ست كانت قاعده

ست كانت قاعدة ترمي شعرها الطويل على ضهر الكرسي اللي قدامي في الطيارة، لدرجة إنه كان بيقع في أكلي! ولما طلبت منها تبطّل، قالتلي أستحمل… فقررت أديها درس عمرها ما هتنساه، ويفضل كل اللي كانوا في الطيارة فاكرينه!
كان عندي 73 سنة، وكنت مسافرة أحضر حفل تخرج حفيدتي، وفجأة لقيت ستارة من وصلات الشعر الأشقر الطويل بتاع الست اللي قاعدة قدامي نازلة على ضهر كرسيها، وخبطت في وشي!
زقيت الشعر بعيد عن فنجان القهوة بتاعي.
الست لفتت وبصتلي.
كانت حاطة أظافر أكريليك طويلة، وشفايفها منفوخة بشكل مبالغ فيه ولامعة، وكانت بتمضغ اللبان بصوت مستفز.
قلتلها بهدوء
معلش يا حبيبتي، ممكن تخلي شعرك في ناحيتك؟
بصتلي بملل وقالت
ده مجرد شعر!
قلتلها
بس هو واقع في مشروبي!
قلّبت عينيها بضيق، وزقّت شعرها لقدام تاني، ورجعت تبص في موبايلها.
بعد خمس دقايق، شعرها رجع وقع على ضهر الكرسي تاني.
والمرة دي، أطرافه اتسحبت فوق وجبة الغدا بتاعتي!
قلتلها
يا مدام، لو سمحتي…
لفّت ناحيتي بعصبية وقالت
إوعي تلمسي شعري!
رديت عليها
بس شعرك بيلمس أكلي!
قالتلي بكل بجاحة
أمال حرّكي أكلك من مكانه!
ست كانت قاعدة في الناحية التانية من الممر همست باستنكار
هي بتتكلم بجد؟!
الست الشقراء نفخت فقاعة من اللبان وقالت
هو إيه حكاية الدراما الزيادة دي؟! مالكم كلكم مكبّرين الموضوع ليه؟!
مضيفة الطيران قربت مننا، وطلبت منها بأدب إنها تخلي شعرها في ناحيتها.
الست ردت عليها
حاضر، خلاص!
لكن أول ما المضيفة مشيت، بصتلي وابتسمت ابتسامة مستفزة، ورمت شعرها الطويل تاني على ضهر الكرسي!
المرة دي الشعر خبط في خدي مباشرة.
وقالتلي بسخرية
أوبس!
وهنا قررت إني مش هطلب منها أي حاجة تاني.
استنيت لحد ما انشغلت بموبايلها، وطلعت ورقة مالية فئة 100 دولار من شنطتي، ووقّعتها على الأرض جنب رجليها.
وبعدين ناديت عليها بهدوء
يا حبيبتي؟
بصتلي من فوق كتفها.
قلتلها
أعتقد إن حاجة وقعت منكِ من الشنطة.
عينيها وقعت على الفلوس، ووشها نوّر من الفرحة!
انحنت بسرعة، خطفت الورقة، وحطّتها في شنطتها.
حتى ما سألتنيش إذا كانت الفلوس بتاعتها ولا لأ!
وقالتلي
شكرًا!
ابتسمت وقلتلها
العفو يا حبيبتي!
وفي اللحظة اللي كانت فيها منحنيّة، عملت حركة صغيرة جدًا…
وبعدين رجعت اتكأت على كرسيي بكل هدوء.
ولما اعتدلت في قعدتها، مراهق كان قاعد في الناحية التانية من الممر انفجر في الضحك فجأة!
أمه خبطته بكوعها عشان يسكت، مع إنها هي كمان كانت بتحاول تمنع نفسها من الضحك!
وبعده، راكب تاني لاحظ اللي حصل.
وبعدين راكب تالت…
وفجأة، أكتر من شخص في الطيارة بقوا بيبصوا عليها وبيكتموا ضحكهم!
الست الشقراء عقدت حواجبها وقالت بعصبية
في إيه؟!
محدش رد عليها.
بصت حواليها وقالت بصوت أعلى
إنتوا كلكم بتبصوا على إيه؟!
وبعدين مسكت موبايلها وفتحت الكاميرا الأمامية عشان تشوف نفسها.
وأول ما بصت للشاشة…
صرخت صرخة خلت نص الركاب في الطيارة ينتفضوا من مكانهم!
صرخت وقالت
يا عجوزة يا ساحرة!
ولفّت ناحيتي بعنف، وهي ماسكة وصلات شعرها بإيديها.
إنتِ عملتي فيا إيه؟!
مضيفة الطيران جريت ناحيتها بسرعة وقالتلها
يا مدام، لو سمحتي اقعدي في مكانك!
لكن الست كانت فقدت أعصابها تمامًا، وفضلت تصرخ
أنا عايزة أنزل من الطيارة دي حالًا!
المضيفة رمشت بعينيها من شدة الاستغراب، وبعدين قالتلها
يا مدام… إحنا على ارتفاع خمسة وتلاتين ألف قدم فوق الأرض!
لكن الست ما اهتمتش بكلامها، وفضلت تصرخ وهي بتشاور على نفسها
حكايات_زيزي
مش فارق معايا! بصّوا عملت فيا إيه! بصّوا على منظري! ووووووو
الست الشقراء كانت بتصرخ وبتشد في شعرها، ودموعها بدأت تنزل من عينيها وهي بتبص حوالين نفسها، مش مصدقة اللي حصل!
إنتوا بتضحكوا على إيه؟! حد يجيبلي مراية! حالًا!
مضيفة الطيران حاولت تهديها، لكن أول ما الست بصت في شاشة موبايلها تاني، شهقت وحطت إيديها على بقها.
وصلات شعرها الأشقر الطويل كانت متعلقة ببعضها بطريقة غريبة، وفي وسطها ورقة المية دولار اللي أخدتها من الأرض كانت باينة بوضوح، متثبتة في خصلات الشعر من ورا!
لكن دي ما كانتش المشكلة الأكبر…
لأنها لما حاولت تفك الورقة من شعرها، اكتشفت إن جزءًا كبيرًا من الوصلات اتشابك في بعضه بشكل خلّاها مش عارفة تحرك راسها من غير ما تشد شعرها!
صرخت في المضيفة
هاتي مقص! لازم أقص الشعر ده!
المضيفة اترددت وقالت
استني يا مدام، خلينا نشوف نقدر نفك التشابك إزاي من غير ما نأذيكي.
لكن الست كانت بتتحرك بعصبية، وكل ما تشد خصلة، التشابك يزيد أكتر.
أما أنا، فكنت قاعدة في مكاني بهدوء، وبشرب آخر رشفة من القهوة بتاعتي.
الست بصتلي فجأة، ووشها احمر من الغضب.
إنتِ! أنا عارفة إنك إنتِ اللي عملتي كده!
بصتلها باستغراب مصطنع وقلتلها
أنا؟! عملت إيه يا حبيبتي؟
صرخت
ما تعمليش نفسك مش فاهمة! إنتِ حطيتي حاجة في شعري!
هنا، الراجل اللي كان قاعد وراها اتدخل وقال
بصراحة، أنا شفتك وإنتِ بتاخدي الفلوس من الأرض، لكن مشوفتش الست دي وهي بتعمل أي حاجة في شعرك.
الست لفتت ناحيته وقالت
وإنت مالك إنت؟!
رد عليها بهدوء
مالي إني من ساعة ما ركبنا الطيارة وإنتِ بترمي شعرك على الناس، ولما حد يطلب منك تحترميه، تزعقي فيه. يمكن دي أول مرة تكتشفي إن تصرفاتك ليها عواقب.
كلامه خلّى كام راكب يصفقوا، لكن المضيفة طلبت منهم يهدوا عشان ما تحصلش فوضى.
وفجأة، الست الشقراء سكتت تمامًا.
بصت على ورقة المية دولار اللي لسه متعلقة في شعرها، وبعدين فتحت شنطتها بسرعة وطلعت محفظتها.
بدأت تفتش فيها بعصبية، ولما لقت إيصالًا صغيرًا، وشها اتغير تمامًا.
قالت بصوت مرتعش
مستحيل… لأ، لأ، لأ!
المضيفة سألتها
في إيه يا مدام؟ حصلت حاجة تانية؟
الست رفعت عينيها وبصتلي، لكن المرة دي ما كانش فيهم غضب وبس… كان فيهم خوف حقيقي.
قالت
الورقة دي… دي مش فلوسي!
رديت عليها بهدوء
أومال إنتِ أخدتيها ليه لما قلتلك إنها وقعت منك؟
ما ردتش.
فضلت تبص للإيصال اللي في إيديها، وبعدين همست بكلمتين خلّوا الراجل اللي جنبها يعتدل في قعدته.
لو حد عرف إني أخدت الفلوس دي، حياتي هتتدمر!
أنا ساعتها فهمت إن الموضوع أكبر بكتير من مجرد ست مغرورة وشوية وصلات شعر.
لكن قبل ما أقدر أسألها عن قصدها، مدّت إيدها ناحية شنطتي وقالت بانفعال
إنتِ لازم تساعديني! لازم تقولي للمضيفة إنك إنتِ اللي اديتيني الفلوس!
رجعت شنطتي بعيد عنها وقلتلها بحزم
إيدك بعيد عن حاجتي، يا مدام.
المضيفة وقفت بينا، وطلبت منها ترجع مكانها، لكن الست صرخت فجأة
إنتوا مش فاهمين! الفلوس دي مرتبطة بحاجة أخطر بكتير من اللي إنتوا متخيلينه!
وفي اللحظة دي، موبايلها رن.
بصت على الشاشة، وأول ما شافت اسم المتصل، إيديها بدأت ترتعش.
رفضت المكالمة مرة…
فرن تاني.
رفضتها مرتين…
وفي المرة التالتة، المضيفة لاحظت إن في رسالة ظهرت على الشاشة، وكانت أول كلمات فيها
إحنا عرفنا اللي عملتيه في المطار… ولو الفلوس وصلت معاكي، ما تفتحيش الشنطة قدام أي حد!
الست شهقت، وخطفت شنطتها لحضنها، وبصت حوالين نفسها كأنها بتدور على شخص معين وسط الركاب.
وبعدين ثبتت عينيها عليّا وقالت بصوت واطي
إنتِ لازم تنزلي معايا من الطيارة… لأن الشخص اللي بيدور على الفلوس دي، فاكر إنك إنتِ اللي معاكي الحاجة اللي جواها!
ولأول مرة من ساعة ما بدأت الرحلة، حسيت إن ضحك الركاب كله اختفى… وإن المشكلة اللي كنت فاكرة إني خلصت منها، لسه في أولها!
بصتلها وأنا مش مصدقة اللي بسمعه، وقلتلها بصوت ثابت
إنتِ بتقولي إيه يا بنتي؟ أنا ست عندي 73 سنة، مسافرة أحضر تخرج حفيدتي، مش داخلة في مغامرات ولا أعرف إنتِ مين أصلًا!
لكن الست ما ردتش. كانت بتبص على الموبايل، ووشها بيصفر أكتر مع كل إشعار جديد.
وفجأة، وصلتها رسالة تانية.
فتحتها، وأول ما قرأت أول سطر، صرخت
لأ! مستحيل يكونوا وصلوا لهنا!
المضيفة قربت منها وقالت بجدية
يا مدام، لازم تهدي وتوضحي لنا إيه اللي بيحصل. لو في تهديد حقيقي، لازم نعرف.
الست هزت راسها بعنف، وبعدها بصتلي وقالت
اسمعيني كويس… الفلوس اللي إنتِ وقعتيها على الأرض، أنا ماخدتهاش لمجرد إني طماعة!
رفعت حاجبي وقلتلها
أمال أخدتيها ليه؟ ما إنتِ خطفتيها من الأرض من غير حتى ما تسألي إذا كانت بتاعتك ولا لأ!
نزلت عينيها للحظة، وبعدين همست
لأن الشخص اللي إداني الشنطة في المطار قال لي إن أي فلوس تقع قدامي لازم أخدها، وإنها هتكون العلامة اللي تثبت إني الشخص المطلوب.
الركاب اللي حوالينا بدأوا يسمعوا الكلام باهتمام.
الراجل اللي كان قاعد في الصف اللي ورانا سألها
يعني إنتِ وافقتي تاخدي فلوس من شخص غريب من غير ما تعرفي السبب؟
الست ردت بعصبية
أنا ماكنتش أعرف إن الموضوع هيوصل لكده!
وبعدين فتحت شنطتها وطلعت منها ظرف بني صغير، كان مستخبي تحت المحفظة.
أول ما شفت الظرف، قلبي انقبض.
لأن على وشه كان مكتوب اسم عيلتي!
اسمي أنا… واسم ابني… وعنوان بيتنا القديم في الإسكندرية!
حسيت إن الأرض بتلف بيا.
مديت إيدي ناحية الظرف، لكن الست سحبته بسرعة وقالت
استني! ما تفتحيهوش هنا!
صرخت فيها
إنتِ تعرفي ابني منين؟! وإيه اللي جاب اسمي في ورقك؟!
ما ردتش.
بدل ما تجاوب، بصت من الشباك، وبعدها رجعت تبص للممر كأنها مستنية حد يظهر.
المضيفة طلبت منها تسلم الظرف مؤقتًا عشان تقدر تفهم الموقف، لكنها رفضت، وفضلت ضامة الشنطة لصدرها.
وبعد لحظات من التوتر، الراجل اللي كان قاعد قدامنا قام من مكانه.
كان لابس بدلة كحلي، وبيتكلم بهدوء شديد من أول الرحلة، لدرجة إني ماخدتش بالي منه.
قال للمضيفة
لو سمحتي، أنا محتاج أتكلم مع الراكبة دي ومع السيدة الكبيرة.
الست الشقراء أول ما شافته، شهقت ورجعت لورا لحد ما خبطت في كرسيها.
وقالت بصوت مخنوق
إنت؟! إنت بتعمل إيه هنا؟!
الراجل رد عليها
كنت أتمنى إنك توصلي بهدوء، لكن واضح إنك قررتي تعملي مشكلة تانية.
المضيفة وقفت قدامه فورًا وقالت
حضرتك، من فضلك عرّفنا بنفسك الأول.
طلع بطاقة من جيبه ووريهالها، وبعد ما بصت عليها، ملامحها اتغيرت.
قالت بحذر
طيب، هنحتاج نتأكد من المعلومات دي قبل أي إجراء.
أما أنا، فكنت مشغولة بحاجة واحدة بس…
إزاي الراجل ده يعرف الست الشقراء، وليه أول ما شافته اتصرفت كأنها شافت شبح؟!
بصلي الراجل وقال
يا مدام، أنا عارف إن حضرتك مالكيش ذنب في اللي بيحصل، لكن محتاج أسألك سؤال واحد.
قلتلُه
اتفضل.
سألني
ابنك اتصل بيكي قبل الرحلة وقالك تحتفظي بحاجة معاكِ لحد ما توصلي؟
اتجمدت في مكاني.
لأن ابني فعلًا اتصل بيا قبل ما أتحرك للمطار، وقال لي جملة غريبة وقتها، وأنا ما اهتمتش بيها.
قال لي يا ماما، لو حد سألك عن شنطتك الصغيرة، ما تديهاش لحد، حتى لو قالك إنه يعرفني.
وقتها افتكرت إنه بيهزر معايا.
لكن دلوقتي، وأنا ببص للراجل اللي قدامي، بدأت أحس إن مكالمة ابني ما كانتش هزار أبدًا.
طلعت شنطتي الصغيرة من تحت الكرسي، وفتحتها قدام عينيه.
كل اللي جواها كان عادي مناديل، ونضارة القراءة، وعلبة دواء، وصورة قديمة ليا مع ابني وهو

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *