انا مدرسة انجليزي
دخل عليا الأوضة وأنا قاعدة براجع كشوف الحسابات وأرباح الشهر الأول للمركز.. قفل الباب وراه ببطء، ووقف قدام المكتب وصوته فيه نبرة مهزومة وهو بيقول: «وبعدين يا هناء؟ هنفضل عايشين أغراب في بيت واحد لحد إمتى؟»قفلت كشكول الحسابات على مهل، ورصيت القلم جنبه ببرود يحرق الدم. رفعت راسي وبصيت له من فوق لتحت، شفت في عينيه الانكسار اللي كان بيحاول يداريه طول عمره بنفخة كدابة.رديت بنبرة هادية وميتة: «أغراب؟
وليه مسميها أغراب يا جمال؟ ما دي العيشة الطبيعية لأي اتنين شركاء في سكن، إنت ليك أوضتك وحالك، وأنا ليا حالي وولادي.. مش ده نفس المنطق اللي اتعاملت بيه لما طلبت منك سلف؟».بلع ريقه بصعوبة، وقرب خطوة وهو بيحاول يسترجع نبرة السيطرة القديمة بس صوته خانه وطلع مهزوز: «إنتِ لسه شايلة في قلبك عشان حتة السلف؟ ما إنتِ اتصرفتي أهو وفتحتي المركز وكسبتي ومبقتيش محتاجة لحد! لازم يعني تقلبي البيت جحيم؟
بطلتي تعملي لقمة، بطلتي تغسلي قميص، حتى سلام الله مبتسلميهوش.. كل ده عشان قولتلك نكتب الورق باسمي ونبقى شركاء؟».ضحكت ضحكة قصيرة وجافة، وقفت من ورا المكتب وبصيت في عينيه مباشرة، وقربت منه خطوة واحدة خلت جسمه يتشد بتوتر. قولتله بصوت واطي بس كل حرف فيه كان طالع زي السكينة: «شريك؟ إنت عمرك ما كنت شريك يا جمال.
. إنت كنت مستني اليوم اللي تكسر فيه وسطي. فاكر مكالمتك لطارق صاحبك؟ فاكر لما كنت بتضحك وتقوله دي فرصة وجاتلي لحد رجلي عشان ألوي دراعها وأكسر عينها، أو أفتح أنا وإنت ونضرب شغلها ونسقطها؟».الدم هرب من وشه فجأة، وعينيه وسعت برعب وكأنه شاف عفريت. فك بقه وحاول ينطق، يتلعثم، يدور على أي كدبة ينكر بيها، بس ملقاش ولا كلمة تطلع من حلقه.
كان عريان تماماً قدام حقيقته الرخيصة.كملت وأنا بثبت عيني في عينيه: «أنا سمعتك بوداني يا أبو ولادي، سمعت الراجل اللي شيلته فوق كتافي سنين وهو بيخطط إزاي يدفن راسي في الطين. المركز اتفتح، والفلوس اللي كنت عايز تذلني بيها طلعت من كرم ربنا ومن جدعنة زمايلي مش منك، والمركز شغال ومكسر الدنيا ومش هيقف.. إنما البيت؟ البيت ده كان قايم على واحدة مغفلة كانت فاكرة إن ليها ضهر، والمغفلة دي فاقت خلاص».
سكت ثانية وأنا شايفة شفايفه بترتعش، وقولتله الجملة اللي قطعت كل حبل كان فاضل يربطنا: «من هنا ورايح، مصاريف ولادك هتدفعها مليم ينطح مليم، وإيجار الشقة وفواتيرها عليك كلك، لا هطبخلك لقمة ولا هغسلك هدوم ولا هتشوف مني غير المعاملة اللي تليق بواحد كان ناوي يغدر بيا في ضهري.. مش عاجبك؟ الباب يفوت جمل، بس اعرف كويس إن هناء اللي كنت فاكر إنك تقدر تكسرها، هتدوس على أي حد يحاول يقف في طريقها.