بصى ياسلمى

لما أم كريم طلبت مني أسيب ابنها، ما عملتش كده وهي بتعيط ولا مكسوفة. جابتني في كافيه في الزمالك، حطت شنطتها الماركة على الكرسي اللي جنبها، وبصتلي كأني بقعة شاي على المفرش.

— بصي يا سلمى، كريم ابني خلاص اتعين في شركة إنترناشيونال كبيرة. ودلوقتي محتاج واحدة من مستواه، مش بنت ست بتشتغل في كوافير.

حسيت إن القهوة سقعت في إيدي.

— نعم؟ حضرتك بتقولي إيه؟

— ما تزعليش مني. أمك ست شغالة وكل حاجة، بس صالون تجميل مش عيلة نتحاكى بيها قدام الناس. كريم قدامه فرص أحسن بكتير دلوقتي.

فرص أحسن! ده الاسم الجديد لخمس سنين كنت بدفع فيها ثمن الخروجات، ومصاريف المواصلات، والقمصان اللي بيحضر بيها الإنترفيوهات، وحتى النظارة الجديدة اللي عملها عشان يعرف يذاكر. أمي “عفاف”، صاحبة كوافير كبير ومشهور في مدينة نصر، كانت هي كمان بتساعده. تديله أظرف فيها فلوس وتقوله “عشان مواصلاتك يا ابني”، وتقص له شعره ببلاش، وتبعثله أكل لما يقول إنه مزنوق ومفيش في جيبه جنيه.

— يا طنط ماجدة، حضرتك بنفسك قولتيلى زمان إن أنا الوحيدة اللي وقفت جنبه وما سبتوش.

— ده كان زمان —ردت ببرود—. زمان لما ما كانش لسه محلل في شركة عابرة للقارات.

قعدت أبص لضوافرها المتلونة أحمر وهي بتخبط على الفنجان. مفيش أي كسوف في وشها، كل اللي هاممها تزيحني من السكة وخلاص.

— وكريم عارف إنك بتقولي الكلام ده؟

— طبعاً. هو بس مش عايز يجرحك، عشان كده أنا اللي جيت.

أول ما خرجت كلمته. رد عليا بعد ثالث محاولة.

— سلمى… أمي اتكلمت معاكي، صح؟

حسيت بنغزة في قلبي.

— قوللي إنك مش موافق على الكلام ده.

سكت شوية.

— أنا اتعرفت على حد تاني… أبوه مدير مستشفى استثماري كبير. عيلتها هتقدر تساعدني أكبر في شغلي. انتي عارفة إنك غالية عليا، بس…

— بس أمي خلاص مابقتش تلزمك.

— ما تحسبيهاش كده.

— أومال أحسبها إزي؟ استثمار وخسرت فيه؟

— ما تبقيش دراما بقى! انتي وقفتي جنبي بإرادتك محدش غصبك.

الجملة دي قتلت آخر أمل كان فاضل جوايا. ما عيطتش قدامه. قفلت السكة، ومشيت لحد كوافير أمي. حكيت لها كل حاجة بصوت مخنوق ومكسور. سابت المقص من إيدها، واعتذرت للزبونة اللي كانت معاها، وحضنتني جامد من غير ما تسأل أي سؤال.

قالتلي كلمة واحدة بس:

— يا بنتي، اللي يتكسف من الإيد اللي أكلته، بكرة سنانه هي اللي تأكله.

1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *