انا مدرسة انجليزي
وقفت قدامهم وأنا قالعة نضارتي، وبصيت لحماتي ومنها لجمال اللي كان حاطط عينه في الأرض زي التلميذ الخايب، ورديت بنبرة هادية بس توزن بلد: «المسامح كريم يا حماتي لما تكون الغلطة كلمة زعل أو تقصير من غير قصد.. مش لما يكون الشريك مبيت النية يكسر ضهري وينافسني في لقمة عيشي ويذلني بالخمسين ألف اللي اتعمل بيهم صرح باسمي النهاردة. المشاركة كانت من طرفي أنا لسنين، ولما جيت أحتاج له.
. اتعامل معايا كأنه تاجر عايز يستغل ضعفي».حماتي اتلجلجت ومعرفتش ترد، لأن جمال كان حكالها جزء ومخبي الجزء الأوسخ، بس وش جمال اللي فضل أحمر ومحروج كان كفاية يثبتلها إن كل كلمة بقولها حقيقة.كملت وأنا متجهة لأوضتي: «أنا هنا عشان ولادي، وعشان البيت ده أنا بنيت فيه ذكرياتهم، جمال بيقوم بواجبه كأب وملتزم بمصاريفهم زي أي راجل محترم، وأنا مش طالبة أكتر من كده.
. لا ليا فيه، ولا ليه فيا، وكل واحد مرتاح في المكان اللي اختاره لنفسه».دخلت أوضتي وقفلت الباب، وبصيت في المراية وابتسمت.كنت شايفة ست قوية، ملامحها منورة، مش الست المنهكة اللي كانت بتركب مواصلات وشايلة شنط الخضار على كتافها وخايفة تطلب مليم. الحياة علمتني درس مش هنساه عمري: لما تدي أكتر من اللازم لشخص ناكر للجميل، هيعتبر كرمك واجب، وضعفك حقه المكتسب.. لكن لما تقفي على رجلك وتعرفي قيمة نفسك، كل اللي حواليكي هيضطروا يعملوا لك ألف حساب.
أيام ورا أيام، وعدت السنين، والدرس اللي جمال خده مكنش مجرد قرصة ودن، ده كان حرق كامل لأي غرور أو أنانية كانت جواه.الراجل اللي كان متعود يشوفني بتعب وأشقى وهو قاعد حاطط رجل على رجل، لقى نفسه مجبر يعيد حساباته من الصفر. مع الوقت، ولما شاف نجاحي بيكبر ومبقتش محتاجة لقرش منه، ومع التزامه الإجباري بمصاريف البيت اللي كانت كاسرة ضهره، بدأ يتغير فعلاً.
التغيير مكنش سريع ولا سحري، بدأ بانسحاب تام من حياة “المنظرة” اللي كان عايشها. طارق وصحابه اللي زيه اختفوا من حياته لما لقوه مبقاش يقدر يجاريهم في المصاريف والقعدات. رجع يركز في شغله الأساسي، بقى يشتغل ورديات إضافية عشان يقدر يغطي مصاريف الولاد والبيت اللي اتفرضت عليه وميقصرش فيها، لأنه كان عارف إن أي تقصير معناه نهاية وجوده في حياتنا.
الأهم من كده، إن نبرة الاستعلاء والبرود اللي كان بيكلمني بيهم اختفت تماماً. بقى يتكلم بصوت واطي، يطلب مش يأمر، ويستأذن قبل ما يعمل أي حاجة تخص البيت. في مرة، كنت قاعدة براجع ورق السنتر في الصالة، لقيته راجع من الشغل جايب معاه طلبات البيت اللي كانت ناقصة من غير ما أطلب، ودخل المطبخ يعمل شاي، وطلع حط الكوباية قدامي بهدوء وقال: «تسلم إيدك على تعبك.. لو محتاجة مساعدة في الورق ده قوليلي».