انا مدرسة انجليزي
. فاهم؟»جمال بلع ريقه، وعينيه نزلت في الأرض من غير ما ينطق بحرف واحد. الضعف كان سكن ملامحه خلاص، لأنه عارف إنه لو خسرني مش هيخسر ست شايلة بيته وبس، ده هيخسر الكيان والستر اللي كان عايش فيه ومفتكرش قيمته إلا لما اتقفل بابه.سبته واقف في الصالة ودخلت أوضة ولادي، بوستهم وهما نايمين وغطيتهم. بصيت لملامحهم البريئة وحسيت إن كل لحظة تعب وصمود عدت عليا كانت تمن حريتي وحمايتهم.
علمتهم من غير كلام إن الست القوية مش اللي بتصرخ وبتتخانق، الست القوية هي اللي بتعرف تبني نفسها صح، وتعرف إمتى تخلع القناع عن المزيفين، وتعيش عزيزة النفس راسها مرفوعة ومتوطيش لحد أبداً.مرت الأيام بعد الليلة دي، والبيت دخل في مرحلة صمت ثقيل، بس كان صمت مريح بالنسبة لي.جمال فهم أخيراً إن مكانه اتغير للأبد؛
بقى يدخل ويخرج بحساب، صوته العالي اللي كان بيملا الصالة اتقطع، ونظراته المكسورة كانت بتلاحقني في كل ركن. بقى يشوفني ست تانية خالص، مش هناء الطيبة المضحية اللي بتجري من الصبح لليل عشان ترضيه وتدبر مصاريف البيت، بقت قدامه واحدة صاحبة عمل، ست شاطرة وناجحة، والأهم من كده إنها مبقتش محتاجة له في أي حاجة.
بعد سنة واحدة، النجاح مكنش مجرد أرقام، ده بقى واقع فارض نفسه على الكل.المركز التعليمي بقى حديث الإدارة والمنطقة كلها، وطلبة الثانوي بقوا ييجوا من مناطق بعيدة عشان المدرسين والسمعة والانضباط. اتفقنا أنا وشريكتي إننا نوسع، وأخدنا الدور اللي فوقينا كمان وفتحنا معمل لغات وقاعات مكيفة إضافية، واسمي كـ “مس هناء” بقى له هيبة ووزن في كل مدرسة وكل بيت.في يوم، كنت مروحة بدري من المركز، ومعايا عربيتي الجديدة اللي اشتريتها زيرو من كاش أرباحي في السنتر، ركنتها تحت العمارة وطلعت.
لقيت جمال قاعد مع والدته في الصالة؛ حماتي اللي كانت دايمًا شايفة ابنها “باشا” ومكنتش بتعلق أبدًا على إني بصرف وشايلة، كانت قاعدة وشكلها متغير، باين عليها إنها جاية في مهمة صلح أو تليين دماغ.أول ما دخلت وسلمت بهدوء، حماتي بصتلي بابتسامة متكلفة وقالت: «أهلاً يا هناء يا بنتي.. ما شاء الله، سامعة عن نجاحك وعربيتك الجديدة، ربنا يزيدك يا حبيبتي.. بس مش كفاية بقى جفا يا بنتي؟ الراجل راجع من شغله تعبان وعايز يلاقي مراته في ضهره، والحياة مشاركة والمسامح كريم».