طلقت مراتى بعد فترة

وقفت زي الصنم، الأرض كانت بتلف بيا والناس والمحل الشيك والأضواء الهادية كلها اتجمعت في لحظة واحدة وصغرت لحد ما بقت قد عينين ليلى المليانة دموع. صافي كانت واقفة جنب مني بتضحك بقلة أدب، حاطة إيدها في وسطها، وعينها بتتطاول على ليلى وهي بتنحني تطوي الفستان من على الأرض بالراحة.
اللحظة دي كان فيها صوت كسر حقيقي، مش مجرد تمثيل.. صوت حاجة جوايا أنا بتتهشم. ليلى قامت وشها أحمر من الدموع المحبوسة، مسحت بطرف إيدها الخفيفة على حافة الفستان عشان تتأكد إن ما فيش تراب مسه، وبعدين اتعدلت في وقفتها ورفعت راسها لفوق.. رفعة راس فيها كمية كبرياء تخلي أي حد قدامها يحس إنه أصغر من النملة.
بصت لصافي وقالت بنبرة هادية جداً، بس ثابتة زي الجبل
الفستان أهو يا فندم، نضيف وزي الفل.. والمقاس اللي حضرتك طلبتيه موجود جوه، بس للأسف المحل هنا بيبيع هدوم، وما بنبيعش أدب ولا ذوق.. عن إذنك هجيب المقاس.
صافي وشها جاب ألوان، واتفتحت عينها على آخرهم من الصدمة، واتنططت في مكانها وهي بتصرخ
انتي يا بت انتي بتكلميني أنا كده؟ انتي عارفة أنا مين والشنطة اللي في إيدي دي تجيبك وتجيب المحل ده باللي فيه؟ أنت واقف تتفرج عليا يا حبيبي؟ شايف البياعة دي بتكلمني إزاي؟ اتصرف يا إما هقلب المحل ده على دماغهم!
كنت واقف مش عارف أجمع كلمة، لساني اتعقد، ريقي جف تماماً. أقولها إيه؟ أقول لصافي إن دي ليلى؟ ليلى اللي سيبتها زمان عشان كانت هادية ومش بتعمل مشاكل؟ ليلى اللي كنت شايف حياتي معاها ملل، ودلوقتي واقفة قدامي بتموت ألف مرة في الدقيقة عشان تاكل لقمة حلال؟
قبل ما أنطق كلمة، خرج مدير المحل من المكتب الجواني على صوت صريخ صافي. راجل كبير في السن، شعره أبيض، ولابس بدلة أنيقة جداً. أول ما شاف المنظر، قرب بخطوات سريعة وقال بنبرة هادية بس صارمة
خير يا فندم؟ في إيه؟ الصوت عالي ليه في المكان؟
صافي شاورت بإيدها على ليلى بغل وقالت
البياعة الهانم بتاعتكم قليلة الأدب! بتغلط فيا وبتقولي مابنبيعش أدب! أنا زبونة وجاية أدفع ألوفات هنا، وهي ترمي عليا الكلام وتتكلم من طرف مناخيرها! أنا تطردوا البتاعة دي حالاً، يا إما هعملكم مشكلة على السوشيال ميديا وأقفلكم الفرع ده!
المدير بص لليلى، وبعدين بص للفلوس ال 50 جنيه اللي كانت لسة مرمية على الأرض. عين الراجل كانت ذكية جداً، لقط التفاصيل في ثانية. بص لصافي وقال بكل برود
الفلوس دي وقعت من حضرتك يا فندم؟
صافي ضحكت بتكبر وقالت
لا موقعتش، أنا رميتهالها عشان تشتري بيها كريم لإيدها الخشنة دي بدال ما تبوظ الفساتين الفخمة!
المدير ملامح وشه اتغيرت تماماً. بص لصافي بجمود وقفل زرار جاكيت البدلة وقال
يا فندم، المحل هنا بيخدم كل الناس بذوق، بس ما بيسمحش لإهانة أي حد من اللي شغالين فيه. المدام ليلى مش مجرد بياعة هنا، المدام ليلى هي المسؤولة عن تنظيم أرق العروض عندنا، وإيدها الشقيانة دي هي اللي بتخلي المكان بالجمال ده. لو الفلوس دي زيادة عن حضرتك، تقدري تاخديها وتتفضلي، الفستان ده مش للبيع ليكي.
صافي شهقت بصوت عالي
انت بتطردني أنا؟ بتطردني عشان خاطر دي؟ انت عارف جوزي مين؟
صافي سحبتني من دراعي بقوة وقالت
اتكلم يا مجدي! ساكت ليه؟ قوله انت مين وقوله هتعمل إيه في المحل ده!
بصيت لصافي، وبعدين بصيت لليلى. ليلى كانت واقفة بعيد، باصة للأرض ودمعة واحدة خانتها ونزلت على خدها الشاحب. اللحظة دي حسيت بقرف شديد من نفسي.. ومن صافي.. ومن الفلوس.. ومن العربيات والعز الوهمي اللي كنت فاكر إني عايش فيه.
سحبت دراعي بالراحة من إيد صافي، وقلت بصوت واطي ومخنوع
يلا نمشي يا صافي.
صافي بصتلي بذهول وقالت
نمشي؟ نمشي من غير ما تاخدلي حقي؟ أنت اتجننت يا مجدي؟
قلت بصرامة وزعيق مكتوم لأول مرة في حياتي وشي يحمر كده قدامها
قلتلك يلا نمشي! المحل مش عايز يبيع، يلا!
سحبتها من إيدها ومشيت بيها بالعافية وهي بتبرطم وتزعق وتقل في أدبها طول ما إحنا ماشيين في المول. كل خطوة كنت بدمها، كل خطوة كنت بحس إن كرامتي أنا اللي انصلخت على أرضية المول الزجاجية.
طول الطريق في العربية، صافي كانت شغال زعيق وتلطيش في الكلام
أنت مش راجل! إزاي تسيب واحدة حشرة زي دي تتكلم معايا كده وترد عليا؟ أنت خفت منها ولا إيه؟ ولا المحل ده له ظهر وأنت جبان؟ أنا مش مصدقة إنك وقفت زي الألفظ وما خدتليش حقي!
ما ردتش عليها ولا بكلمة. كنت سايق العربية وعيني على الطريق بس مش شايفه. في دماغي صورتين بيتعرضوا ورا بعض زي شريط السينما
الصورة الأولى ليلى في بيتنا القديم، قاعدة على الكنبة بتطرز مفرش بالراحة، وبتستناني برجوعي بخاطر طيب، تمسح على إيدي وتقولي ربنا يقويك يا حبيبي، بيت هادي، ريحة بخور خفيفة، وأكل متغطي على السفينة، وأنا شايف ده كله رتابة وملل.
والصورة التانية صافي وهي بتصرخ في وشي عشان نسيت أجيب أكل من المطعم الفلاني، صافي وهي بتصرف ألوفات في اليوم على الهدوم والمكياج وما بتشبعش، صافي وهي بترم فلوس تحت رجلين إنسانة محترمة عشان تذلها.
وصلنا البيت، دخلت صافي وهي بتهبد الأبواب وتزعق، وأنا دخلت الأوضة وقفت قدام المراية. بصيت لوشي وقعدت

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *