بعد وفاة ابويا
– “جرى إيه يا شرين! هو إحنا بنتكلم في فكة؟ الشركة لوحدها مباعة بمليارات! إنتي محسساني إننا نشحاتين! وبعدين أمي دي هي اللي ربتني وشالتني، وأقل واجب إني أريحها في أواخر أيامها.. ولا إنتي مستخسرة في أمي وأختي الفرحة؟”
– “الموضوع مش موضوع استخسار يا شريف.. الموضوع إنك بتوزع سمك في البحر قبل ما تصطاده، وقبل ما تسألني أنا رأيي إيه في فلوسي!”
– “فلوسك هي فلوسي يا شرين.. إحنا دخلنا بيوت بعض على أساس إننا واحد، ولا إنتي لما الفلوس جرت في إيدك بقيتي بتقولي ده بتاعي وده بتاعك؟”
الحديث معاة كان زي النفخ في قزازه مكسورة.. كل ما أحاول أصلح، جرحني كلامه وأسلوبه. سيبته ودخلت الأوضة، وقفت قدام مرايتي وسألت نفسي: “هل أنا كنت عمياء طول الـ 22 سنة دول؟ ولا الفلوس هي اللي بتكشف معادن الناس الحقيقية؟”
تاني يوم، دفنا بابا الله يرحمه. كان يوم صعب، مليان دموع وحزن، وشريف كان واقف في العزا جنب مني، بس كل ما حد من معارف بابا الكبار أو رجال الأعمال يسلم عليه ويقوله: “الحاج توفيق كان قيمة وقامة وتسيب ثروة كبيرة من الأخلاق والخير”، كنت ألمح عينين شريف وهي بتلمع كأنه بيسمع كلمة “ثروة” بس وبيطنش كلمة “أخلاق”!
يوم الخميس الصبح، لبست طقم أسود هادي ونزلت ورحت مكتب الأستاذ فتحي في وسط البلد.
المكتب كان عريق، ريحة الخشب القديم والكتب القانونية تملى المكان.
أول ما دخلت، الأستاذ فتحي قام استقبلني بحفاوة، وقعدني قدام مكتبه الضخم، وطلبلي فنجان قهوة سادة.
– “البقاء لله تاني يا شرين يا بنتي.. وشك باين عليه التعب.”
– “ونعم بالله يا أستاذ فتحي.. الحمد لله على كل حال. أنا جيت زي ما حضرتك طلبت، وحابة أفهم كل حاجة.”
الأستاذ فتحي عدل نظارته، وفتح ملف جلد أسود كبيير كان محطوط قدامه.
– “شوف يا بنتي.. الحاج توفيق الله يرحمه، لما باع شركة ‘توفيق للميكانيكا’ من سنتين، البيعة فعلاً جابت مبلغ ضخم جداً.. حوالي 45 مليون جنيه.”
قلبي دق بسرعة.. الرقم كان كبير فعلاً، أكتر مما كنت أتوقع!
لكن الأستاذ فتحي كمل كلامه ونظراته اتغيرت للجدية الشديدة:
– “بس الحاج توفيق كان راجل عبقري، وراجل بيقرأ الناس صح.. من ست شهور، لما صحته بدأت تتراجع، جالي هنا المكتب وقعد معايا قعدة طويلة جداً. وقال لي نصاً: ‘يا فتحي.. أنا بنتي شرين طيبة وأميرة، وجوزها شريف أنا عارفه كويس.. راجل طماع، وعينه على القرش، ومستني اللحظة اللي أنا أموت فيها عشان يحط إيده على التركة ويضيع شقى عمري ويحرم بنتي من أمانها’.”