كنت ببعت لامي
منه خطاب قديم وقال
الخطاب ده وصلني من والد يوسف قبل الحاډثة بفترة قصيرة، وكان بيطلب مني أحتفظ بيه لحد ما ابنه يكبر. لكن بعد الحاډثة، اختفى الخطاب من مكتبي، ومظهرش غير من كام شهر.
يوسف أخد الخطاب وبدأ يقرأه بصوت مرتعش
إلى ابني يوسف…
لو وصلتلك الرسالة دي، يبقى غالبًا كبرت وبقيت قادر تفهم اللي حصل.
أنا مش عارف إذا كنت هقدر أشوفك راجل ولا لأ، لكن عايزك تعرف إن أبوك حاول يحمي حقك، وإن فيه ناس استغلت ثقتي فيها عشان تستولي على أملاكي.
لو لقيت نفسك يومًا بتدور على الحقيقة، متتهمش حد من غير دليل، حتى لو كل الظروف ضده.
وأهم حاجة، متنساش إن فيه ست اسمها روحية ضحت بحاجات كتير عشان تحافظ على الأمانة اللي سبتها عندها.
هي مش من عيلتنا، لكنها كانت أوفى لينا من ناس كتير من دمنا.
يوسف وقف عن القراءة، ودموعه نزلت.
أما أنا، فحسيت إن أمي كانت شايلة أمانة مش أمانة واحدة، دي كانت شايلة أمانات ناس كتير، وكل واحد فيهم كان له حكاية وحق ضايع.
لكن الحاج فؤاد قال فجأة
فيه حاجة أهم من الخطاب ده. إحنا لازم نلاقي أمينة قبل ما حد تاني يوصل لها.
سألته
وإنت متأكد إنها لسه عايشة؟
رد
مفيش دليل إنها ماټت، وفيه عنوان قديم ليها في الأوراق. لو العنوان ده لسه صحيح، ممكن نلاقيها.
عمي حسن كان واقف ساكت طول الوقت، لكنه لما سمع اسم أمينة، بدأ يتحرك بتوتر.
لاحظت ده، فسألته
إنت تعرف مكانها يا عمي؟
رد بسرعة
لأ، معرفش عنها حاجة من سنين.
لكن عم منصور بصله وقال
غريبة يا حسن، لأن أمك الله يرحمها كانت قالتلي إنك آخر واحد شاف أمينة قبل ما تختفي.
عمي اتجمد مكانه.
إنت بتقول إيه يا منصور؟!
عم منصور رد بهدوء
بقول اللي أعرفه. أنا مش بتهمك، لكن لازم الحقيقة تظهر.
عمي حسن قعد، وحط إيده على رأسه، وبعد صمت طويل قال
أنا فعلًا شوفتها آخر مرة قبل اختفائها بأيام، لكنها كانت جاية تقابل أبوك، مش أنا.
قربت منه وقلت
قابلته ليه؟!
رد
كانت عايزة تعرف نصيبها في الأرض راح فين. أبوك وعدها إنه هيرجع لها حقها، لكنه اكتشف إن العقود الأصلية مش موجودة، وإن الموضوع أكبر من مجرد خلاف على أرض.
يوسف سأله
وإنت ليه مقلتش الكلام ده من الأول؟
عمي بصله بأسى
لأني كنت خاېف. أنا غلطت في الماضي، وخفت إن أي اعتراف مني يخليني أتحمل مسؤولية حاجات معملتهاش. لكن دلوقتي أنا مستعد أقول كل اللي أعرفه.
الحاج فؤاد أخرج ورقة من الملف وقال
يبقى نبدأ من هنا. ده آخر عنوان اتسجل باسم أمينة.
كان العنوان في قرية صغيرة على أطراف محافظة الغربية.
قررنا نتحرك في نفس الليلة، لكن قبل ما نخرج، تليفوني رن.
رقم مجهول.
رديت، وسمعت صوت ست كبيرة بتتكلم بصعوبة
إنت علي ابن روحية؟
قلبي دق بسرعة.
أيوه، مين حضرتك؟
قالت
أنا معرفكش، لكن أمك كانت بتبعتلي جواب كل سنة في نفس اليوم. وآخر جواب وصلني منها كان من شهر، وقالتلي فيه إنك هتدور عليا يومًا ما.
وقفت مكاني.
حضرتك أمينة؟!
سكتت لحظات، وبعدها ردت
أيوه يا ابني، أنا أمينة. وكنت مستنياك من سنين.
حسيت إن رجلي مش شايلاني.
سألتها بسرعة
إنتِ تعرفي أمي منين؟ وإيه اللي حصل زمان؟!
ردت بصوت مليان حزن
روحية كانت أكتر واحدة حاولت ترجعلي حقي، لكن فيه حاجة هي نفسها مكنتش تعرفها… أبوك قبل ما ېموت سلّمني مستند مهم جدًا، والمستند ده كان ممكن ينهي
كل المشاكل من سنين.
صړخت
أمال إنتِ ليه مخبيّاه؟!
قالت
أنا مخبيتوش يا علي. أنا حاولت أوصله لأمك، لكن كل مرة كنت بروح فيها بيتكم، كنت بلاقي حد سابقني، وأمك كانت بتقول لي إنها مش عايزة تستقبلني.
اټصدمت.
مستحيل! أمي عمرها ما كانت هترفض تشوفك لو عارفة إنك جاية!
أمينة ردت بحزن
وأنا عارفة إنها كانت بتحب تساعد الناس، عشان كده فضلت أحاول. لحد ما في يوم، وصلتني رسالة مكتوبة بخط إيدها، بتقولي فيها إنها مش عايزة تعرفني تاني، وإن كل اللي بينا انتهى.
حسيت إن في حاجة مش راكبة.
أمي قضت عمرها كله بتحاول ترجع حقوق الناس، فإزاي ترفض تقابل أمينة فجأة؟
سألتها
معاكي الرسالة دي؟
قالت
أيوه، محتفظة بيها لحد النهارده. لكن قبل ما أديهالك، لازم تعرف إن التوقيع اللي عليها مش توقيع روحية الحقيقي.
بصيت للحاج فؤاد، فلقيته اتغير تمامًا.
يوسف قال
يعني حد زوّر خطاب باسم أم علي عشان يمنع أمينة من التواصل معاها!
أمينة كملت
بالضبط. وعندي كمان نسخة من المستند اللي أبوك سابهولي، واللي يثبت إن فيه شخص واحد بس كان قادر يستفيد من اختفائي ومن ضياع أوراق الملكية.
سألتها
مين هو؟
ردت
مش هقدر أقولك اسمه في التليفون. تعالوا بكرة الصبح، وهوريكم كل حاجة بنفسي.
وقبل ما تقفل، قالت جملة خلتني أحس إننا قربنا من الحقيقة فعلًا
يا علي، أمك ماټت وهي فاكرة إنها فشلت في حماية حقك، لكن الحقيقة إن الحق لسه موجود، وفيه حاجة أبوك سابهالك مخصوص، حاجة ملهاش علاقة بالأرض ولا بالفلوس.
سألتها بلهفة
إيه هي الحاجة دي؟!
لكنها قفلت الخط.
فضلت واقف ماسك التليفون، لحد ما الحاج فؤاد قرب مني وقال
بكرة هنعرف كل حاجة.
رجعنا بيت أمي قبل الفجر، وأنا دخلت أوضتها وقعدت على سريرها.
بصيت لنضارتها، وشالها، والمصحف اللي كانت بتحطه جنبها، وافتكرت آخر مرة شفتها فيها.
لو كنت بس سمعتها، لو كنت اديتها فرصة تتكلم، كان زماني عرفت كل ده وهي عايشة.
فتحت درج الكومودينو، ولقيت دفتر صغير عليه اسمي.
فتحته، فوجدت أمي كاتبة في أول صفحة
علي حبيبي…
أنا مش عارفة هتسامحني ولا لأ، لكن كل اللي عملته كان عشان يوم ما تكبر، تقدر تعيش من غير ما حد يسرق حقك.
أنا كنت فاكرة إن الفلوس هي اللي هتأمن مستقبلك، لكن اكتشفت متأخر إن أهم حاجة كنت محتاجها هي إني أفضل جنبك.
سامحني يا ابني لو في يوم حسيت إني اخترت حد غيرك، لأن الحقيقة إني كنت بحاول أحافظ على كل حاجة أبوك سابهالك، بما فيها حقك في إنك تعرف الحقيقة.
قفلت الدفتر وضمّيته لصدري، وفضلت أعيط لحد ما الشمس طلعت.
لكن الصدمة الحقيقية كانت مستنياني في بيت أمينة تاني يوم.
لما وصلنا، استقبلتنا ست كبيرة، وشعرها أبيض، وملامحها متعبة، لكنها أول ما شافت صورة أمي اللي كنت شايلها، عيطت وقالت
روحية كانت عندي قبل ۏفاتها بأسبوع، وسابتلي أمانة قالتلي ما أفتحهاش غير قدامك.
ډخلتنا أوضة صغيرة، وفتحت دولاب قديم، وطلعت صندوق حديد.
فتحته، وطلعت منه ورقة ملكية أصلية، وصورة لأبويا، وخطاب مختوم.
لكن وسط الأوراق، كان فيه ظرف صغير مكتوب عليه اسمي.
فتحته، ولقيت جواب من أبويا نفسه، مكتوب قبل ۏفاته بأيام
إلى ابني علي…
لو إنت بتقرأ الرسالة دي، يبقى أمك نجحت في إنها تحافظ على الأمانة، حتى لو اضطرت تدفع من عمرها تمن ده.
أنا مش هطلب منك تسامح حد ظلمنا، لكن هطلب منك متخليش الظلم يحولك لواحد ظالم.
وفيه حقيقة لازم تعرفها البيت اللي عشت فيه مع أمك، والأرض اللي اتربيت جنبها، مش هما أغلى حاجة سبتها لك.
أغلى حاجة هي شخص واحد، لو لقيته، هيفهمك ليه أمك فضلت تدفع خمسين ألف جنيه كل شهر، وليه كانت بتخبي عنك الحقيقة.
رفعت عيني لأمينة وسألتها
مين الشخص ده؟!
أمينة مسحت دموعها، وبصت ليوسف، وبعدها رجعت بصتلي وقالت
الشخص ده هو أخوك يا علي… أخوك من أبوك، اللي أمك كانت بتصرف عليه من فلوسك، وهي مش عارفة إنه أخوك فعلًا!
اتجمدت في مكاني.
أخويا؟!
أنا طول عمري فاكر إني الابن الوحيد لأبويا، وإن مفيش حد ليا في الدنيا غير أمي.
لكن أمينة طلعت صورة قديمة، وناولتهالي.
كان فيها أبويا واقف جنب شابة شايلة طفل رضيع، وعلى ضهر الصورة مكتوب اسم الطفل وتاريخ ميلاده.
والاسم كان…
علي حسن… نفس اسمي!
بصيت لأمينة وأنا مش قادر أتكلم، فقالت بسرعة
استنى يا ابني، متفهمش غلط. الطفل ده مش إنت، ده ابن أبوك من زواجه الأول، والورق اللي معايا هو اللي هيكشف ليه اتربى بعيد عنكم، وليه أمك فضلت تساعده طول السنين دي من غير ما تعرف إنه ابن جوزها.
وفي اللحظة دي، الحاج فؤاد بص للصورة وقال بصوت مرتعش
يا نهار أبيض… كده كل اللي حصل زمان بدأ يتفسر.
لكن قبل ما حد فينا يسأل عن أي حاجة، أمينة طلعت ورقة تانية، وحطتها قدامي.
كانت شهادة ۏفاة قديمة، باسم زوجة أبويا الأولى.
وتحت اسمها، كان فيه اسم شاهد على الۏفاة.
عم منصور.
بصيت لعم منصور، فلقيته نازل عينيه في الأرض، ووشه مليان دموع.
قلتله بصوت مخڼوق
إنت كنت تعرف كل ده من الأول؟!
عم منصور رد بصعوبة
أيوه يا علي… وأنا آسف. لكن فيه سر أخطر من كل اللي عرفته لحد دلوقتي، سر وعدت أبوك إني ما أقولهوش غير لما أمك ټموت.
يتبع…
عم منصور نزل عينيه في الأرض، وفضل ساكت شوية، قبل ما يرفع راسه ويبصلي والدموع مالية عينيه.
قال بصوت مكسور
سامحني يا علي، أنا عارف إنك هتزعل مني، بس أبوك الله يرحمه خلاني أوعده إني أحافظ على السر ده لحد ما أمك ټموت، وكنت فاكر إن السكوت هو الحل الوحيد.
قربت منه وقلتله بعصبية
سر إيه تاني؟! أنا خلاص مبقتش قادر أستحمل! كل واحد فيكم مخبي عني حكاية، وأنا الوحيد اللي كنت عايش مش فاهم حاجة!
عم منصور أخد نفس طويل، وبدأ يحكي.
أبوك يا علي كان متجوز قبل ما يتجوز أمك، وخلف ولد اسمه كريم. لكن مراته الأولى ماټت بعد الولادة بفترة قصيرة، وأهلها خدوا الطفل وربوه بعيد عنه بسبب خلافات قديمة بين العيلتين. أبوك حاول يرجعه، لكن معرفش، وبعد سنين قدر يوصل لأخبار عنه، واكتشف إنه عايش في ظروف صعبة.
بصيت للصورة اللي في إيدي، وحسيت بدموعي بتنزل.
وأمي كانت تعرف؟
عم منصور هز راسه.
أيوه، عرفت بعد ۏفاة أبوك بسنين، لما وصلها جواب من أم كريم. ومن يومها قررت تساعده، لكنها خاڤت تقولك، لأنها كانت عارفة إنك ممكن تحس إن أبوك خبّى عنك حياة كاملة.
أمينة تدخلت وقالت
روحية كانت بتبعت فلوس لكريم عشان تكمل تعليمه وتساعده يعيش حياة كريمة، وكانت بتساعدني أنا كمان في مصاريف علاجه لما مرض. لكن كريم عمره ما كان يعرف إن الفلوس دي جاية من أخوه.
بصيت ليوسف، اللي كان واقف ساكت، وبعدها سألت
طب ويوسف؟ إيه علاقته بكل ده؟
يوسف رد بهدوء
أنا كنت طفل تاني أبوك ساعده قبل ما ېموت، وأمي كانت شريكة والدك في مشروع قديم. الست روحية ساعدتني وفاءً لوعدها لأبوك، لكن أنا مش أخوك. أخوك الحقيقي هو كريم، اللي كانت بتصرف عليه من فلوسك من غير
ما تعرفه.
بدأت الصورة توضح قدامي، لكن كان لسه فيه