سواق
قاعد على القهوة في أمان الله وبشرب الشاي بتاعي وإذ فج.أةً انتبهت على صوت صر.يخ وهرج ومرج وناس عمالة تجري وكأنه يوم القيامة، جريت مع اللي بيجروا لقيت سواق عربية ميكروباص فارم واحد، المنظر خلى قلبي يتقب.ض، الراجل تقريبًا جسمه كله اتكس.ر، تحس إن جسمه بقا عبارة عن كومة لحم، الد.م نازل من راسه ومناخيره وكل حتة تقريبًا..
كان باصص لينا بذهول ومبرق وعينيه بيضا ومُخيفة، راودني شعور بالرهبة والخوف، أنا خايف أقرب من الراجل ده، وتقريبًا الشعور ده راود الكل، الكل واقف حولين الراجل بيتفرج عليه وبس، مش ندالة بس فعلًا فيه شعور مر.عب، الراجل كأنه أصلًا كان ميت ودي تاني مرة يموت، في الوقت ده عينيه وقعت عليا أنا، أنا وبس..
جسمي كله قشعر، قلبي اتقبض، وغصب عني قربت منه، حاربت شعور الرهبة وحاولت أساعده، قعدت على الأرض وحطيت راسه على رجلي، في اللحظة دي شوفت عينيه، عين واحد ميت وبيضا، تحس إنها عامية، مفيهاش النن الأسود ده، وفي اللحظة دي مسك صباعي وخلع خاتم من صباعه وقام ملبسني الخاتم..
الخاتم كان سخن، سخن أوي أوي، وتقيل، بصيت للخاتم لقيته خاتم أسود والفص بتاعه على شكل جمجمة منقوش عليها كلام كتير، بصلي وابتسم ومات، مات ودمه كان مغر.ق هدومي..
معرفش ليه كلنا كنا ساكتين، صمت، صمت تام، مع إنها مش عادة المصريين، لو موقف مشابه كان زمان السواق مطحون ومتسلم للقسم والناس بتبكي وتترحم على الميت، إنما الشعور اللي كان منتشر حولينا خلى الناس تمشي أول ما جات عربية الإسعاف وشالته، بصيت حوليا بذهول وقمت، لقيت صاحب محل عرض عليا ادخل أغسل نفسي وهدومي عنده..
وخلص اليوم وروحت، كنت بتحاشى إني أبص للخاتم، ومع ذلك مكنتش قادر أقلعه، عارف شعور السيطرة، الهيمنة، أهو ده شعوري تجاه الخاتم، كأني عيل صغير ماشي مع والده واللي بيتقال بيتنفذ بالحرف..
روحت وحاولت أنام، أنام عشان أنسى الموقف العجيب اللي حصل ده، حطيت الخاتم على الكرسي جمب السرير ونمت، واتغطيت كويس عشان الجو كان برد، برد جدًا، وبالفعل نمت، شوية وبدأت أعرق جامد، الجو بقا سخن، سخن أوي، سخن في شتاء يناير البارد..
شيلت البطانية وشهقت، شهقت من المفا.جأة، الخاتم كان منور، منور أوي، بصيتله بخو.ف وأنا مش مستوعب المفا.جأة دي، قربت منه لقيته عامل زي الفرن، بيطلع حرارة رهيبة، النقوش بتاعته كانت بتتأ.لق بألوان غريبة..
مسكت قماشة وزقيت بيها الخاتم ناحية درج المكتب وقفلت عليه، واختفى الضوء نوعًا ما، خرجت من الأوضة وفضلت صاحي للصبح، لحد ميعاد الشغل، دخلت أشوف الخاتم بخوف لقيته عادي خالص، ومعرفش ليه لبسته..
روحت الشغل وأنا مخن.وق، وده بسبب مشا.كل كتير بيني وبين مشرفي اللي تقريبًا ض.ربته في آخر مش.كلة بينا، دخلت المكتب ولقيته في وشي
– جاي متأخر ليه؟!
– إذا كان عاجبك..
– أنت مش محترم..
وهجم عليا، وده طبعًا لأني هينته امبارح إها.نة السنين، كنت مرهق مش قادر حتى أقف، بس مسافة ما لمسني لقيت جسمي كله ول.ع، نا.ر مسكت فيه، قوة جبارة خلتني أمسكه من كتفه وأض.ربه برجلي في بطنه عشان يترمي حوالي مترين لورا..
وقع وهو بيتألم وتقريبًا مقدرش يقوم لخمس دقايق كاملين،. اتحولت للتحقيق، دخلت مكتب المدير وأنا عنيا بتطق شرار، هو شافني من هنا ولك أن تتخيل، لقيته بيقول:
– أنا عارف إنه غلطان وإنك كنت بدافع عن نفسك، وأحنا فصلناه من الشغل وهنعينك مشرف مكانه..
أيه الجنان ده؟؟؟
المفروض في أحسن الأحوال يتخصملي شهر مثلًا، اتطرد، اتحول للشرطة، المهم إني بقيت مشرف في يوم وليلة، مع إني بقالي سنتين بحاول اترقى ومش عارف من الحيوان اللي ضر.بته..
وأنا مروح لقيت المدير وقفلي بعربيته وحلف يوصلني للبيت، واستمر الأمر في غرابته، كل يوم ألاقي حد من الإدارة يوصلني بعربيته، الكل بيوقرني ويحترمني..
مرتبي زاد الضعف، طاقة غريبة بتجري في جسمي كل شوية، لحد ما في يوم قررت انزل من غير الخاتم، وكان يوم صعب جدًا، مش؟اكل في الشغل واتعرضت لحا.دث، وكنت حاسس بوهن غريب..
وبدأت اربط بين اللي بيحصلي وبين الخاتم، الخاتم اللي كان بينور كل ليلة ويطلع لهب، لحد ما في يوم صحيت على حركة في الأوضة، بصيت لقيت كائن مخيف واقف عند باب الأوضة، طويل جدًا وأسود ودراعاته طويلة ورفيعة جدًا، شعره كان نازل على وشه الأسود، المرعب..
جسمي كله اتخشب وفضلت باصصله بفزع حقيقي، كان واقف صامت تمامًا، حاولت انطق مرة واتنين وتلاتة، لحد ما في النهاية نطقت وقولتله:
– أنت مين؟!
وفورًا لقيته بيرد بصوت جهوري، صوت ضخم قوي:
– أنا مورانزيل خادم الخاتم وخادمك يا سيدي..
فضلت أنهج وأنا مش عارف اتكلم، في النهاية قولتله:
– امشي من هنا..
كل اللي عمله إنه اختفى، اختفى في لمح البصر، فضلت كتير مش مستوعب ده حقيقة ولا خيال، في النهاية معرفتش أنام، سبت الخاتم..
وبدأت المشاكل تكبر، المشرف قدم فيا شكوى في مكتب العمل واتحولت للتحقيق من تاني، ملقتش مواصلات واتبهدلت عشان أروح واجي، وللأسف رجعت ألبس الخاتم، بس بقيت أشوف الكائن ده كل ليلة، شكله كان بيدمر كل ملامح الحياة جوايا، حضوره لوحده بيخلي جسمك كله يتشنج، أنفاسك تض.يق، وقلبك يضطرب، ر.عب، خو.ف، رهبة، فز.ع..
في النهاية قررت، روحت المكان اللي كان فيه الراجل اللي مات، وسألت كتير أوي، سألت كل المحلات تقريبًا لو حد يعرفه، بس مكنش فيه أي حد يعرفه، وقعدت على قهوة قريبة مهموم جدًا، وبدون مقدمات لقيت راجل عجوز جه قعد قصادي وفضل يبص للخاتم، بصيتله بغضب وقولتله:
– أؤمر..
بصلي وسكت خالص، وقتها غ.ضبت أكتر:
– يا تنطق يا تمشي من هنا؟؟
– ليش دخلت نفسك بها الأمور؟!
– أمور أيه مش فاهم؟!
– ها الخاتم يا ولدي، خاتم مطلسم بطلاسم مظلمة، جهنمية، ليش تلبسه؟!
وقتها حسيت إنها النجدة، حكيتله كل حاجة، وسمعني، سمع كل كلمة وفي النهاية قال:
– المورجات..
– نعم!!!!
– المورجات يا ولدي تعو.يذة رهيبة، خليط بين تسخير الخدام وصهر المعادن، قليل اللي بيقدر يعمل ها الأمر، وما سمعت عن حد عملها هون إلا البصيري..
– مين البصيري ده ؟؟
– البصيري يا ولدي هو سا.حر بغيض، عمل التعويذة وصهر الخاتم، ومن يومها وهو متجبر بالأرض ما كان يقدر عليه انس ولا جن..
– وضحلي اكتر..
– يا ولدي لبسك للخاتم هذا بيعرضك لشىء شبيه بالمس من الشي.طان، بس هاد مس خادمي، وفي الحالة دي بيتملك الشيطان كل شيء بحياتك، وأول ما يتمكن بيخليك عبد له، لأنك وقتها هتكون بدون الخاتم ميت ع قيد الحياة..
– طيب طالما الخاتم قوي كدا ليه البصيري ده مات بالطريقة البشعة دي..
– البصيري يا ولدي اتحدى ملك الملوك، قالها نصًا “حتى الله لن يقدر عليا” وأهو مات بأبسط طريقة، وفي نفس اليوم
– ممكن أعرف أنت مين؟!
– أنا يا ولدي اللي بحا.رب خد.ام الخاتم علي مر العصور..
– أنت جاي تهزر؟!
ابتسم الراجل وقال:
– ارمي الخاتم بالبحر وإلا هتخسر دنيتك ودينك وآخرتك..
وقام فورًا ومشي، وبدون مقدمات خرجت أدور عليه تاني بس كان اختفى تمامًا، وقتها حصل صر.اع رهيب جوايا، جزء عايز القوة والهيمنة، وجزء خايف من ربنا..
في النهاية رميت الخاتم في النيل، بس العجيب إني لقيت الراجل العجوز على وش المية وكان مبتسم، وفي لحظة نزل تحت المية واختفى..
“مستوحاة من حكاية على لسان صاحبها”
بقلم/ أحمد محمود شرقاوي
………………