اتلحقوا كلوا
أول ما وصلت من المطار على البيت عدل، حسيت بكركبة في الجو. طلعت السلم خطوتين في خطوة ورُحت على أوضة النوم، لقيت يارا قاعدة على حرف السرير وشها أصفر زي الملاية ومخطوف، عينيها منفخة ووارمة من كثرة العياط، والولد الصغير بيترعش في حضنها ومخضوض من الزيطة والدبة العالية بتاعة السماعات تحت.
— فين أبوكي وأمك؟ — سألتها بلهفة ونفسي مقطوع.
حاولت تداري وتخبّي وشها وتدعي إن مفيش حاجة، بس مجرد ما مسكت إيدها انهارت وانفجرت في البكاء وكأنها كانت مستنية حد ينقذها.
— أُمك قالت إن شكلهم بلدي ولبسهم مش من مستوانا، وهيكسفوها ويصغروا مقامها قدام صحابها الهوانم… وبعتتهم ياكلوا ورا عند مطبخ الخدم.
نزلت على السلم وأنا مش شايف قدامي من الغضب، الدم كان بيغلي في عروقي وشرار طالع من عيني.
دخلت المطبخ بخطوات سريعة، لقيت الحاج منصور قاعد بجلابيته البسيطة وشه في الأرض من الخجل، والحاجة نبوية ساكتة وبتمسح دموعها النازلة بسكات بياقة طرحتها. الناس دول كانوا جايين من أقصى قرية جنب كفر الشيخ من أذان الفجرية، قطعوا السفر والسكة الصعبة وهم شايلين بفرحة فرخة بلدي مربينها في بيتهم مخصوص عشان يارا، مع كرتونة بيض طازة، ولحاف صغير غرزين عليه اسم ابني “زياد” بكل حب وغزل إيدين. أمي بقى بجمود قلبها كانت شايفه الهدايا دي مجرد “كركبة وكلام فارغ يكسف”.
— البيت ده مش ناقص فقر ولا بلديات — أمي قالتها بجمود وقرف وهي واقفة على باب المطبخ — كفاية إني سمحتلهم يعتبوا باب الفيلا ويحطوا رجلهم هنا.
الحاج منصور أول ما شافني دخلت، ساب المعلقة من إيده بشويش، وبرغم القهرة والوجع اللي كان باين في عينيه، اتحايل عليا بنبرة مكسورة وبترجي:
— عشان خاطر يارا يا ابني، بلاش مشاكل.. إحنا ماشيين أهو ومفيش حاجة حصلت.
الكلمة نزلت على قلبي زي السكين. نزلت على ركبتي فوراً قدام رجليهم على الأرض المبلولة.
— سامحوني وحقكم عليا فوق راسي… البيت ده بيتي أنا، ومفيش مخلوق على وش الأرض هيقل منكم أو يدوس على كرامتكم تاني تحت السقف ده.
مسكت إيديهم بكل قوة وقوّمتهم، وطلعت بيهم طوالي على قلب الصالة الرئيسية بره في الجنينة وسط المعازيم. أمي جرت ورانا زي المجنونة وهي بتركّب أعذار وتتلجلج بصوت واطي عشان محدش ياخد باله. أول ما وصلت عند الترابيزة الكبيرة الرئيسية، اللي صحباتها الانتيم قاعدين عليها بيشربوا عصاير فريش وبياكلوا أكل فاخر، حطيت إيدي تحت المفارش وشديتها بكل قوتي لفوق.