بعد وفاة ابويا
#مشيره_محمد
فتحت الخط بنفس مكسور وصوت حزين:
– “ألو.. السلام عليكم.”
– “وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.. أستاذة شرين؟ أنا الأستاذ فتحي المحامي، محامي الحاج توفيق الله يرحمه.”
– “أهلاً بحضرتك يا أستاذ فتحي.. البقاء لله.”
– “ونعم بالله يا بنتي، شدّي حيلك.. الحاج توفيق كان راجل من أطيب الناس وأخلصهم، ربنا يرحمه ويسكنه فسيح جناته. أنا عارف إن الوقت مش مناسب، وإن العزا لسه ما خلصش، بس كان لازم أكلمك ضروري عشان في إجراءات قانونية وأمور معلقة لازم تتوضح قبل ما أي حد يتصرف أو يعمل حساباته.”
سكتت لحظة وأنا ماسكة كرافتة أبويا الكحلي في إيدي، بضغط عليها كأني بمسك في أي حاجة فاضلة منه.
– “خير يا أستاذ فتحي؟ في حاجة في الأوراق؟”
– “يا بنتي الحاج توفيق قبل وفاته بست شهور، جالي المكتب وعمل إعادة تنظيم كاملة لثرائه وتركه وتصرفاته المادية.. وفي سؤال واحد بس محتاج أسألهولك قبل ما نتقابل ونفتح الورق رسمياً.”
أنفاسي اتجمدت في صدري، وقلبي بدأ يدق بسرعة:
– “سؤال إيه يا أستاذ فتحي؟”
– “هو الأستاذ شريف جوزك.. يعرف حاجة عن تفاصيل ذمة الحاج المادية؟ أو هل الحاج كتبلك حاجة باسمك بشكل مباشر قبل ما يتوفى؟”
– “لا.. شريف ما يعرفش حاجة غير إن بابا باع شركته وبيته ملك، وما يعرفش أي أرقام.. وبابا عمره ما اتكلم معايا في أرقام أصلاً.”
تنهد الأستاذ فتحي تنهيدة طويلة عبر التليفون، تنهيدة فيها سر كبير، وقال بصوت حاسم ورزين:
– “يبقي الحمد لله إنك ما اتكلمتيش ولا بحدود كلمة واحدة. الأستاذ شريف فاكر إن الحفلة بدأت والفلوس نازلة من السماء، لكن الحقيقة غير كده تماماً يا شرين.. أنا عايزك تجيلي المكتب بكره الساعة 12 الصبح، ولو شريف قالك أجي معاكي، قوليله المحامي قال الإجراءات الفردية للوريث الشرعي الوحيد الأول. وتعالي لوحدك.. تمام؟”
– “تمام يا أستاذ فتحي.. هاجي لحضرتك.”
قفلت الخط وأنا وقفة في أوضة أبويا. الريحة بتاعته لسه في الأوضة، ريحة العود الخفيف مع ريحة أوراق قديمة. بصيت لنظارة القراءة اللي على التسريحة، وحسيت إن أبويا كان شايف المستقبلي بوضوح أكتر مني بكتير.. كان عارف شريف وعارف طمعه، وكان بيجهز للموقف ده من زمان من غير ما يحسسني بحاجة.
رجعت البيت على الساعة 4 العصر. أول ما فتحت باب الشقة، لقيت شريف قاعد في الصالة، فاتح اللاب توب ومفروض قدامه أوراق وشخبطة وحسابات، وشغّل أغاني خفيفة في الخلفية كأنه في إجازة مصيف!