متخيل
مكنتش متخيل اني لما هقفل باب القبر على أمي هتأكد وهدخل في مرحلة اليقين إن الوِحدة من أبشع المشاعر اللي ممكن الإنسان يحس بيها، الوِحدة شعور جميل لما بيكون باختيارنا وفي أوقات وظروف معينة، اما إن أمي تموت وابويا قبلها بسنين وميكنش ليا ولا أخ فهي دي الوِحدة اللي مفيش إنسان واحد عاقل ممكن يختارها..
حتى القرايب يا دوب قضوا الواجب معايا وبعد الدفنة كل واحد رجع لحياته وسابوني لوحدي بجر شعور الوِحدة والإنكسار، وبرجع للشقة اللي هفضل عايش فيها لوحدي لحد ما أموت تقرييا..
واحد من أصحابي فضل معايا تلت أيام العزاء بس غصب عنه سابني عشان شغله وحياته على وعد بالزيارة من تاني، وهو ده الوحيد اللي وقف معايا دونا عن كل الناس، ووقعت في حالة نفسية سيئة جدا لوقت طويل، يمكن تلت شهور مكنتش بشوف فيهم نور الشمس، لحد ما بدأت الحالة المادية توصل للحضيض، وبقيت شايف شبح الجوع بيلوح قدام عنيا..
وانا لحد دلوقتي مش ثابت في شغل معين، وكان مصروف البيت كان عبارة عن معاش أمي اللي راح بموتها، ولقيت نفسي غصب عني مُطالب اني أشتغل وأصرف على نفسي وإلا هموت من الجوع حرفيًا..
اشتغلت في مصنع واتنين وحرفيًا كان المرتب مبيقضيش اكل ومواصلات من الأساس، وده خلاني اروح هنا وهناك واتبهدل، واستلف مرة واتنين على وعد برد الفلوس في أسرع وقت ممكن، بس مكنتش عارف فعلا انا هرد الفلوس دي ازاي..
لحد ما في يوم كنت قاعد على القهوة تقريبا عمال اتهرب من صبي القهوة عشان مطلبش مشروب لأني مكنش معايا ثمنه وفوجئت بواحد من قرايبنا، ابن عمي الكبير اللي كنا بنشوق بعض كل فين وفين، حضني بقوة وسلم عليا ولقيت نفسي مضطر أظهر شغفي وفرحتي برؤيته عكس ما كان جوايا وإني مكنتش عايز أشوفه من الأساس..
وطلب مني اني آجي في أقرب فرصة أتغدى معاه ويعرفني على مكان شقته الجديدة وخد رقمي، وعدته بالزيارة وانا عارف اننا هنمسح المقابلة دي من الأذهان مسافة ما نلف للناحية التانية..
بس الغريب انه كلمني بعد يومين، وفكرني بوعدي بالزيارة، ووصفلي البيت وكان مُصر إني أزوره واتغدى معاه، ولقيت نفسي مضطر اني أزوره في النهاية على آمل إني اتغدى أكل بيتي بدل أكل الشوارع اللي بهدلني ده..
وعلى الساعة ٦ المغرب كنت بخبط على باب شقته، شقة محترمة في مكان كويس، رحب بيا جدا وعرفني بزوجته وحطولي أكل فاخر وعاملوني بقيمة فقدتها في نفسي من زمان، وبدأت الدردشة عن العيلة والشغل اللي خد الناس وفضلنا نفتكر الذي مضى لحد ما جت سيرة عمتي فوزية..
قالي انها عايشة لوحدها من سنين طويل في بيت في مدينة تانية والعيلة كلها مقطعاها، وفي لحظة ضحك وهزار قالي انها رغم كبر عمرها وعزلتها إلا ان جوزها سابلها ثروة كبيرة أوي، وانها لما تموت محدش هيستفيد بيها للاسف..
معرفش ليه كلامه هزني اوي، ولقيت نفسي بفكر بطريقة مُريبة وغير مفهومة، فضلت أتخيل عمتي ماتت وكتبت ثروتها بإسمي، واتحولت في يوم من شاب مش لاقي ياكل لشاب غني قادر يعيش ويشوف الدنيا..
وبدأ الشيطان يلعب في راسي بطريقة غريبة، لحد ما انتهت الزيارة وطلبت من ابن عمي عنوانها لأني ممكن أزورها، اداني العنوان وهو بيضحك وحذرني منها لأنها تعتبر مجنونة، وخرجت من عنده عشان الدنيا كلها تبوظ على دماغي اكتر ماهي بايظة..
اللي كان له عندي دين بدأ يطالبني بيه، الثلاجة بتاعت الشقة باظت ومحتاج الف جنيه عشان تتصلح، وحنفية الحمام باظت هي كمان ومحتاجة سباك و١٠٠ جنيه طبعا عشان تتصلح..
وكأن الدنيا بتقولي مفيش حل غير انك تروح تسرق العجوزة المجنونة دي، واحدة هتموت وانت أولى واحد بفلوسها، بس في اللحظة دي غصب عني افتكرت أمي الله يرحمها، أمي اللي كانت بتلبسني السلسلة اللي في رقبتها اللي على شكل مصحف وانا طفل صغير وتبدأ تحفظني قرآن، ولسة فاكر لما كنت بسمع لها الآية اللي بتقول:
“والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاءً بما كسبا نكالا من الله”
وحسيت بطعنة في قلبي، انا اللي حفظت نص القرآن على إيد أمي واتعلمت الدين هروح وأسرق على آخر الزمن، ووقعت في حيرة كبيرة أوي، بس الفقر، الفقر قهرني واتغلبت نفسي الخبيثة عليا وقررت أزور عمتي واشوف انا ممكن أعمل ايه معاها..