لما حماتى عرفت
لمحة نيوز
البيت.
كنت فاكرة إن لو عملت كل حاجة صح، البيت هيهدى، والجواز هيستقر.
كنت بشيل الجزء الأكبر من مسؤوليات البيت.
وكنت بحاول بكل حرص أحافظ على شكل العلاقة الهادية قدام حماتي.
وكنت كل يوم بدور على نقطة توازن هشة بين حياتي المهنية وحياتي الزوجية.
لكنني كنت غلطانة.
تنازلاتي ما خلتش البيت أهدى.
تنازلاتي خلتهم يتمادوا أكتر.
سكوتي واستسلامي خلّاهم يفتكروا إني ضعيفة وسهل السيطرة عليّ.
نادية كانت فاكرة إنها من حقها تحدد مصير حياتي.
وأحمد كان مستمتع بالراحة اللي بيحصل عليها بسبب كل التنازلات اللي بعملها.
قرار النقل كان زي شعاع نور قوي جدًا دخل فجأة على زواج كنت طول الوقت بخدع نفسي بخصوصه.
كشف لي الحقيقة.
كشف لي إن أحمد ما كانش بيحب مريم الحقيقية.
هو كان بيحب صورة الزوجة المطيعة اللي بتخليه يعيش مرتاح، من غير ما يضطر يواجه أمه، ومن غير ما يدخل في أي صدام.
أما أنا، مريم، فكنت إنسانة مستقلة.
عندي شغل.
وعندي طموحات.
وعندي أهداف خاصة بيا.
ومن الأساس، إحنا كنا مختلفين في جذور شخصياتنا.
قال أحمد أخيرًا
مريم، بلاش تقولي كده وإنتِ متعصبة.
وشه كان فاقد لونه تقريبًا.
مد إيده علشان يمسك إيدي، لكنني تحركت بعيد عنه.
وقلت
أنا مش بقول الكلام ده وأنا متعصبة. أنا هادية جدًا.
دخلت غرفة المكتب.
فتحت درج المكتب، وطلعت ورقة وقلم.
وقلت وأنا ببدأ أكتب
بالنسبة للممتلكات، مفيش حاجة بينا تستاهل التقسيم. الشقة دي تبع جهة عملك، والعربية كانت ملكك قبل الجواز. فلوس التوفير والمبالغ الخاصة بالسكن اللي أنا جمعتها، هتعامل معاها بنفسي. وإحنا معندناش أطفال، فالموضوع بسيط.
كنت بتكلم وأنا بكتب بنود اتفاق الطلاق بسرعة.
هدوئي وحسمي خلو أحمد يدخل في حالة هلع حقيقية.
قال وهو مرتبك
لا… مريم، مش كده… أنا ما كانش قصدي كده.
وبدأ يشرح بطريقة متخبطة
أنا كنت بس عايزنا نتكلم ونفكر سوا…
وقفت عن الكتابة، ورفعت عيني له.
وقلت
مش نتيجة الكلام بينا كانت هتبقى إيه؟ مش إن أنا اللي أتنازل؟
فضل ساكت.
فكملت
أحمد، اسأل نفسك بصدق. خمس سنين، كل مرة كانت بتحصل مشكلة بيني وبين أمك، الكلام اللي كنت بتسميه مناقشة كان بينتهي بإيه؟
بصيت له مباشرة وقلت
مش كل مرة كنت أنا اللي بتنازل في الآخر؟
وسكت لحظة، ثم تابعت
من أصغر حاجة، زي هنأكل إيه على الغدا، لأكبر حاجة، زي هنقضي العيد عند مين… في مرة واحدة بس حصلت مشكلة وما كنتش أنا اللي اتنازلت؟
فتح بقه، لكنه ما قدرش يرد.
لأن كل كلمة قلتها كانت حقيقة.
حتى نادية نفسها ما كانتش متوقعة إني أكون حاسمة بالشكل ده.
هي أصلًا كانت عملت كل ده علشان تضغط عليّ وأتراجع.
لكنها لما لقتني وافقت فورًا، كل حساباتها اتلخبطت.
بدأت عينيها تتحرك في المكان، وكأنها بتحاول تلاقي طريقة تانية تسيطر بيها على الموقف.
وفعلًا، لقت طريقة.
لفت لأحمد، وبدأت تعيط من جديد وهي بتقول
يا ابني، إنت شايف؟! شايف مراتك بتعمل إيه؟! هي أصلًا كانت عايزة تسيبنا من زمان!
وبدأت تضغط عليه أكتر
دي مهندسة كبيرة، وموظفة مهمة، وموهبة البلد محتاجاها! البيت الصغير ده عمره ما كان هيكفيها!
وبعدين قالت وهي بتشهق من العياط
هي بس استغلت حكاية النقل للصعيد كحجة علشان ترميك إنت وأمك وتخلص مننا!
كنت سمعت النوع ده من الاتهامات لحد ما بقيت ما بحسش بيها.
ما اهتمتش بكلامها.
خلصت كتابة الاتفاق.
وقدمت الورقة لأحمد وقلت
اقرأها. لو مفيش أي مشكلة، وقّع. الساعة تسعة الصبح بكرة، هقابلك قدام مصلحة الأحوال المدنية.
مسك أحمد الورقة.
إيده كانت بتترعش بشكل واضح.
رفع عينيه لي.
كان في عينيه توسّل وحيرة، ومعاهم حاجة شبه الغضب، كأنه هو اللي اتظلم واتخدع.
وقال
مريم، لمجرد شغل؟! لمجرد شغل إنتِ عايزة تهدي بيتنا بإيدك؟! هو قلبك معمول من إيه؟!
بصيت له في عينه مباشرة.
وقلت كلمة كلمة
اللي هدم بيتنا مش شغلي.
وسكت لحظة.
ثم أكملت
اللي هدم بيتنا هو ضعفك قدام أمك، ورغبتها اللي ملهاش حدود في السيطرة على حياتنا.
وبعدها ما استنيتش رده.
لفيت ودخلت غرفة النوم.
قفلت الباب ورايا.
ومن الناحية التانية للباب، سمعت صوت نادية وهي بتصرخ وتعيط بشكل أعنف.
وسمعت صوت أحمد وهو بيحاول يهديها بصوت ضعيف ومهزوز.
سندت ضهري على الباب.
وأخدت نفس طويل جدًا.
لأول مرة، ما كانش جوايا الوجع اللي كنت متخيلة إني هحسه.
ولا كان فيه حنين.
ولا رغبة في الرجوع.
كان فيه إحساس واحد بس…
الراحة.
راحة شخص أخيرًا اتحرر من حاجة كانت بتخنقه من سنين.
يمكن الجواز ده كان المفروض ينتهي من زمان.
03
فضلت واقفة وظهري مسنود على الباب، وأنا بسمع صوت نادية من بره وهي بتعيط وتزعق.
أحمد! إنت واقف كده ليه؟! قول لها تخرج! قول لها إنها مش هتقدر تسيبك كده!
صوت أحمد كان واطي ومخنوق
ماما، كفاية بقى…
كفاية إيه؟! هي اللي طلبت الطلاق! مش إنت!
سكت أحمد.
وأنا من ورا الباب، لأول مرة، ما حسيتش برغبة إني أخرج أدافع عن نفسي.
زمان كنت أول ما أسمع نادية بتتهمني، أخرج أشرح وأبرر وأحاول أثبت إني مش وحشة.
كنت بخاف إن سكوتي يتفهم غلط.
لكن الليلة دي فهمت حاجة مهمة جدًا.
مش كل اتهام محتاج رد.
ومش كل شخص مصمم يشوفك مذنب، تقدر تقنعه ببراءتك.
دخلت الحمام، غسلت وشي، وبعدين فتحت الدولاب.
بدأت أجهز شنطة صغيرة.
مش علشان أهرب.
ولا علشان أخرج من البيت في نص الليل.
لكن لأنني لأول مرة كنت ببص لحياتي كأنها ملكي أنا.
طلعت بدلتين رسميتين.
كام قميص.
لاب توب الشغل.
الملفات الخاصة بالمشروع.
وشوية حاجات شخصية.
وبينما كنت بحط حاجاتي، وقعت عيني على صورة قديمة ليا ولأحمد.
كانت متعلقة في إطار صغير فوق الكومودينو.
يومها كنا واقفين على البحر.
أنا كنت بضحك، وهو كان حاطط إيده على كتفي.
افتكرت كلامه وقتها.
هنسافر سوا في كل حتة، وأي مكان تروحيه هاجي معاكي.
ابتسمت بسخرية خفيفة.
بعض الوعود مش بتكذب وقت ما بتتقال.
لكن أصحابها بيتغيروا.
وأحيانًا الإنسان نفسه بيتغير من غير ما يحس.
مديت إيدي وشلت الصورة.
لكن بدل ما أرميها، حطيتها في درج صغير.
مش احتفاظًا بالحب.
لكن لأن الماضي جزء من حياتي، حتى لو انتهى.
في الصباح، صحيت قبل المنبه.
لبست بدلة رمادية بسيطة، وربطت شعري، وحطيت ملف الطلاق في شنطتي.
خرجت من الأوضة.
لقيت نادية قاعدة على الكنبة، ووشها منتفخ من العياط.
أحمد كان واقف عند الشباك.
أول ما شافني، بص لي.
كانت عينيه مليانة إرهاق.
قال
مريم… لسه ممكن نتراجع.
رديت بهدوء
إحنا اتفقنا.
نادية شهقت وقالت
هو لسه عنده وقت يرجع في كلامه!
بصيت لها وقلت
الطلاق كان اقتراحك يا ماما. وأنا وافقت عليه.
سكتت.
كانت أول مرة أشوفها مش عارفة ترد.
أحمد مسك الورقة.
بص لها فترة طويلة.
وبعدين وقع.
وقعت أنا بعدها.
وفي مكتب المأذون، انتهت خمس سنين من حياتي في دقائق.
الغريب إن اللحظة اللي كنت متخيلة إنها هتكون أصعب لحظة في عمري، كانت أهدى مما توقعت.
خرجت من المكتب.
وقفت على الرصيف.
الجو كان بارد شوية.
وأنا لأول مرة من سنين حسيت إن الهواء داخل صدري كامل.
رن موبايلي.
كان مدير المشروع.
مريم، إحنا مستنيينك في الإدارة. فيه اجتماع عاجل قبل السفر.
قلت
أنا جاية.
قفلت المكالمة.
وبصيت لأحمد.
كان واقف قدام المبنى.
قال
هتسافري إمتى؟
بعد تلات أيام.
سألني
وهتروحي لوحدك؟
ابتسمت ابتسامة بسيطة.
أنا عمري ما كنت لوحدي يا أحمد. أنا كان عندي نفسي.
ما ردش.
ركبت عربيتي ومشيت.
لكن قبل ما أوصل للإدارة، جالي اتصال من موظف الشؤون الإدارية.
يا أستاذة مريم، محتاجين نتأكد من عنوان إقامتك الجديد. السكن الخاص بالمشروع هيكون جاهز لاستقبالك من أول يوم.
قلت
تمام.
وبعد لحظة صمت، قال
وبالمناسبة، تم اعتماد طلب السكن الفردي الخاص بمنصبك الجديد.
وقفت للحظة.
منصبي الجديد؟
أيوه. قرار تعيينك كنائبة للمهندس العام اتعمد رسميًا امبارح.
قفلت المكالمة وأنا مش مستوعبة.
كنت طول الوقت مشغولة