما خلصنا أمل إننا ناخد باقي فلوسنا.
سكتت لحظة، وبعدين كملت
وبعد سنين، الأرض اتباعت بمبلغ كبير. محمود كان المفروض يسلّمنا نصيبنا من المكسب، لكنه قال إن الأرض خسړت وإنه اضطر يبيعها بخسارة. أنا صدقته وقتها، لأني كنت بعيدة عنه ومش فاهمة في العقارات.
بصيت للعقد تاني.
يعني هو كان بيخبي فلوس عنكم من سنين؟
أيوه. ولما أمنا ماټت، كان فيه حساب بنكي ومبلغ من بيع أرض تانية. محمود اتولى متابعة جزء من الإجراءات بحجة إنه أفهم واحد في الحسابات، لكنه بدأ يسحب مبالغ من غير ما يرجع لنا. ولما واجهناه، قال إن الفلوس اتصرفت على علاج أمنا وديون قديمة.
حسيت إن الصورة بدأت تكتمل.
محمود ماكانش بيخبي عني بس شقة وست وطفلين.
كان عنده تاريخ طويل من الأسرار المالية، وكل مرة كان بيلاقي حد يصدقه، كان بيستغل ثقته.
سألت منى
طب إيه علاقة ده بيا أنا؟
طلعت ورقة تانية من الملف، وقالت
لأن محمود استخدم جزء من الفلوس اللي كانت في الحساب المشترك بينك وبينه، عشان يكمل ثمن الشقة. وفيه تحويلات تانية خرجت من حساب ميراث أمنا، ومحدش عارف راحت فين بالضبط.
مسكت الورق، وبدأت أراجع التواريخ.
واحد من التحويلات كان بتاريخ اليوم اللي محمود قاللي فيه إنه مش قادر يساعد كريم عشان الشركة قللت المكافآت.
والتحويل التاني كان في نفس الشهر اللي طلب مني فيه أبيع جزء من دهبي عشان نصلح العربية!
وقتها، افتكرت إني بعت الدهب وأنا بعيط، لأنه كان هدية من أمي الله يرحمها، لكن محمود أقنعني إننا مضطرين.
طلع هو في نفس الفترة بيحوّل فلوس لحياته التانية!
ماقدرتش أتكلم.
منى قربت مني وقالت
سعاد، أنا مش هطلب منك تسامحيه. بس لازم تتحركي بسرعة، لأنه فعلًا بيجهز يبيع الشقة.
قلت لها
مش هتحرك من غير محامي. كل ورقة هتتراجع، وكل مبلغ هنعرف راح فين. أنا مش عايزة أنتقم منه بالكلام، أنا عايزة أحافظ على حقي.
لأول مرة، حسيت إن في حد من عيلة محمود مستعد يقول الحقيقة، حتى لو الحقيقة هتفضح أخوه.
خرجت من