اشاره
واقفة في الإشارة كالعادة وبدأ بعض المتسولين يتجمعوا حولين العربية, اللي عايزني أشتري مناديل, واللي بيمسح العربية وعاوز فلوس, مشهد محفوظ ومعروف وبالأخص في الإشارة اللي كنت بعدي عليها شبه يوميا, ورغم ان الموضوع كان بيسبب ليا ضيق إلا إني كنت بستحمل وبعدي, انما اللي كنت فعلا بكرههم وعندي فوبيا منهم هما المشردين, الناس اللي بيقعدوا تحت الكباري بهدوم متسخة وشعر طويل, تبص في عنيهم تحسهم عفاريت مش بشر, تايهين في ملكوت تاني…
كنت بخاف منهم جدا وفي نفس الوقت عندي فوبيا كمان بسبب موقف قديم حصلي مع واحد منهم, كنت واقفة في إشارة وشوفت واحد منهم نايم على الرصيف, حسيت بنوع من أنواع الشفقة عليه وبدأت أرميله سندوتش على الأرض عشان يمد إيده وياكله, بس الغريب ان رد الفعل كان في منتهى العنف, مسك حجر ضخم وخبط بيه ازاز العربية بكل عنف, ولولا ستر ربنا والازاز اللي كان سميك كان زمان الحجر قتلني, الغريب انه حاول مرة تانية يكسر الازاز لولا ان ربنا قدرني وهربت بالعربية..
ومن خضتي يومها بقيت بتحاشاهم دايما, بل ولما بشوفهم بحس برعب غريب من جوايا, كنت شايفاهم من أغدر أنواع البشر, اللي ممكن يغدروا بيك في أي لحظة وانت بتشفق عليهم, عشان كدا لما كنت بشوف الأطفال بيضربوهم بالطوب مكنتش بشفق عليهم إطلاقا, بل وتمنيت من جوايا في يوم انهم يموتوا ونتخلص منهم, بس لو كان ده حصل كان زماني في خبر كان حرفيا..
روحت على المستشفى عشان أشوف التكليف الجديد وانا بدعي ربنا ان التكليف يجي في مستشفى قريبة, انا مش حِمل سفر إطلاقا خاصةً بعد موت والدي ومبقاش لأمي في الدنيا غيري أنا..
وقتها اتنظمت اللجنة وتم تكليفي بالعمل في مستشفى في نفس النطاق, بس في بلد قريبة مننا, حمدت ربنا كتير وبدأت أتجهز عشان بعد يومين هبدأ العمل رسميا في المستشفى دي, وفعلا وبعد يومين طلعت على المستشفى وقابلت الدكتور منيب رئيس المستشفى, بدأ يعرفني على زمايلي ويعرفني طبيعة الشغل في المستشفى..
وانا كنت دكتورة شاطرة في مجال النسا, وعرفت ان مواعيد العمل في القسم بتاعي بيخلص الساعة 4 العصر, عكس أقسام تانية بتخلص متأخر, كنت مبسوطة أوي وحاسة إن الشغل هنا هيكون ممتع..
المستشفى كانت بتتكون من دور أرضي وأربع أدوار فوق سطح الأرض, الدور الأرض له سلم نازل لتحت دايما مقفول بباب قديم, والأربع أدوار اللي فيهم العيادات, واللي عيادتي كانت في أول دور منهم, وفورا ومن تاني يوم بدأت أمارس شغلي, يجيلي المريض واشخص حالته واكتبله العلاج..
الغريب ان بعد فترة شغل بدأت أشوف كل كام يوم بيجي واحد من المشردين دول ويدخل أكتر من عيادة يكشف ويطمنوا على صحته بعدها بيخرجوه, كنت مستغربة وانا بكشف واتفاجئ بواحد منهم جاي مع اتنين ممرضين وواخدينه لأكتر من عيادة, بل وكان بيعاودني الخوف من تاني..
ولما سألت عن سبب تواجدهم في المستشفى اتقالي ان الدكتور منيب صاحب المستشفى بيعمل كدا لوجه الله, بيعالج أي حد منهم صحيا ويبعته على المصحة النفسية اللي برضه هو مدير ليها ويطلعهم للمجتمع أسوياء, واتكرم أكتر من مرة بسبب الموضوع ده..
بس انا كنت لسة على تفكيري القديم, شايفة اننا لو اتخلصنا منهم هيكون أفضل, واننا مهما عملنا معاهم استحالة يتعالجوا, ولما جهرت بأفكاري اتقالي انهم فعلا بيتعالجوا وفيه أكتر من حالة اتعالجت فعلا..
بس وجودهم المستمر في المستشفى كان بيسببلي نوع من أنواع الخوف الشديد, لدرجة إني قابلت الدكتور منيب وعرفته اني مبعرفش أشتغل في محيط مع شوية المشردين دول, استغرب كلامي جدا في البداية بس أكدلي انه مش هيتوقف عن مساعدتهم مهما كان واني لازم اتأقلم على وجودهم, ولو الموضوع مضايقني شوية ممكن أعرف مواعيد وجودهم واتحاشاها تماما..
وكان كل يوم اتنين وخميس بيجي واحد منهم يكشف على الساعة 10 صباحا, وكنت بحاول بقدر الإمكان أتحاشى أوقات وجودهم في المكان لحد ما جت أغرب ليلة في حياتي, خلصت شغلي على العصر كالعادة وقبل ما أروح بدقايق جالي تليفون من دكتورة زميلتي واترجتني استنا كمان ساعتين لأن فيه مريضة قريبتها هتيجي تكشف ومش معاها مبالغ العيادات الخاصة..
كلامها ضايقني بصراحة بس مقدرتش أعترض خاصةً انها كانت في منتهى الوِد والاحترام معايا, طلعت قعدت على كافيه الساعتين دول ورجعت على المستشفى كشفت على المريضة وقفلت العيادة وبدأت أجهز عشان أخرج من المستشفى..
في الوقت ده كان المغرب أذن وكان بكرة عطلة رسمية وكل عيادات المسا مقفولة, اتجهت ناحية الباب وقبل ما أخرج ووسط صمت المستشفى حسيت بصوت حركة على السلم اللي بينزل للدور اللي تحت..
صوت الحركة كان شبيه بشيء أو حاجة بتزحف على الأرض, تجاهلت الصوت وقبل ما أمشي سمعت حد بينادي عليا بإسمي
“يا دكتورة ندى”