طول 16 سنه
إشعار برسالة على الشاشة.
لمحت أول سطر منها، وكان كفاية يخليني أحس إن كل اللي عرفته لحد دلوقتي ماكانش غير جزء صغير من سر أكبر بكتير.
الرسالة كانت بتقول
محمود، لازم تقول لسعاد الحقيقة قبل ما هي تعرف إن الشقة مش باسم كاريمان وإن الفلوس اللي دفعتها فيها مش فلوسك لوحدك!
رفعت عيني وبصيتله.
يعني إيه مش فلوسك لوحدك يا محمود؟!
المرة دي، ماعرفش يرد.
ولأول مرة من 28 سنة جواز، شفت الخۏف الحقيقي في عينيه.
يا ترى الشقة اتشرت بفلوس مين؟ ومين الست اللي اتصلت بيه؟ وإيه الحقيقة اللي ممكن تخليني أكتشف إن جوازي كله كان مبني على سر أكبر من الخېانة نفسها؟
يتبع في الجزء التالت والأخير
جزء التالت الفلوس اللي اشترى بيها الشقة كانت سړقة من عمري!
فضلت واقفة قدام محمود، والتليفون في إيده، وهو بيبصلي كأنه بيدوّر على كدبة جديدة يقدر يخرج بيها من الموقف.
رفعت صوتي وقلتله
أنا عايزة أفهم! مين الست دي؟ وإيه حكاية الشقة؟ وإزاي بتشتري عقارات بفلوس مش بتاعتك؟!
محمود حط التليفون في جيبه، وقعد على الكرسي، وبعدين قال بنبرة هادية مصطنعة
يا سعاد، إنتِ مكبرة الموضوع أوي. الست دي أختي منى، وكانت بتسألني عن خالتي المړيضة. وأنا مش فاهم إنتِ ليه بتفتشي ورايا بالطريقة دي!
ضحكت بمرارة.
أختك منى؟! من إمتى أختك بقت بتحولك فلوس للأدوية؟ وبعدين إنت مش لسه قايل إن أمك مټوفية من خمس سنين؟ مين اللي عندها ممرضة دي؟!
اتلخبط، لكنه حاول يتمالك نفسه.
خالتي يا سعاد، خالتي! إنتِ سمعتي غلط.
قلتله وأنا ببص في عينيه
وأنا كمان سمعت غلط لما الست قالت إن الشقة مش باسم كاريمان؟ ولا لما قالت إن الفلوس مش فلوسك لوحدك؟
قام من مكانه فجأة، وخبط بإيده على الترابيزة.
كفاية بقى! إنتِ مش محققة معايا! أنا راجل البيت، وليا حياتي وخصوصيتي!
الجملة دي كانت كفيلة إنها تخليني أشوفه على حقيقته.
طول 28 سنة، كنت بعتبر البيت بيتنا، والفلوس فلوسنا، والمستقبل مستقبلنا.
لكن بالنسبة له، كان كل شيء ملكه هو وحده، حتى الحقيقة كان شايف إن من حقه يخبيها عني.
قلتله بهدوء
عندك حق يا محمود. إنت ليك خصوصيتك، وأنا كمان ليا كرامتي. ومن النهارده، مش هسألك عن حاجة تاني. أنا هعرف الحقيقة بنفسي.
بصلي باستخفاف وقال
هتعرفيها منين يعني؟ هتروحي بورسعيد تدوري ورايا؟
ما رديتش.
دخلت أوضتي وقفلت الباب، وفضلت قاعدة على السرير لحد الفجر.
كنت بعيط، لكن وسط العياط كان فيه إحساس جديد بيكبر جوايا.
إحساس إني مش هسمح له يضحك عليا تاني.
تاني يوم الصبح، محمود خرج من البيت بحجة إنه رايح يخلص ورق خاص بالشغل.
أول ما الباب اتقفل، اتصلت بكريم وطلبت منه ييجي.
ولما وصل، حكيتله عن المكالمة والرسالة اللي لمحتها على تليفون أبوه.
كريم فضل ساكت، وبعدها قال
يا ماما، أنا حاسس إن الموضوع أكبر من ست تانية وشقة. بابا طول عمره بيخبي علينا حاجات، وإحنا كنا بنصدق أي كلام يقوله.
قلتله
أنا مش عايزة أظلمه، يا ابني، لكن مش هسمح له يظلمني أكتر من كده.
رد عليا
طب نعمل إيه؟
قلتله
هنبدأ من الورق. كل حاجة لازم يبقى ليها دليل.
كريم كان يعرف محامي شاطر اسمه أستاذ شريف، فطلب منه ميعاد، وروحنا له في مكتبه بعد الضهر.
حكيتله كل اللي حصل، وورّيته صورة إشعار الضريبة العقارية اللي كنت محتفظة بيها على موبايلي.
أستاذ شريف سمعني للآخر، وبعدها قال
أول حاجة، لازم نفرّق بين الشكوك والحقائق. شراء شقة من غير علمك مش معناه تلقائيًا إنك تقدري تاخدي نصها، لأن ده بيتوقف على نظام الزواج ومصدر الفلوس وطريقة تسجيل الملكية. لكن لو فيه أموال مشتركة أو فلوس اتاخدت من حسابات ليكي، فده موضوع تاني تمامًا.
سألته
يعني أقدر أعرف الشقة اتدفعلها منين؟
قال
من خلال المستندات المتاحة والإجراءات القانونية المناسبة. ومهم جدًا ما تمضيش على أي ورقة، وما تواجهيش أي حد باتهام من غير ما نعرف الحقيقة.
خرجنا من عنده وإحنا متفقين إننا هنمشي خطوة خطوة.
لكن قبل ما نبدأ أي إجراء، حصلت حاجة ماكنتش متوقعاها.
وأنا راجعة البيت، لقيت رسالة من رقم غريب على موبايلي.
الرسالة كانت قصيرة جدًا
مدام سعاد، أنا كاريمان. محتاجة أقابلك لوحدك. الموضوع يخص محمود وفلوس الشقة، وفي حاجة لازم تعرفيها قبل فوات الأوان.
فضلت أبص للرسالة وأنا مش مصدقة.
كاريمان نفسها!
الست اللي جوزي عاش معاها سنين، واللي عندها طفلين منه، هي اللي بتطلب تقابلني!
كنت ممكن أمسح الرسالة وأعمل نفسي ماشفتهاش، لكن إحساسي إن فيه سر أكبر من اللي عرفته خلاني أرد
هقابلك فين وإمتى؟
بعتتلي اسم كافيه في وسط البلد، وحددت ميعاد الساعة خمسة.
لما وريّت كريم الرسالة، اتعصب جدًا.
إزاي تروحي تقابليها لوحدك يا ماما؟ دي ممكن تكون عايزة تضحك عليكي!
قلتله
أنا مش رايحة أتصاحب عليها يا كريم. أنا رايحة أعرف الحقيقة. ولو قالت أي حاجة مهمة، هنراجعها مع المحامي.
في اليوم المحدد، لبست وخرجت من البيت.
كنت طول الطريق بسأل نفسي يا ترى كاريمان عايزة مني إيه؟ هل هتعتذر؟ هل هتدافع عن محمود؟ ولا هتطلب مني أسيبه يعيش حياته في هدوء؟
وصلت قبلها بعشر دقايق، وقعدت في ركن بعيد عن الزحمة.
بعد شوية، دخلت ست في أواخر التلاتينات، لابسة لبس بسيط، وشكلها مرهق جدًا.
كانت بتبص حواليها بتوتر، ولما عينيها جت في عيني، قربت مني.
مدام سعاد؟
هزيت راسي.
قعدت قدامي، وفضلت ساكتة شوية، وبعدها قالت
أنا عارفة إن مفيش كلام في الدنيا ممكن يخليني أطلع من المقابلة دي من غير ما تكوني كارهاني.
بصيتلها وقلت
أنا مش جاية أكره حد ولا أسامح حد. أنا جاية أعرف الحقيقة.
نزلت عينيها وقالت
محمود قاللي إنك عارفة بوجودي من زمان، وإن جوازكم بقى مجرد اسم، وإن كل واحد فيكم عايش حياته لوحده.
حسيت بقلبي بيتعصر.
قالك كده؟!
هزت راسها.
أيوه. قاللي إنكوا منفصلين من سنين، وإنه مستني الوقت المناسب عشان يطلقك رسمي. وقاللي إنك عارفة بولادي، وإنك موافقة إنه يصرف عليهم.
ضحكت ضحكة موجوعة.
وأنا كنت فاكرة إنه راجل مسافر عشان يأمّن مستقبل بيته!
كاريمان بدأت ټعيط.
أنا مش جاية أبرر لنفسي. أنا غلطت لما صدقته من غير ما أتأكد، وغلطت أكتر لما سكتّ. بس أنا كمان كنت فاكرة إني ببني بيت لأولادي، مش إني بهدم بيت ست تانية.
سألتها
طيب، إيه حكاية الشقة؟ وإيه الفلوس اللي مش فلوسه؟
فتحت شنطتها، وطلعت ملف بني قديم، وحطته قدامي.
قبل ما أوريكي الورق ده، لازم أحكيلك عن الست اللي كلمته امبارح.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
مين هي؟
قالت
اسمها منى. أخته الكبيرة. وهي اللي كانت بتتابع علاج خالته، مش أمه. محمود قالك إنها أمه عشان يهرب من السؤال، وأنا سمعت المكالمة بالغلط لما كنت بكلمه قبلها. بس دي مش أهم حاجة.
سكتت لحظة، وبعدين كملت
منى عرفت من فترة إن محمود بيحوّل فلوس من حساب قديم باسم والدته المټوفية، حساب كان المفروض يتقسم بين الورثة. هي شكت إنه استخدم جزء من الفلوس في شراء الشقة، وبدأت تسأله.
اتسعت عيني.
يعني الشقة ممكن تكون بفلوس ميراث؟
أيوه. بس فيه حاجة أخطر. منى اكتشفت إن فيه تحويلات تانية اتعملت من حساب مشترك