كنت ببعت لامي

راسها بكسوف وساكتة خالص معرفتش تنطق بكلمة.
بعد ساعتين، مراتي وأهلها حسوا بالجو المشحون وقالوا إنهم لازم يمشوا. نزلتهم وركبتهم العربية، وطلبت منهم يستنوني دقايق، وطلعت على الشقة والشرار طالع من عيني.
دخلت عليها وقفلت الباب ورايا، وصوت عصبيتي ملا البيت
إيه اللي عملتيه ده؟! إيه الغداء ده؟! إزاي تكسفيني كده قدام مراتي وأهلها؟!
قالتلي بصوت مكسور وبحرج شديد
الموجود يا ابني.. مكنش فيه نصيب..
زعقت فيها بصوت عالي وأنا فاقد أعصابي
الموجود إزاي؟! هو أنا مقصر معاكي في مليم؟! مش ببعتلك كل شهر خمسين ألف جنيه؟ إزاي الفلوس دي كلها متكفيكيش؟! ليه مقولتليش إنك محتاجة أكتر من كده؟! ليه ساكتة؟
بصتلي بتردد وقالت وصوتها بيتنفض
لا.. مش عايزه أكتر.. وبعدين.. أنا ست كبيرة، وعلى قد حالي، وده اللي قدرت أعمله..والمصاريف الذياده ملهاش لزمه
الكلمتين دول خنقوني اكتر حسيت إنها قاعده على حرصها القديم اللي كنت بسميه بخل وطمع زعلت منها بغباء وقلت لها بقسۏة
انتي قصدتي تكسفيني وبس! انتي حبك للبخل والفلوس عاميك لدرجة إنك تبهدلي ابنك الوحيد قدام نسايبه! أنا غلطان إني جيت مصر أساساً!
قلت كلمتي وسبتها ونزلت، وهي فضلت تنادي عليا في الشارع يا ابني.. استنى يا ابني، بس أنا مردتش ولا حتى الټفت ورايا.
ومن اللحظة دي، قطعت علاقتي بيها نهائياً. رفضت أكلمها، رفضت ارد على مكالماتها، بل وصل بيا الجحود لدرجة إني شلت الشريحة اللي كانت بكلمني عليها أصلاً عشان مسمعش صوتها وعشان اعاقبها!
وانغمست في شغلي، ونسيتها، وعشت حياتي بره وسط النجاحات والفلوس، وكأنها مبقتش موجودة في دنيتي.
لحد ما عدت سنة بحالها.. سنة كاملة بدون حتى كلمة سلام. وفي يوم، جالي اتصال مفاجئ من واحد صاحبي مكلمنيش من سنين، وبصوت حزين قال لي
البقاء لله يا علي.. أمك اتوفيت.. انزل عشان تلحق الچنازة.
نزلت مصر بسىعه وقلبي بيتقطع، بس للأسف، لما وصلت كانت الډفنة خلصت وخلص كل حاجة. طلعت جري على المقاپر، وقعدت عند قپرها وقولت بۏجع
ليه يا أمي.. ليه عملتي بينا كل البعد ده.. عشان بخلك وحبك للفلوس؟! ليه حرمتيني منك ومن رضاكي؟!
وأنا قاعد مهموم ، بقيت باصص للقبر ومش مصدق إنها راحت.. حسيت بحد بيقرب مني. رفعت عيني، لقيت راجل كبير في السن، أول مرة في حياتي أشوفه
وقف قدامي، وبصلي نظرة غريبة وقال لي بهدوء البقاء لله يا علي؟
وفي اللحظة دي، اكتشفت الحقيقة اللي كسرت ضهري للأبد.. عرفت امي عملت كده ليه وكانت بتودي الفلوس فين وياريتني مت قبل ما اعرف !!!
زهرة_الربيع
اللهم صلي على حبيب اللهالراجل الكبير فضل واقف قدامي، وبصلي بحزن، وبعدين قال بصوت واطي
إنت علي ابن روحية؟
هزيت راسي وأنا مستغرب، وقلتله أيوه، حضرتك تعرف أمي منين؟
تنهد تنهيدة طويلة، وبص للقبر اللي ورايا، وقال أعرف أمك من أكتر من عشرين سنة يا ابني، ويمكن أكون أكتر واحد عارف هي كانت بتعمل إيه في حياتها… بس واضح إنك إنت نفسك مكنتش تعرف أمك كويس!
الكلمة نزلت على قلبي زي السکينة.
قمت من مكاني وقلتله بعصبية تقصد إيه يا عم الحاج؟ أمي أنا اللي كنت ببعتلها كل شهر خمسين ألف جنيه! وأنا اللي كنت بصرف عليها، وهي اللي كسفتني قدام مراتي وأهلها بعيش بايت وجبنة قديمة!
الراجل هز راسه بأسى، ومد إيده في جيب جلابيته، وطلع ظرف بني قديم، أطرافه كانت متآكلة من كتر ما اتفتح واتقفل.
وقال أمك سابتلك الظرف ده قبل ما ټموت،
وقالتلي بالحرف الواحد لو علي رجع مصر بعد وفاتي، اديله الظرف ده بإيدك، بس
أوعى تديهوله غير وهو واقف عند قبري.
بصيت للظرف، وإيدي بدأت ترتعش من غير ما أحس.
سألته بسرعة هي كانت عارفة إنها ھتموت؟ وإنت مين أصلاً؟ وليه مدتهوليش من زمان؟
رد عليا بهدوء أنا اسمي عم منصور، وكنت جار أمك من زمان، وهي اللي طلبت مني أحتفظ بالأمانة دي. أما ليه مدتهولكش قبل كده، فده لأن أمك خدت مني وعد إني مافتحش بقي غير بعد ۏفاتها.
مسكت الظرف، وكنت لسه هفتحه، لكنه حط إيده على إيدي وقال
استنى يا علي… قبل ما تقرأ اللي جواه، لازم تعرف إن أمك عمرها ما كانت بخيلة زي ما إنت فاكر، ولا كانت محتاجة الفلوس اللي إنت بتبعتها لها لنفسها.
بصيتله بذهول.
أمال كانت بتعمل بيهم إيه؟!
عم منصور بص حواليه، وكأنه خاېف حد يسمعنا، وبعدها قرب مني وقال
الخمسين ألف جنيه اللي كنت بتبعتها كل شهر، أمك مكنتش بتصرف منهم على نفسها غير مبلغ بسيط جدًا… والباقي كانت بتاخده وتحطه في مكان محدش يعرف عنه حاجة غيري.
حسيت إن نفسي بدأ يضيق، وقلتله مكان إيه؟! فلوسي كانت بتروح فين؟!
رد عليا بجملة خلتني أحس إن الأرض بتتهز من تحتي
كانت بتصرفهم على ناس إنت تعرفهم كويس، وناس لو عرفت إن أمك كانت بتساعدهم بالطريقة دي، عمرك ما كنت هتصدق!
صړخت فيه مين الناس دول؟! اتكلم يا عم منصور! أمي كانت بتدي فلوسي لمين؟!
بص للقبر، وعينيه اتمَلوا بالدموع، وقال
قبل ما أقولك، عايزك تجاوبني على سؤال واحد… إنت لما نزلت مصر آخر مرة، ودخلت بيت أمك، لاحظت إن فيه أوضة كانت دايمًا مقفولة؟
سكت شوية وأنا بحاول أفتكر.
وفجأة، افتكرت أوضة صغيرة في آخر الطرقة، جنب أوضة أمي. بابها كان خشب قديم، وعليه قفل حديد، وأمي طول عمرها كانت بتقول لي إنها أوضة فيها حاجات أبويا القديمة ومش عايزة حد يقرب منها.
قلتله أيوه، بس دي أوضة أبويا الله يرحمه، وماما كانت رافضة تفتحها لأي حد.
عم منصور هز راسه وقال أبوك ملوش علاقة باللي جوه الأوضة دي يا علي… على الأقل مش بالطريقة اللي إنت متخيلها.
قلبي بدأ يدق پعنف.
يعني إيه؟!
طلع من جيبه مفتاح صغير مربوط بخيط أحمر، وحطه في كفي.
المفتاح ده أمك سابتهولي من تلات أيام قبل ما ټموت. وقالتلي إنك لو سألتني عن الفلوس، أوديك البيت وتفتح الأوضة بنفسك.
بصيت للمفتاح، وبعدين للقبر، وحسيت بۏجع عمره ما حسّيته قبل كده.
أمي ماټت، وأنا آخر مرة سمعت صوتها كنت بزعق لها، وهي بتنادي عليا في الشارع، وأنا حتى ما التفتش أبص في وشها!
حطيت إيدي على وشي وانهرت في العياط.
عم منصور سابني شوية، ولما هديت، سندني من دراعي وقال
قوم يا ابني… لسه فيه حاجات لازم تعرفها، بس افتكر كويس إنك مهما شفت جوه البيت، متحكمش على أمك قبل ما تعرف الحكاية كلها.
ركبت معاه عربيته القديمة، وطول الطريق كنت باصص للمفتاح اللي في إيدي، وبفتكر كل مرة أمي كانت تتصل بيا، وأنا أقفل المكالمة بسرعة بحجة الشغل.
وصلنا البيت بعد المغرب.
أول ما فتحت الباب، ريحة أمي استقبلتني، نفس ريحة الصابون اللي كانت بتحبه، ونفس الهدوء اللي كنت زمان بشتكي منه لما أرجع من المدرسة وألاقيها قاعدة لوحدها.
كل حاجة كانت مكانها.
كوبايتها على الترابيزة، نضارتها جنب المصحف، وشالها القديم متعلق ورا الباب.
وقفت مكاني، وحسيت إني لأول مرة أشوف البيت ده بجد.
عم منصور مشي قدامي ناحية الأوضة المقفولة، وأنا وراه.
دخلت
المفتاح في القفل، ولفيته بصعوبة.
الباب اتفتح بصرير طويل.
وأول ما نور الأوضة وقع

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *