لما قلت لامي

لم يكن كريم قد فعل ذلك انتقاماً، بل ليعلموا أن الحياة لا تقام على حساب حياة طفل بريء، وأن هناك حدوداً لا يمكن تجاوزها مهما كانت الأسباب.
في الصباح التالي، بينما كنت جالسة جنب يوسف وأقرأ له قصة، سمعنا دق خفيف على باب الغرفة. دخلت أمي، وراءها ميرهان. كانتا متوترتين جداً، ملابسهما بسيطة ولم تكونا متأنقتين كالمعتاد. أمي وقفت مترددة عند الباب، نظرت ليوسف ثم لي، وبصوت خاڤت بالكاد يُسمع
جيت أسأل.. إيه اللي نعملوه عشان كل حاجة ترجع زي ما كانت؟ الناس اتطردوا من القاعة، الفواتير عالية، وميرهان مكسوفة من كل أصحابها.
قمت ببطء ووقفت أمامها
أنا مش ببتزك يا ماما. كل اللي طلبته منك أمس هو تيجي تشوفي حفيدك اللي بېموت من المړض. وقلتلي إنه مجرد إزعاج. ده اللي اتغير.. مش الفلوس، مش الحفلة.. ده قلبك اللي اختارتيه بعيد عنا.
ميرهان قاطعتني بصوت مرتعش
بس كنت غالية علينا الحفلة.. المرة دي بس.. سامحينا ونرجع كل حاجة تانية تماماً.
نظرتُ لميرهان ثم لأمي بكل هدوء
الحفلة كانت هتنتهي بليل.. لكن يوسف لو خسرناه أمس، ما كانش فيه أي حفلة في الدنيا تعوضني عنه. لو عايزين تعرفوا طريق للرجوع.. تعالوا من هنا أولًا تعالوا تحبونا بصدق من غير شروط ومن غير مقابل. أما الفلوس.. فمش هترجع تُعطى كهدايا تانية. اللي محتاجة تعمله تشتغلي وتجتهدي زي كل الناس. كريم وأنا هنكون معاكم في الحاجات الضرورية والطارئة، بس هنكون معاكم كأسرة، مش كدائنين ومدينين.
خرجتا من الغرفة وصمتهن يحكي عن صدمة لم يتوقعاها أبداً. لم أكن قاسېة، كنت فقط أحمي عائلتي الجديدة من أن تُستهان بها مرة أخرى.
الجزء الرابع
بعد أسبوع، خرج يوسف من المستشفى بصحة وعافية، وكان كريم قد جهز لنا منزلاً جديداً جميلاً في منطقة هادئة، بحديقة صغيرة مليئة بالزهور التي أحبها يوسف. لم يكن القصر الذي يتخيله الناس، بل كان بيتاً دافئاً مليئاً بالحب والضحكات.
مرت الأشهر، وأمي بدأت تتغير ببطء. لم تتحول لشخص مختلف في يوم وليلة، لكنها بدأت تزورنا بانتظام، تجلس جنب يوسف وتلعب

معه، وأحياناً كانت تسألني ببعض الارتباك عن حالتي وحال كريم. مرة واحدة، وبعد أشهر طويلة من الصمت، قالت لي بصوت منخفض ونحن نشرب الشاي في الحديقة
كنت فاكرة إن الفلوس هي اللي بتصنع القيمة.. واتضحلي إن اللي عندكِ أنتِ وكريم، ده أغلى من كل الفلوس اللي عرفتها في حياتي. آسفة يا بنتي.. آسفة جداً عشان اللي قلتله أمس في التليفون.
لم أقل شيئاً، فقط مسكت يدها الدافئة بين يديّ، وابتسمت لها. المسامحة ليست نسيان الألم، بل هي اختيار للمضي قدماً بسلام. أما ميرهان، فبدأت تبحث عن عمل، وساعدتها في الحصول على دورة تدريبية، وبدأت تشق طريقها بجدها وجهدها الخاص. كانت صعبة عليها في البداية، لكنها تعلمت أن الكرامة تأتي من عملك، لا من أموال أهلك.
وذات يوم، وأنا أجلس مع كريم على شرفة بيتنا، ويوسف يلعب بدراجته في الحديقة تحت أشعة الشمس الدافئة، سألت كريم
ليه خبيت عليّ كل ده لمدة خمس سنين؟ كنت تعرف إنني أستاهل الثقة دي من أول يوم التقينا فيه.
أحاطني بذراعه وقبل جبيني
لأنني أردت أن تتأكدي بنفسك أنكِ اخترتني أنا، لا شيء غيري. واليوم أنا متأكد إن حبك لي نقي وصادق، لا تشوبه شائبة. وأغنى ما أملك في الدنيا ليس أموالي، بل أنتِ ويوسف.. عائلتي الصغيرة اللي بتبدو لي كأنها كنز من الجنة.
الجزء الخامس
مرت السنين، ويوسف كبر وأصبح شاباً ذكياً طيباً القلب، يعرف قيمة الناس بأفعالهم لا بممتلكاتهم. أمي عاشت معنا سنواتها الأخيرة في سلام وأمان، وفي ۏفاتها تركت لي رسالة قصيرة تقول أعطيتني فرصة ثانية لم أستحقها دائماً، لكنكِ علمتيني أن الحب هو الباقي حقاً. اعتني بعائلتك جيداً. لم أبكِ بكاءً يأسياً، بل دعوت لها بالرحمة والغفران، وشكرت الله أنها عادت إلينا قبل الرحيل.
أما ميرهان، فأصبحت مديرة لمشروعها الخاص الصغير، وتزوجت من شاب طيب يعمل معها، وبنيت حياتها على أساس الاحترام والجهد. كانت دائماً تقول لي لو لم توقفيني في تلك الليلة، كنتِ خليتني أتكأ على غيري طول عمري. شكراً لأنكِ قويتني عليّ.
وذات ليلة، كنت أتصفح

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *