لما قلت لامي

بس أمك دلوقتي قالت إن حياة ابننا مجرد إزعاج.
ملامحه تحجرت تماماً وبقت مرعبة
ده آخره معايا.
أخد تليفوني من على الترابيزة.
في 20 دقيقة.. أقدر أسحب منهم كل حاجة.. عربياتهم، فلوسهم، الشقق، وحتى كريدت الكروت اللي بيتفاخروا بيها.. كل ده في الأصل بتاعي.
عينه ثبتت في عيني
بس محتاج قرارك إنتِ الأول.
…
هل لسه شايفة نفسك بنت هدى سليم.. ولا بقيتي أم الولد ده؟
بصيت ليوسف.
إيده الصغيرة اتحركت بضعف فوق الملاية.
ولأول مرة في 29 سنة، الإجابة مطلعتش ومعاها أي إحساس بالذنب.
اتصل بيها.
كريم فتح الخط، وشغل السبيكر..
يا ترى إيه اللي حصل لما أمها سمعت صوت كريم الحقيقي على التلفون، وإزاي انقلبت الطاولة عليهم في عز الحفلة؟ الجزء الثاني
ضغط كريم على زر الاتصال، ووضعه على السماعة الخارجية. رنّ لثوانٍ، واتصلت أمي فوراً كأنها كانت بانتظار المكالمة بقلق
أخيراً جيتِ! الناس بتسأل عنكِ من ساعة.. إنتِ فين؟ بسرعة الميكروفون هيفتح بعد خمس دقائق وميرهان هتطلع تستقبل الضيوف!
صوتها كان مليان انزعاج ولهجة أمر مألوفة، لم تتغير قط. كريم رد بهدوء تام، لكن نبرته كانت مختلفة، ثابتة وقوية
مساء الخير يا سيدة هدى.
صمت للحظة، ثم صوتها تغير، تردد قليل
مين معايا؟ أين مريم؟ ليه بتتكلم بدالها؟ وينها؟ قالتلك تيجي بدالها؟ ده مش مقبول أبداً!
مريم مش هتيجي.. ويوسف لسه في العناية المركزة وحالته حرجة جداً. والموضوع مش مجرد اختيار بين حفلة ومستشفى.. الموضوع إنكِ طلبتي منها تسيب ابنها المړيض وتجي تحتفي بمناسبة وانتِ تعرفي تماماً خطۏرة وضعه.
ضحكت أمي بصوت عالٍ ومستهزئة
وأنتَ بقى جاي تعلمني الأصول يا صنايعي؟ مريم عيلة وهي محتاجة تعرف واجباتها. وأنت مالك شغل؟ إنت مجرد زوجها، وأنا أمها اللي ربيتها. قولله تيجي قبل ما أسحب منها كل ما أملك!
هنا تغير نبرة كريم، صار أكثر حدة ورسمية
قبل ما تهددي يا سيدة هدى، أريدك تستمعي كويس. الفندق اللي أنتِ قاعداه فيه دلوقتي، وقاعة الحفلة دي، وكل الخدمات والضيوف اللي استدعيتيهم، كلهم على حساب بطاقة ائتمان صادرة من بنك الاستثمار الأول التابع لمجموعتي. وكمان

الشقة اللي انتِ عايشة فيها، وعربية ميرهان الجديدة، وحتى المصاريف الدراسية بتاعتها.. كل ده بتمويل شخصي مني لزوجتي، سددته ببساطة عشان مريم ما تحس بضغط عليكِ، ومكنتش عايز أفرق بيننا بفلوس.
صمت مطبق من الجهة التانية، ثم سمعنا صوت ميرهان في الخلفية بتسأل مين ده يا ماما؟ ليه بتتكلمي معاه؟ هو ده كريم؟ قفلي الخط عليه!
أمي حاولت تستعيد وقفتها بحدة
كلام فاضي! إنت بتكذب عشان تؤثر علينا! مريم سمعاني.. إما تيجي الحال أو تعتبري نفسك مقطوعة من شجرة للأبد!
كريم رد ببطء وثبات
أعطيتكِ فرصة أخيرة لتعتذري لحفيدك ولزوجتي، وتجي تزوري يوسف في المستشفى. لو ما حصلش خلال ساعة واحدة.. أنا آسف جداً، هنضطر نجمد كل الحسابات والبطاقات فوراً. القرار بيدكِ تماماً. مع السلامة.
أغلق الهاتف ببطء، ونظر إليّ بعينين دافئتين مليئتين بالحنان
أنا آسف إني خبيت عليكي كل ده يا حبيبتي.. بس حبيتكِ أنتِ، مش اللي كنت أقدر أقدمه لكِ. وكنت عايزكِ تختاريني بقلوبنا، مش بجيوبنا. واليوم اختارتي ابنك بكل بساطة وكرامة.. ده أغلى شيء ممكن أملكه في الدنيا.
مسك يدي بين كفيه الدافئين، وشعرتُ أنني أخيراً في أمان حقيقي، ليس بفلوس أو نفوذ، بل بحب رجل يحميني ويحمي ابني بكل ما يملك.
الجزء الثالث
مرت ساعة كاملة ولم يأتِ أحد. لم أتألم، لم أتفاجأ، فقط شعرتُ ببرودة لطيفة تسري في صدري، كأنني أتخلص من ثقل حملته طويلاً. في تلك الأثناء، أجرى الدكتور فحصاً لليوسف، وابتسم وهو يقول
الحرارة بدأت تنزل تدريجياً، والأكسجين تحسن. حالته مستقرة الآن، بقي تحت المراقبة ليلتين، وبإذن الله سيكون بخير.
دموعي نزلت من فرح وارتياح، وشكرت الله من كل قلبي. كريم حضڼي ببطء، وقبل رأسي بصمت، وكأننا نعيش لحظة مقدسة لا تحتاج لكلام.
وبعد ساعتين، بدأت المكالمات تتوالى على هاتفي من الأقارب والضيوف، كلهم يسألون بنبرة قلق ودهشة
إيه اللي حصل؟ الفندق طالب بمبلغ مالي فوري وإلا هنطلع بره الحفلة! الكروت كلها متوقفة! إيه القصة؟ أمك بتصيح وتقول إنكِ سحبتي الفلوس من وراها!
لم أرد على أحد، أغلقت هاتفي وتركتُهم يواجهون قراراتهم بأنفسهم.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *