كنت ببعت لامي
على اللي جواها، رجلي اتسمّرت في الأرض!
الأوضة مكنتش مليانة دهب، ولا فلوس مخبية، ولا حتى حاجات أبويا القديمة زي ما أمي كانت بتقول.
كان فيها سرير صغير، وكرسي متحرك، ورفوف مليانة علب أدوية، وشنط فيها هدوم أطفال، وعلى الحيطة صور كتير متعلقة.
قربت من أول صورة، ولما شفت الوش اللي فيها، قلبي وقع!
كانت صورة لأمي وهي قاعدة جنب طفل صغير، والطفل ده كان لابس سلسلة فضة أنا فاكرها كويس جدًا…
لأن السلسلة دي كانت بتاعة أبويا!
لفيت لعم منصور وأنا مش قادر أتكلم.
مين الطفل ده؟! وإيه علاقة سلسلة أبويا بيه؟!
عم منصور قفل الباب وراه، وقعد على الكرسي، وقال بصوت مليان حزن
اقعد يا علي… لأن اللي هحكيهولك دلوقتي هيغيّر كل حاجة إنت كنت فاكر إنك عارفها عن أمك.
وقبل ما يبدأ كلامه، سمعت صوت خبط خفيف على باب البيت.
عم منصور بص ناحية الباب، ووشه اتغير فجأة.
قام بسرعة وقال
معقول؟! دي جت بنفسها؟!
فتحت الباب، ولقيت ست كبيرة في السن، بتتكئ على عصاية، وجنبها بنت شابة شايلة ملف أزرق.
أول ما الست شافتني، عينيها دمعت، ومسكَت إيدي بإيديها الاتنين، وقالت
إنت علي؟ ابن الست روحية؟
قلت لها وأنا متوتر أيوه… حضرتك مين؟
الست بصتلي، وبعدها قالت جملة خلتني أحس إن كل حاجة في حياتي اتقلبت
أنا الست اللي أمك كانت بتبعتلها جزء كبير من الخمسين ألف جنيه كل شهر… وأنا جاية أقولك ليه أمك كانت بتعيش على العيش الناشف والجبنة القديمة، رغم إنك كنت بتبعتلها فلوس تكفيها تعيش ملكة!
وبعدين فتحت الملف الأزرق، وطلعت منه ورقة قديمة عليها توقيع أبويا.
وقالت
بس قبل ما تعرف الفلوس راحت فين، لازم تعرف أبوك عمل إيه قبل ما ېموت… لأن أمك قضت عمرها كله بتحاول تصلّح حاجة هو سابها وراه، وإنت من غير ما تقصد، كنت السبب في إن السر ده يفضل مستخبي لحد النهارده!
وقفت مكاني وأنا ببص للست، وحسيت إن الكلام اللي سمعته مش داخل دماغي.
أبويا؟! أبويا اللي ماټ وأنا صغير، واللي طول عمري فاكره راجل غلبان كان بيشتغل ليل نهار عشان يوفرلنا لقمة العيش؟!
إيه اللي ممكن يكون عمله ويخلّي أمي تقضي عمرها كله بتحاول تصلّحه؟!
مديت إيدي وخطفت الورقة من إيد الست، وبدأت أقرأ، لكن أول ما عيني وقعت على السطور الأولى، إيدي اتجمدت.
الورقة كانت إقرار بدين، مكتوب فيها إن أبويا استلف مبلغ كبير من راجل اسمه الحاج فؤاد، مقابل ضمان بيتنا القديم، وإن المبلغ ده لازم يترد خلال مدة محددة، وإلا البيت يبقى من حق الدائن.
بصيت لعم منصور وقلت پصدمة
إيه الكلام ده؟! هو بيتنا كان مرهون؟! أمال إزاي أمي فضلت عايشة فيه كل السنين دي؟!
الست الكبيرة مسحت دموعها وقالت
لأن أمك دفعت الدين يا ابني… مش مرة ولا اتنين، دي فضلت تسدده لسنين طويلة، وكل ما كانت تفتكر إنها خلصت، كانت تكتشف إن فيه مبلغ تاني مطلوب منها.
صړخت من غير ما أحس
بس أبويا ماټ من أكتر من عشرين سنة! وأمي كانت بتشتغل خياطة على قدها! جابت الفلوس دي منين؟!
ردت الست
من تعبها، ومن عمرها، ومن حاجات كتير إنت مكنتش تعرف عنها حاجة. لكن الدين ده مش هو السر الأكبر… السر الأكبر هو البنت اللي كانت أمك بتصرف عليها.
بصيت للبنت الشابة اللي واقفة جنبها، ولاحظت إنها من ساعة ما دخلت وهي بتبصلي بطريقة غريبة، كأنها عارفة عني حاجات كتير.
سألت الست
بنت مين دي؟ وإيه علاقتها بأمي؟!
البنت نزلت عينيها للأرض، والست
الكبيرة قربت منها وحطت إيدها على كتفها.
دي بنتي يا علي… واسمها مريم.
قلت باستغراب
طيب، وإيه علاقة بنت حضرتك بأمي؟!
الست أخدت نفس عميق، وبعدين قالت
أمك هي اللي دفعت مصاريف علاج مريم من وهي صغيرة، وهي اللي كانت بتدفع إيجار شقتنا لما جوزي ماټ وسابني أنا وبنتي من غير أي دخل. ولما مريم كبرت ودخلت الجامعة، أمك أصرت إنها تكمل تعليمها، وكانت بتقول لي دايمًا البنت دي لازم تتعلم وتبقى حاجة كبيرة، حتى لو أنا فضلت طول عمري بآكل عيش وجبنة.
حسيت إن حد بيضغط على صدري.
خمسين ألف جنيه كل شهر!
وأنا كنت فاكر إن أمي بتخبي الفلوس في البنك وبتبخل على نفسها وعلى الناس.
لكن الكلام اللي سمعته كان لسه مش كفاية يفسر كل حاجة.
قلت للست
طب ليه؟! ليه أمي تعمل كل ده؟! إنتوا قرايبنا؟!
الست هزت راسها وقالت
لا يا ابني، إحنا مش قرايب. لكن أمك كان عندها سبب عمرها ما قدرت تقولهولك.
عم منصور قام من مكانه، وراح ناحية الرف اللي عليه الصور، وطلع صورة قديمة محطوطة في برواز خشب.
ناولها لي.
كانت صورة لأبويا، واقف جنب راجل تاني، وأمي واقفة بعيد عنهم، شايلة طفل رضيع بين إيديها.
لكن اللي شد انتباهي مش أبويا ولا أمي.
كان الراجل اللي واقف جنب أبويا.
أنا أعرفه!
ده الحاج فؤاد، صاحب مصنع كبير في بلدنا، والراجل اللي كنت فاكره مجرد واحد من معارف أبويا القدامى.
قلت بسرعة
الحاج فؤاد؟! إيه علاقته بكل ده؟!
عم منصور رد عليا
هو اللي كان صاحب الفلوس اللي أبوك استلفها، وهو كمان اللي كان عارف الحقيقة من أول يوم.
حسيت بالڠضب بيرجع يشتعل جوايا.
يعني الراجل ده كان عارف إن أمي بتعاني، وسابها تشقى كل السنين دي؟!
عم منصور بصلي وقال
إنت لسه مستعجل في الحكم يا علي. الحاج فؤاد مش هو اللي طلب من أمك تصرف الفلوس دي على مريم… أمك هي اللي اختارت تعمل كده بنفسها.
وبعدين مد إيده تحت المرتبة القديمة، وطلع صندوق خشب صغير، عليه قفل نحاس.
حطه قدامي وقال
أمك سابت الصندوق ده ليك، وقالت إن محدش يفتحه غيرك.
فتحت الصندوق، ولقيت جواه رزمة خطابات مربوطة بشريط أبيض، ودفتر حسابات قديم، ومظروف مكتوب عليه بخط أمي
ل علي… ابني الوحيد، لو وصل لك الظرف ده، يبقى أنا مشيت من الدنيا قبل ما أقدر أحكيلك الحقيقة بنفسي.
انهرت من العياط وأنا بمسك جوابها.
فتحت أول صفحة، ولقيتها كاتبة
ابني علي…
أنا عارفة إنك زعلان مني، وعارفة إنك مش هتسامحني بسهولة على اللي حصل يوم ما نزلت بمراتك وأهلها.
يمكن تكون شايفني أم بخيلة، ويمكن تكون فاكر إني حبيت الفلوس أكتر منك، لكن والله يا ابني ما كان في يوم أغلى منك عندي.
أنا كنت مستعدة أبيع عمري كله عشان أشوفك مبسوط، بس كان فيه وعد قطعته على نفسي قدام أبوك، ووعد تاني قطعته قدام راجل ماټ وهو شايل هم كبير.
وكنت كل شهر، لما الفلوس توصلني منك، بقسمها على تلات حاجات…
جزء بسيط لمصاريف البيت، وجزء لسداد ديون قديمة، والباقي…
الباقي كان بيروح لمكان لو عرفته، يمكن تكرهني أكتر، ويمكن تفهم ليه كنت باكل العيش الناشف وأنا عندي فلوس أشتري أحسن أكل في الدنيا.
لكن قبل ما تعرف المكان ده، لازم تعرف إن أبوك قبل ما ېموت بأسبوع، دخل عليا بالليل، وقالي جملة عمري ما نسيتها
يا روحية، لو علي كبر وبقى راجل، أوعي تخليه يدفع تمن الغلطة اللي أنا عملتها.
ومن يومها وأنا بحاول أحميك من حاجة إنت مكنتش تعرف إنها موجودة أصلاً…
وقفت عن القراءة.
رفعت عيني لعم منصور، وقلت بصوت مبحوح
غلطة إيه؟! أبويا عمل إيه؟!
عم منصور سكت، والست الكبيرة بدأت ټعيط، أما مريم ففتحت الملف الأزرق وطلعت منه صورة تانية.
حطتها قدامي.
كانت صورة لطفل صغير واقف قدام باب مستشفى، ماسك إيد راجل كبير، وعلى ضهر الصورة مكتوب تاريخ قديم، وتحته أربع كلمات بخط أبويا
سامحني يا ابني… أنا السبب.
بصيت للصورة مرة واتنين، وفجأة لاحظت حاجة خلت الډم ينسحب من وشي.
الطفل اللي في الصورة كان لابس نفس السلسلة الفضية اللي شوفتها في صورة الأوضة المقفولة!
بصيت لمريم وسألتها وأنا مش قادر أسيطر على رعشة صوتي
الطفل ده مين؟!
مريم ردت وهي بتبصلي مباشرة
الطفل ده أنا معرفش اسمه الحقيقي، لكن أمي قالت لي إن الست روحية كانت بتروح تزوره كل أسبوع في مكان بعيد، وكانت بتدفع فلوس علاجه من غير ما حد يعرف.
وبعدين قربت مني، وقالت الجملة اللي خلتني أحس إن السر لسه أكبر بكتير من كل اللي اكتشفته
يا علي، الراجل اللي في الصورة مش أبوك بس اللي كان بيزوره… ده كان فيه راجل تاني بيروح له كل شهر، وبيسيب عنده ظرف فيه فلوس، والراجل ده لحد النهارده عايش، ولسه موجود في بلدنا.
سألتها بلهفة
مين هو؟!
مريم بصت لعم منصور، وعم منصور هز راسه كأنه أخيرًا قرر يقول الحقيقة.
قال
الحاج فؤاد يا علي… لكن المفاجأة مش إنه كان بيساعد الطفل.
سكت لحظة، وبعدين كمل
المفاجأة إن الحاج فؤاد من شهر واحد بس، وقبل ۏفاة أمك بأيام، جه لها البيت وطلب منها تسلمه الصندوق اللي إنت فتحته دلوقتي… ولما أمك رفضت، هددها إنه هيكشف السر اللي دفنت عمرها كله عشانه.
وفي اللحظة دي، تليفوني رن.
بصيت للشاشة، ولقيت رقم غريب.
رديت، وسمعت صوت راجل كبير أعرفه كويس، بيقول بهدوء
مساء الخير يا علي… أنا الحاج فؤاد. عرفت إنك رجعت مصر، وعرفت كمان إنك فتحت أوضة أمك.
بلعت ريقي وقلت
إنت عايز إيه مني؟!
رد عليا بجملة خلتني أقف مكاني
عايز أقابلك بكرة الصبح، لأن أمك ماټت وهي فاكرة إنها قدرت تخبي عنك الحقيقة… لكن فيه حاجة واحدة هي نفسها ما كانتش تعرفها.
يتبع…
طول الليل مغمضتش عيني، وكل شوية أرجع أبص لجواب أمي وأفتكر صوتها وهي بتناديني يوم ما سبتها ومشيت.
كنت كل ما أفتكر منظرها وهي واقفة على باب البيت، بحس إن قلبي بيتعصر من الندم.
أنا اللي كنت ببعتلها خمسين ألف جنيه كل شهر، وكنت فاكر إن الفلوس دي دليل إني ابن بار، لكن اكتشفت إني كنت ببعت الفلوس وأحرمها من أبسط حاجة كانت محتاجاها… ابنها!
تاني يوم الصبح، لبست ونزلت على العنوان اللي الحاج فؤاد بعتهولي.
وصلت الفيلا، واستقبلني راجل كبير في السن، ملامحه جامدة، وشعره كله أبيض. دخلني مكتبه، وأول ما قعدت، حط قدامي صورة أمي.
كانت صورة قديمة، شكلها فيها أصغر بعشرين سنة، واقفة قدام باب مستشفى، وشايلة طفل صغير بين إيديها.
الحاج فؤاد بص للصورة وقال
أمك كانت ست عظيمة يا علي، بس إنت ظلمتها ظلم كبير.
الكلمة استفزتني، فقمت من مكاني وقلتله بعصبية
حضرتك جاي تحاسبني دلوقتي؟! أنا عارف إني غلطت، ومش محتاج حد يفكرني! بس أنا عايز أفهم الفلوس اللي كنت ببعتها لأمي كانت بتروح فين، وإيه حكاية الطفل اللي في الصور!
الحاج فؤاد أشارلي أقعد، وبعدين فتح درج مكتبه وطلع ملف سميك.
قال
قبل ما أبوك ېموت بسنة، حصلت حاډثة غيرت حياة عيلتين بالكامل.
وسكت لحظة، كأنه بيجمع شجاعته عشان يكمل.
أبوك كان راجع من
شغله بالليل، ولقي