احنا قررنا نتبنى

إحنا عمرنا ما كنا متخيلين إن ورقة صغيرة محطوطة جوه ملف بني هتقدر تغيّر شكل عيلتنا كلها.
ولا كنا متخيلين إن الراجل العجوز اللي كان ساكن في البيت اللي جنبنا، واللي بدأنا نعرفه باعتباره مجرد جار وحيد فقد مراته، كان شايل سر أكبر من أي حاجة ممكن نتوقعها.
كل اللي كنا عايزينه في البداية كان بسيط جدًا.
كنا عايزين نقوله
إنت بقيت مننا.
لكن لما حطينا الورق قدامه، وبص لأول صفحة، وشه اتغير.
اختفت الابتسامة.
اتشد فكه.
إيده ثبتت فوق الورقة.
وبعدين رفع عينيه علينا، وكانت أول مرة أشوف الخۏف بالشكل ده في عينيه.
قال بصوت واطي
في حاجة لازم أحكيهالكم.
وساعتها أنا فهمت إننا ماكناش بنقدم له هدية.
إحنا كنا بنفتح باب.
باب كان هو قافله من سنين.
إحنا أسرة كبيرة.
خمسة أطفال، أنا ومراتي، وبيت عمره ما بيعرف الهدوء.
لو مفيش حد بيعيط، فيه حد بيضحك.
لو مفيش حد بيطلب أكل، فيه حد بيدور على شراب.
ولو الدنيا هديت خمس دقايق، لازم أقلق لأن أكيد فيه مصېبة بتحصل في مكان ما.
في الأول كنا بنحاول ننظم حياتنا.
كان عندنا جدول للنوم.
جدول للأكل.
جدول للمذاكرة.
حتى كان عندنا مرة جدول لتنظيف البيت.
الجدول ده عاش تلات أيام.
بعدها اختفى.
مش عارفين مين شاله، ومحدش اعترف.
لكن الحقيقة إننا اتعودنا.
اتعودنا على الدوشة.
اتعودنا على اللعب المرمية في كل مكان.
اتعودنا إن الأكل بيتاكل قبل ما يبرد.
واتعودنا إن أنا ومراتي ننام وإحنا لسه بنفكر مين هيصحى بالليل لو واحد من الأطفال تعب.
ومع إننا عمرنا ما ندمنا على أولادنا، إلا إن الحقيقة كانت إن حياتنا كانت صعبة.
دخلين اتنين.
ومصاريف خمسة أطفال.
إيجار، أكل، مدارس، علاج، هدوم، فواتير، ومصاريف صغيرة لا بتنتهي.
وكان دايمًا فيه حاجة ناقصة.
وقت.
وقت لبعض.
وقت لنفسنا.
وقت حتى إننا نقعد ونشرب قهوة من غير ما حد ينادينا.
تقريبًا من تسع سنين، إحنا ماقعدناش قعدة حقيقية لوحدنا.
كنا بنحب بعض.
لكن الحب وسط المسؤوليات بيبقى أحيانًا زي شمعة صغيرة وسط هواء شديد.
لازم تحافظ عليها بإيديك.
وده اللي كنا بنعمله.
لحد ما ظهر هو.
البيت اللي جنبنا كان فاضي لفترة طويلة.
كان صاحبه القديم سايبه وسافر، وبعدها اتباع، وبعدها فضل مقفول فترة.
وفي يوم صيفي حر، شوفنا عربية نقل قدام البيت.
أول حاجة الولاد عملوها إنهم وقفوا عند الشباك.
واحد منهم قال
في حد جديد جاي!
والتاني قال
يمكن عنده أطفال!
وأصغر واحدة قالت
يارب يكون عنده قطة.
ضحكنا.
ماكناش نعرف إن الشخص الجديد مش هيكون مجرد جار.
كان راجل كبير في السن.
تقريبًا في أواخر التمانينات.
كان هادي جدًا.
مافيش حواليه ناس كتير.
نزل من العربية بنفسه، رغم إن الحركة كانت واضحة إنها صعبة عليه.
كان جسمه ضعيف شوية، وشعره أبيض بالكامل، وكان دايمًا بيمشي ببطء كأنه بيحسب كل خطوة.
في أول يوم، ماحصلش أي كلام بينا غير سلام سريع.
تاني يوم سلمنا.
تالت يوم سألني عن اسم الشارع.
وبعد أسبوع، بقينا بنتكلم كل يوم تقريبًا.
في البداية كانت محادثات عادية.
أسعار الحاجات.
الجو.
البيت.
المنطقة.
وبعدين بدأ يحكي عن مراته.
من غير ما نطلب.
كان اسمها عمره ما يهمنا قد ما كانت ذكرياتها هي اللي بتهمه.
كان يقول
هي كانت بتعمل القهوة بطريقة غريبة.
وأنا أضحك وأسأله
غريبة إزاي؟
فيقول
كانت بتحط سكر زيادة، ولما أقول لها القهوة مسكرة تقول لي عشان الحياة مرة.
كان يضحك.
وبعدين يسكت.
وأنا كنت ألاحظ إن الضحكة كانت بتخلص بسرعة.
كان عاش معاها أكتر من أربعين سنة.
أكتر من نص عمره.
وفجأة بقى لوحده.
قال لي مرة
البيت مش بيت لما الشخص اللي كنت بتصحى عشانه مايبقاش موجود.
الجملة فضلت في دماغي.
مراته كانت توفت قبل ما ينتقل عندنا بفترة.
وبعد ۏفاتها، حاول يعيش في البيت القديم.
قال لنا إنه قدر يستحمل أسبوعين.
وبعدين بدأ ينام في أوضة مختلفة.
وبعدين بقى يقفل أوض كتير.
وبعدين بطل يدخل المطبخ.
وفي الآخر باع البيت كله.
قال
كل حتة

1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *