كنت ببعت لامي

عربية مقلوبة على الطريق الزراعي. العربية كان فيها راجل ومراته وطفل صغير. الراجل كان ماټ، والست كانت بين الحياة والمۏت، والطفل كان مصاپ إصابة خطېرة.
حسيت إن الكلام بيشدني ڠصب عني.
كمل الحاج فؤاد
أبوك وقف وساعدهم، ونقل الست والطفل للمستشفى. الست ماټت بعد وصولها بساعات، لكن الطفل عاش. المشكلة إن الطفل كان محتاج عملية كبيرة وعلاج طويل، ومكنش فيه حد من أهله ظهر في المستشفى.
سألته
وإيه علاقة أبويا بالطفل ده؟
رد عليا
أبوك عرف من أوراق الراجل المټوفي إنه كان شريك قديم ليا في مشروع تجاري، وكان عليه ديون كبيرة. وبعد الحاډثة، اكتشفنا إن الطفل ملوش حد قريب يقدر يتولى رعايته.
وبعدين؟
الحاج فؤاد فتح الملف، وطلع ورقة عليها توقيع أبويا.
أبوك قرر يساعد الطفل، ودفع مصاريف علاجه من فلوسه، لكنه للأسف استلف مني مبلغ كبير عشان يقدر يكمل العلاج ويضمن إن الطفل ميتسابش في المستشفى.
هنا بدأت أفهم حكاية الدين اللي شفتها في بيت أمي.
لكن السؤال اللي كان بيوجعني أكتر هو ليه أمي فضلت شايلة الحمل ده لوحدها؟
الحاج فؤاد كمل
بعد ۏفاة أبوك، أمك عرفت بالحكاية كلها. كانت تقدر تسيب الطفل لمصيره، وتعيش حياتها وتربيك، خصوصًا إنها كانت أرملة وفي إيدها طفل صغير زيك. لكنها رفضت.
نزلت دموعي وأنا بسمعه.
راحت للمستشفى، وطلبت تشوف الطفل، ولما شافته، اكتشفت إنه كان محتاج رعاية مستمرة. ومن يومها قررت إنها تساعده، حتى لو هتعيش على أقل القليل.
ضړبت كفي على المكتب وقلت
طب ما كانت تقول لي! أنا كنت ببعتلها خمسين ألف جنيه كل شهر! كنت ممكن أساعدها وأشيل عنها كل ده!
الحاج فؤاد بصلي بأسى وقال
هي حاولت تقولك، لكن كل مرة كانت بتتراجع.
ليه؟!
اتنهد وقال
لأنها كانت خاېفة إنك تحس إن أبوك سابلك ديون ومشاكل، أو إنك تفتكر إن الطفل ده مسؤوليتك، فتضطر تختار بين حياتك ومستقبلك وبين وعد أمك لأبوك.
سكت شوية، وبعدين أضاف
لكن ده مش كل شيء يا علي.
قلبي انقبض تاني.
الحاج فؤاد سحب ورقة من الملف، وحطها قدامي.
الطفل ده كبر، واتعلم، واتعالج. وأمك فضلت تساعده لحد ما بقى قادر يعتمد على نفسه. وبعد ما إنت سافرت، بدأت تبعتلها الفلوس، وهي استخدمت جزء كبير منها في علاجه وتعليمه، وجزء تاني في مساعدة أسرته اللي اتكشفت بعد سنين إنها كانت لسه موجودة.
بصيتله پصدمة.
أسرته؟! إنت قلت إن أهله ماتوا!
هز راسه وقال
أمه وأبوه ماتوا في الحاډثة، لكن بعد فترة طويلة اكتشفنا إن ليه أخت أكبر منه كانت عايشة مع خالتها في محافظة تانية، وإن الخالة نفسها كانت في ظروف صعبة جدًا.
حسيت إني مش قادر أستوعب كل الأسرار دي مرة واحدة.
لكن فجأة افتكرت سؤال مهم.
طيب، إيه الحاجة اللي أمي نفسها ما كانتش تعرفها، واللي حضرتك قلتلي عليها في التليفون؟
الحاج فؤاد سكت، وبعدين فتح آخر صفحة في الملف.
كانت شهادة ميلاد قديمة، وصورة طفل، وورقة عليها بيانات مستشفى.
بصلي وقال
الطفل اللي أمك قضت عمرها بتساعده… مش مجرد طفل أبوك أنقذه.
قربت منه وأنا حابس نفسي.
فكمل
الطفل ده هو ابن شريكي القديم، والراجل ده قبل الحاډثة كان عامل وصية، لو حصل له أي حاجة، ثروته تتحول لابنه بعد ما يتم السن القانوني، بشرط إن حد يثبت هويته ويحافظ على حقه.
قلتله باستغراب
يعني الطفل ده وارث؟
هز راسه.
أيوه. لكن للأسف، الأوراق الأصلية اختفت بعد الحاډثة، وكل اللي كان معانا نسخة واحدة. ومن غير الأوراق دي، حقه في الميراث فضل معطل سنين طويلة.
وبعدين بصلي نظرة غريبة وقال
وأمك كانت محتفظة بالنسخة الأصلية في بيتها.
اتسعت عيني.
في بيتها؟! فين؟!
رد عليا
في الصندوق اللي إنت فتحته. وعلشان كده أنا رحت لها قبل ۏفاتها وطلبت منها تسلّمهولي، لأننا كنا قربنا نوصل للحقيقة.
قمت من مكاني وقلت
يعني حضرتك كنت عارف كل ده، وسايب أمي تصرف فلوسها على الطفل ده من غير ما تساعدها تسترد حقه؟!
الحاج فؤاد نزل عينيه وقال
أنا غلطت، يا علي. فضلت سنين بدور على الأوراق، ولما عرفت إن أمك محتفظة بيها، كان الوقت اتأخر. لكن فيه حاجة تانية لازم تعرفها.
طلع من الملف ظرف أبيض صغير.
قبل ۏفاة أمك بيومين، وصلني جواب منها. قالتلي فيه إنها أخيرًا قررت تحكيلك كل الحقيقة، وإنها عايزاك تقابل الطفل بنفسك.
مسكت الظرف بسرعة، وفتحته.
كان فيه جواب قصير بخط أمي
يا حاج فؤاد، أنا تعبت، وحاسة إن عمري قرب يخلص. نفسي علي يعرف الحقيقة قبل ما أموت، لكني خاېفة من رد فعله.
لو حصل لي حاجة قبل ما أشوفه، خليه يقابل الولد، ويسمع منه حكايته بنفسه.
وقوله إن الفلوس اللي كان بيبعتهالي عمرها ما راحت هدر، وإن كل جنيه منها كان أمانة في رقبتي، وأنا حاولت أحافظ على الأمانة دي على قد ما قدرت.
لكن أهم حاجة، يا حاج فؤاد، متخليهوش يفتكر إن كل اللي عملته كان عشان الفلوس أو عشان أبوك.
أنا عملت كده عشان الطفل ده كان محتاج حد يقف جنبه، زي ما كنت أتمنى لو الدنيا قست على ابني يومًا يلاقي حد يقف جنبه.
انهرت في العياط.
أمي كانت بتدعيلي وأنا كنت بدعي عليها في سري، وكانت بتحاول تحافظ على أمانة أبويا، وأنا اتهمتها بالبخل والطمع.
لكن وأنا لسه ماسك الجواب، الحاج فؤاد قال
فيه حاجة أخيرة يا علي. الولد اللي أمك كانت بتساعده موجود دلوقتي في مصر، وهو اللي طلب مني أوصلك ليه.
سألته وأنا بمسح دموعي
هو مين؟ وعايز مني إيه؟
الحاج فؤاد مد إيده ناحية باب المكتب، وقال
هو بره، مستني إذنك يدخل.
الباب اتفتح ببطء.
دخل شاب في أوائل التلاتينات، لابس بدلة بسيطة، وفي إيده صورة قديمة لأمي.
أول ما شافني، عينيه دمعت، وقال
إنت علي؟
هزيت راسي.
قرب مني، وحط الصورة على المكتب، وبصلي وقال
أنا عمري ما شوفت أمك غير وهي بتزورني في المستشفى، لكن الست دي كانت السبب إني أعيش، وأتعلم، وأبقى إنسان له قيمة.
وبعدين مد إيده وطلع من جيبه جواب صغير.
وهي قبل ما ټموت، سابتلي الجواب ده، وقالتلي ما أديهولكش غير لما تعرف الحقيقة كاملة.
فتحت الجواب، وأول سطر قرأته خلاني أرفع عيني للشاب وأنا مش مصدق
يا علي، لو إنت بتقرأ الرسالة دي، يبقى أنا مشيت، وفيه سر أخير لازم تعرفه عن الراجل اللي قدامك… سر لو كنت عرفته من سنين، كان ممكن يغيّر حياتنا كلنا.
والشاب وقف قدامي، مستني رد فعلي، قبل ما يقول الحقيقة اللي أمي خبيتها عني طول عمرها…
يتبع…
إيدي كانت بتترعش وأنا بقرأ جواب أمي، وكل كلمة كانت بتوجعني أكتر من اللي قبلها.
يا ابني علي…
أنا عارفة إنك دلوقتي بتسأل نفسك مين الشاب ده، وليه كنت بصرف عليه من فلوسك، وإيه علاقته بأبوك.
الحقيقة إن الشاب ده مش غريب عن عيلتنا زي ما إنت فاكر، وأبوك قبل ما ېموت كان عنده أمنية واحدة، إنه يشوف الولد ده واقف على رجليه، ويعيش حياة كريمة.
أنا وعدت أبوك إني مش هسيبه، وفضلت أوفي بوعدي سنين طويلة، حتى لما كنت بتعب، وحتى لما الفلوس كانت
بتخلص قبل آخر الشهر.
لكن فيه حاجة أنا معرفتهاش غير من وقت قريب، حاجة خلتني أعيد حساباتي في كل اللي حصل.
اسمع منه حكايته يا علي، ومتظلموش زي ما ظلمتني، ومتخليش غضبك يعميك عن الحقيقة.
وقفت عن القراءة، ورفعت عيني للشاب اللي واقف قدامي.
قلتله بصوت مخڼوق إنت اسمك إيه؟
رد بهدوء اسمي يوسف.
وعلاقتك بأبويا إيه بالظبط؟
يوسف سحب كرسي وقعد قدامي، وبعد لحظة صمت طويلة بدأ يحكي.
أبوك يا علي أنقذ حياتي وأنا طفل، ووالدك كان بيزورني في المستشفى قبل ما يتوفى. أنا كنت صغير جدًا، ومكنتش فاهم هو مين، لكن كنت فاكر إنه الراجل اللي كان بيجيبلي حكايات مصورة ويقعد جنبي لحد ما أنام.
بلعت ريقي وسألته وأمي؟
ابتسم ابتسامة حزينة وقال أمك كانت أكتر إنسانة حنينة عرفتها في حياتي. كانت بتيجي تزورني حتى في الأيام اللي كانت مش معاها فلوس للمواصلات، وكانت ساعات تمشي مسافة طويلة عشان متفوتش زيارة.
حط إيده في جيبه وطلع صورة صغيرة، وناولها لي.
كانت أمي قاعدة على سرير مستشفى، ويوسف طفل صغير نايم على رجلها، وهي حاطة إيدها على راسه.
فضلت أبص للصورة وأنا حاسس بالخزي.
أمي اللي كنت فاكرها بتخبي عني الفلوس، كانت بتخبي عني ۏجعها وتعبها، عشان متحسسنيش إنها شايلة حمل أكبر من قدرتها.
لكن لسه كان فيه سؤال واحد مش قادر أسيبه.
قلت ليوسف إنت قلت إن أمي اكتشفت حاجة من وقت قريب، وإنها خلتها تعيد حساباتها. إيه هي الحاجة دي؟
يوسف بص للحاج فؤاد، والحاج فؤاد هز راسه كأنه بيديله الإذن يتكلم.
يوسف فتح شنطته وطلع ملف كبير، وحطه قدامي.
من حوالي ست شهور، وأنا بدور على أوراق ميراث أبويا الحقيقي، اكتشفت إن فيه حسابات مالية قديمة باسم والدي، وإن جزء كبير من ثروته اختفى بعد ۏفاته.
بصيتله باستغراب.
اختفى إزاي؟
رد فيه شخص كان مسؤول عن إدارة أملاك والدي وقت الحاډثة، واستغل إن مفيش حد من العيلة موجود يطالب بحقوقي. فضل سنين يتصرف في الممتلكات، لحد ما اكتشفت إن فيه عقارات وأراضي اتباعت بأوراق مش سليمة.
الحاج فؤاد اتدخل وقال وإحنا لما بدأنا نراجع المستندات، اكتشفنا إن الموضوع أكبر مما كنا متخيلين.
سألته مين الشخص ده؟
الحاج فؤاد سكت شوية، وبعدها قال الراجل اللي كان ماسك الحسابات هو شريك والد يوسف، وكان عنده صلاحية يتصرف في جزء من أملاكه.
يوسف كمل والمشكلة إن فيه مستندات بتثبت إن جزء من الفلوس اللي اتسحبت اتستخدم في سداد ديون قديمة، لكن فيه مبالغ تانية اختفت من غير أي تفسير.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
وإيه علاقة أمي بالموضوع ده؟
يوسف فتح الملف على صفحة معينة، وطلع ورقة عليها توقيع أمي.
أمك اكتشفت الورقة دي قبل ۏفاتها بأسابيع. كانت بتفتش في أوراق أبوك القديمة، ولقت مستند بيشير إن فيه مبلغ اتدفع زمان لشخص اسمه الحاج فؤاد، لكن المبلغ ده مظهرش في الحسابات الرسمية.
بصيت للحاج فؤاد پصدمة.
هو نزل عينيه وقال أنا كنت شريك والد يوسف، لكني مكنتش المسؤول عن كل الحسابات. لما اكتشفت إن فيه أموال ناقصة، بدأت أبحث عن الحقيقة، وأمك ساعدتني بالورق اللي كانت محتفظة بيه.
قلت بعصبية يعني أمي كانت بتحاول تحل قضية فلوس طول السنين دي، وإنتوا سايبينها تتحمل كل ده لوحدها؟!
الحاج فؤاد رد بصوت مكسور أمك اختارت تساعد يوسف، وأنا مش هتهرب من مسؤوليتي. كان المفروض أتحرك أسرع وأتحمل نصيبي من المصاريف، بدل ما أسيبها تعتمد على فلوسك.
لأول مرة، حسيت إن فيه ناس تانية غلطت، لكن ده مكنش هيغير الحقيقة اللي واجهتني أنا كمان ظلمت أمي.
يوسف

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *