ست كانت قاعده

نفسك للخطر. هننسق مع الجهات المختصة ونتأكد من مكان ابنك الأول.
هزيت راسي، لكن جوايا كنت عارفة إن الوقت بيعدي، وإن كل دقيقة ممكن تفرق.
وقبل ما نتحرك، نادية مسكت إيدي وقالت
استني. فيه حاجة أخيرة لازم تعرفيها.
فتحت آخر جيب في الملف، وطلعت منه شريط تسجيل قديم.
جوزك سلّمهولي قبل اختفائه بساعات، وقال لي ما أشغلوش غير قدامك.
شغّلت التسجيل.
في الأول، ما سمعتش غير صوت تشويش، وبعدها جه صوت جوزي واضح، بنفس النبرة اللي كنت فاكرة إني مش هسمعها تاني أبدًا.
قال
لو إنتِ بتسمعي التسجيل ده، يبقى محمود ما قدرش يحافظ على السر أكتر من كده. أنا عارف إنه هيحاول يحميكي، لكن في حاجة لازم تعرفيها… ابننا مش الشخص الوحيد اللي أخفيت عنه الحقيقة.
وبعدها سكت لحظة، ثم قال جملة واحدة خلّت نادية تغطي وشها بإيديها من الصدمة
الست اللي هتسمع التسجيل معاكي، هي السبب في إني اختفيت سبع سنين… لأنها كانت آخر شخص طلب مني إني ما أرجعش لبيتي أبدًا!
رفعت عيني ببطء ناحية نادية.
الست اللي كانت من شوية بتساعدني، وبتحاول ترجعلي جوزي، بدأت تتراجع لورا وهي بتعيط.
همست لها
إنتِ عملتي إيه لجوزي؟!
لكنها ما ردتش.
بدل ما تجاوب، بصت لمحمود وقالت
خلاص… لازم تعرف كل حاجة.
وبعدين رجعت بصتلي وقالت
جوزك ما اختفاش علشان كان خايف من اللي هيحصله… جوزك اختفى لأنه اكتشف إن الشخص اللي كان بيهدده مش غريب، وإنه كان بيعيش معاه في نفس البيت!
يتبع…
النهاية السر اللي اتدفن سبع سنين!
بصيت لنادية وأنا مش قادرة أصدق اللي سمعته.
في نفس البيت؟! تقصدي مين؟ محمود؟ ابني؟ ولا أنا؟!
نادية غمضت عينيها، وبعدها قالت بصوت مكسور
جوزك اكتشف إن محمود كان بيساعده من غير ما يعرف إن المستندات اللي بيدوّر عليها مرتبطة بشخص من العيلة. ولما عرف الحقيقة، حاول يبعدك إنتِ وابنك عن كل اللي بيحصل.
صرخت فيها
طب إنتِ إيه علاقتك بالموضوع؟!
فتحت الملف الأسود وطلعت منه خطاب قديم، عليه توقيع جوزي.
أنا كنت الممرضة اللي استقبلته ليلة الحادثة. كان مصاب إصابة خطيرة، وقبل ما يفقد وعيه، طلب مني أوصل رسالة ليكي. لكن قبل ما أقدر أعمل كده، جه شخص ومعاه أوراق رسمية مزورة، ونقله لمكان تاني. لما حاولت أبلغ الشرطة، هددني بابني، فخفت وسكت.
سألتها والدموع بتنزل من عيني
وإنتِ سيبتيني سبع سنين أعيط على جوزي؟!
ردت وهي بتعيط
أنا غلطت، وعارفة إن مفيش أي عذر يبرر اللي عملته. لكن من يومين عرفت إنه لسه عايش، وإن ابنك وصل لمكانه، فقررت أصلح اللي قدرت عليه.
محمود كان واقف ساكت، لحد ما أخيرًا رفع راسه وقال
أنا كمان غلطت يا أختي. كنت عارف إن في حد بيهدد جوزك، لكن لما هددوني بيكي وبابنك، خفت. فضلت ساكت، وكنت كل يوم بقول لنفسي إني بحميكم، مع إني في الحقيقة كنت بسيبكم تعيشوا في كدبة كبيرة.
بصيتله بوجع.
إنت أخويا، وكان المفروض تثق فيا!
نزل راسه وقال
عندك حق.
لكن ماكانش عندي وقت أعاتب حد. ابني كان لسه في خطر، وجوزي ممكن يكون عايش.
الضابط قرر يتحرك فورًا بعد ما بلّغ الجهات المختصة، واتحدد مكان المبنى القديم، واتجهت قوة للموقع.
أما أنا، ففضلت ماسكة المفتاح في إيدي، وبادعي ربنا أشوف ابني تاني.
المواجهة الأخيرة
وصلنا للمبنى القديم قبل منتصف الليل بوقت قصير.
كان المكان مهجور، والشبابيك مكسورة، والباب الحديدي عليه طبقات من الصدأ.
الضابط طلب مني أفضل ورا القوة، لكن أول ما دخلنا، سمعت صوت ابني جاي من الدور التحتاني.
ماما!
صرخت باسمه وجريت ناحية الصوت، لكن الضابط لحقني.
استني! لازم نتأكد إن المكان آمن.
وبعد دقائق من التفتيش، لقينا باب حديدي في نهاية ممر تحت الأرض.
المفتاح اللي كان معايا دخل في القفل بسهولة.
أول ما الباب اتفتح، ظهر ابني قاعد على كرسي، تعبان وخايف، لكنه كان بخير.
جريت عليه وضميته بقوة، وفضلت أبكي وأنا بتأكد إنه سليم.
حبيبي، إنت كويس؟ عملوا فيك حاجة؟!
هز راسه وقال
أنا كويس يا ماما، بس لازم تشوفي اللي ورا الباب التاني.
كان فيه باب صغير في آخر الغرفة، وراه سرير ومكتب وأدوية، وعلى الحيطة صور قديمة لجوزي.
وفي آخر الغرفة، كان فيه راجل قاعد على كرسي، شعره بقى أبيض، ووشه شاحب، لكنه أول ما شافني وقف بصعوبة.
حط إيده على الحيطة عشان يتوازن، وقال بصوت كنت فاكرة إني مش هسمعه تاني أبدًا
سامحيني يا حبيبتي…
ماقدرتش أتحرك.
كان هو.
جوزي اللي دفنته في قلبي سبع سنين، كان واقف قدامي وعايش!
قربت منه ببطء، وبصيت في وشه، ولمست إيده عشان أتأكد إني مش بحلم.
إنت عايش؟! إنت كنت عايش طول السنين دي؟!
دموعه نزلت وهو بيهز راسه.
أيوه… بس ماكنتش قادر أرجع.
صرخت فيه
ليه؟! ليه سبتني أعيش كل ده لوحدي؟! ليه سبت ابنك يكبر وهو فاكر إن أبوه مات؟!
قعد على الكرسي، وحط وشه بين إيديه.
لأن محمود اكتشف إن شريكي القديم كان بيزوّر مستندات الشركة وبيسرق أموالها. ولما واجهته، هددني بيكي وبابني. وفي ليلة الحادثة، حاول يقتلني، لكني نجوت. الشخص اللي ساعدني أهرب هو اللي أخفاني في المكان ده، لحد ما أقدر أجمع الأدلة ضده.
سألته
وكنت تقدر تتواصل معانا كل السنين دي؟!
سكت.
وسكوته كان أقسى من أي إجابة.
بعد لحظات، قال
كنت أقدر أحاول… لكني كنت جبان. فضلت أقول لنفسي إن غيابي هو الطريقة الوحيدة لحمايتكم، لحد ما الخوف بقى أسهل من إني أواجه الحقيقة.
بصيتله ودموعي بتنزل.
إنت ماحمتناش يا حسن. إنت حرمتنا منك.
ما ردش، لأنه كان عارف إني عندي حق.
في اللحظة دي، الضابط دخل ومعاه الراجل اللي كان في الطيارة، مكبّل اليدين.
طلع إن اسمه الحقيقي كان مختلف عن الاسم اللي استخدمه، وإنه كان شريك جوزي القديم، والمسؤول عن تزوير المستندات ومحاولة إخفاء الأدلة. اتقبض عليه بعد ما ظهرت التسجيلات والوثائق اللي كانت مخبية في المبنى، وبدأ التحقيق في كل الجرائم اللي ارتكبها.
أما محمود، فاعترف إنه سكت عن تهديدات كتير خوفًا على عيلته، لكنه وافق يشهد بالحقيقة، ويساعد في استرداد الأموال والحقوق المسروقة.
وسارة اعترفت بدورها في توصيل الرسائل والظرف، وقدمت كل المعلومات اللي عندها عن الأشخاص اللي شغّلوها.
وبكده، الحقيقة اللي اتدفنت سبع سنين بدأت تظهر للنور.
بعد ست شهور
رجعنا البيت، لكن حياتنا ما رجعتش زي الأول.
ابني كان سعيد إن أبوه رجع، لكنه احتاج وقت طويل عشان يتقبل غيابه. وأنا كمان، رغم إني كنت بحبه، ماقدرتش أنسى بسهولة السنين اللي عشتها لوحدي.
حسن حاول يصلح اللي كسره، وبدأ يروح مع ابنه جلسات علاج أسري، واتعلم يسمع بدل ما يقرر لوحده إيه الأفضل للناس اللي بيحبهم.
أما أنا، فقررت إني ما أتنازلش عن حقي في إني أزعل، أو أحتاج وقت، أو أطلب إجابات واضحة.
في يوم، كنا قاعدين في البلكونة، وحسن بصلي وقال
تفتكري تقدري تسامحيني يومًا ما؟
بصيت للسماء، وبعدها قلتله
يمكن أسامحك، لكن مش معنى كده إني هنسى. الثقة مش بترجع بكلمة، ولا حتى باعتذار. الثقة بترجع لما الأفعال تثبت إن اللي حصل مش هيتكرر.
هز راسه، وقال
هحاول أكون قد الفرصة دي.
ابتسمت ابتسامة صغيرة، لأول مرة من سنين، وحسيت إن قلبي بدأ يرتاح.
مش لأن كل حاجة بقت مثالية، لكن لأن الحقيقة أخيرًا ظهرت، ولأن ابني رجع لحضني، ولأن الخوف ما بقاش هو اللي بيقرر حياتنا.
وبعد أسبوع، وأنا برتب حاجاتي، لقيت ورقة المية دولار اللي بدأت بيها الحكاية، وكانت لسه في محفظتي.
افتكرت الست الشقراء، والرحلة، والظرف، والمفتاح، وكل اللي حصل.
ضحكت لوحدي وقلت
أهو شعرها كان هيوقع في أكلي، وفي الآخر أنا اللي اكتشفت إن حياتي كلها كانت محتاجة تتكشف!
لكن قبل ما أقفل المحفظة، لقيت على ظهر الورقة كتابة صغيرة ماكنتش واخدة بالي منها.
كانت جملة واحدة بخط جوزي
الحقيقة مش دايمًا بترجع اللي ضاع، لكنها بتديك فرصة تبدأ من جديد من غير ما تعيش في كدبة.
احتفظت بالورقة، مش علشان أفكر في اللي فات، لكن علشان أفتكر إن عمري ما كان متأخر على إني أعرف الحقيقة، أو أحمي نفسي، أو أبدأ حياة جديدة.
ويمكن دي كانت أهم حاجة اتعلمتها من الرحلة كلها إن السكوت مش دايمًا حماية، وإن الحب من غير صدق ممكن يتحول لسجن، وإن الإنسان مهما كان عمره، من حقه يعرف الحقيقة ويختار بنفسه هيكمل حياته إزاي.
تمت النهاية.

الصفحة السابقة 1 2 3 4

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *